تشير أغلب الإحصاءات، المعتمدة رسميًّا من جهات حكوميّة عربيّة، ومن جهات معتمدة دوليّة، مثل منظمة اليونسكو، الى أن العالم العربي يقف دائماً في ذيل قائمة الأمم القارئة للكتب، فوفقًا الى تقرير صادر عن منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة في شباط 2023، ينشر العالم العربي 1650 كتابًا سنويًا، في وقت ينشر فيه الولايات المتحدة الامريكية 85 ألف كتاب سنويًا.

وتتفوق إصدارات الكتب في الدول الأوروبية بشكل محزن على ما يقابلها في العالم العربي، الذي إذ يصدر فيه كتابان سنويا، ففي الوقت نفسه يصدر في اوروبا 100 كتاب. والتقرير نفسه يشير الى أن الطفل العربي يقرأ 7 دقائق سنويًا، بينما الطفل الأميركي يقرأ 6 دقائق يوميًا.

 وبعد ...؟

تعاني الثقافة، بشكل عام، في البلدان العربيّة، من انحدار مريع، مع تهدم البنى التحتية الاجتماعية والسياسية، في العديد من الدول العربيّة، واختفاء أهم المؤسسات المدنية الفاعلة وتشوه تركيب المجتمعات، بزوال الطبقة المتوسطة، وظهور طبقة طفيليّة ساعدت على انقسام المجتمعات العربية طائفيًّا وإغراقها في طقوس غيبيّة، ويترافق كل ذلك مع التدهور في الحياة الاقتصادية، لأغلب البلدان العربية، وعيش العديد منها على عوائد النفط فقط، وتحولها الى بلدان استهلاكية وغير منتجة لاي بضاعة.

في الجانب الآخر، نجد أنفسنا، في العديد من البلدان العربية، نقف أمام حقيقة مريعة، هي تحول غالبية العاملين في حقول الثقافة الى موظفين في الدولة، وغياب وتغييب لدور المثقفين العضويين، فيوفر الفرصة لبروز جمهرة من المتثاقفين و(المثقفين نص ردن) أصحاب ثقافة الوجبات السريعة، ونجوم مواقع التواصل الاجتماعي، مع غياب أطر ثقافية فاعلة قادرة على خلق نهضة ثقافية، واستمرار معاناة المثقفين الحقيقيين مع تسيّد الأنظمة القمعيّة وأذرعها البوليسية من مليشيات وأجهزة أمنية قمعية، التي تفرض قيودًا لا عد لها حول أي نشاط ثقافي يتعارض مع منطلقاتها المذهبية والايديولوجية، يترافق هذا مع انتشار الأميّة، وتدهور أوضاع التعليم، بل وانحداره في بعض من البلدان العربية، هكذا تحولت القنوات الفضائية، المتكاثرة مثل الفطر، الى المصدر الأهم للمواطن العربي، منها يتلقى المعلومات والأفكار، عبر ما تقدمه وتسمح به الأنظمة الحاكمة ومؤسساتها الرقابيّة، من برامج ومسلسلات تمثيليّة وأغان، تنشر الأفكار الظلاميّة والسطحيّة. هكذا أصبحت مصادر المعرفة بالنسبة للمواطن العربي محدودة، وصار يتلقى باستمرار جرعات من التفاهة عبر ما تقدمه له الفضائيات من مسلسلات تلفزيونية تسهم في تشكيل، وعيه وتربية ذوقه وقيمه.

في شهر رمضان المنصرم، تورطت ـ بالمعنى الكامل للكلمة!  وتابعت على مضض مسلسل (أولاد بديعة) من إنتاج شركة بنتا لينس، تأليف علي وجيه ويامن الحجلي وإخراج رشا شربتجي، وشارك في أداء أدواره نخبة من نجوم الدراما السورية. كنت أنشد بعض المتعة والمعرفة، فوجدت نفسي أخوض في مستنقع حكاية مفككة تجمّل القبح والجريمة والأفعال الشائنة وتحاول تقديمها خلف غطاء أسماء نخبة العاملين والنجوم من ممثلين وفنيين. ماذا أراد المسلسل أن يقول وأية رسالة؟ أي حكاية قدم؟.

غابت روح المنطق من كل الحكاية التي قدمها المسلسل، وسادت روح الثأر والانتقام التي سكنت قلوب أغلب الشخصيات، وجعلتهم يرتكبون سلسلة من الجرائم التي يقدمها المسلسل كأفعال مبررة وربما بطوليّة، ولأجل مط المسلسل الى ثلاثين حلقة، تم حشوه بكذا حكاية جانبيّة، رهلت أكثر من حكاية الأخوة الأعداء المتخاصمين حول الإرث والوجاهة والنسب.

يردد كبار السن، بأن (الكذب المصفط أفضل من الصدق المخربط)، ولكننا خلال ثلاثين حلقة، لم نجد لا كذبا مصفطا ولا خربطة صادقة.

طبّل منتجو العمل كثيرا، لاجل التسويق، في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، لما سموه بجرأة العمل، ولم أجد فيه كمشاهد أية أفكار جريئة تستحق التوقف عندها، ولا مشاهد فنيّة جريئة تستحق الإشادة، لم يكن هناك من (جرأة) سوى مشاهد كباريه عادية ترتدي فيه الراقصة سكر (الممثلة سلافة معمار) شورت رياضة تحت ملابس الرقص، فأين الجرأة؟.

لقد جمّل المسلسل بشكل فج الجرائم القبيحة والأعمال المشينة، التي ارتكبها أغلب شخصيات المسلسل، بل وتركهم من دون عقاب، وكما يبدو، ولأجل انتاج موسم ثانٍ، حاول ان يحول (أولاد بديعة) الى وطنيين بتعاونهم مع الأجهزة الأمنية وذلك بغدرهم بأحد شركائهم في الجرائم.

من المؤسف أن إمكانيات فنيّة وطاقات تمثيليّة، تهدر لإنتاج مسلسل بقصة مفبركة، إذ لا تخلو حلقة واحدة من حلقاته الثلاثين من أحداث مفتعلة وغير منطقيّة، وحيث تتطور الاحداث بشكل ملفق، مثل محاولة قتل أبو الهول (الممثل محمد حداقي) فإذ ينجو من المحاولة الاولى، بعد مشهد ساذج وذلك بفك عجلات سيارته التي سقطت في الوادي وتحولت الى خردة، ويتبين عدم موته!! ولأجل الخلاص من ابتزازه واسكاته تقرر الراقصة سكر وأخوها ياسين (الممثل يامن الحجلي) قتله على الطريق العام، السريع، بتفجير سيارته بعد رميها بالقنابل اليدويّة! وكأنَّ راكبي وسائقي السيارات المارة على الطريق السريع العام، في بلد عربي، مثل سوريا، مكفوفي البصر!!، فلم يلاحظوا تفجير السيارة ليتصل أحدهم بالسلطات المعنية، وتركوا أخوة بديعة بسهولة يأخذون جثة غريمهم لدفنها وتغييبها، وفق رغبة كاتب ومخرج العمل.

 الميزة الوحيدة لهذا المسلسل، أنه لا يمكنك توقع سير الاحداث وتطور الشخصيات، إنه يذكر بالمسلسلات الامريكية التي تنتج لذات الأهداف، تسطيح وعي المشاهد، وتسمى مسلسلات (ربات البيوت) حيث تكتب قصصها حسب رغبة المشاهدين والمتابعين، فتختفي منها شخصيات وتعشق وتتطلق وتتزوج شخصيات حسب طلبات ورغبات المشاهدين، وكأني بمسلسل (أولاد بديعة) تكتب حكايته خلال انتاج العمل، فالشخصيات تظهر وتختفي من دون مبررات مقنعة، تهبط وترتفع، تحب وتكره، تؤمن وتكفر، تعادي وتصالح، من دون منطق ومن دون مبررات كافية.

وستكون قمة السخرية والهزء بعقول الناس إذا تم انتاج موسم ثانٍ من هذا المسلسل، الذي يمجّد القبح ويجمّل الجريمة والشر وقدم للاسرة العربية، بحضور الكبار والأطفال، في الشهر الطهور، جرعة عالية من العنف، و... يا عزيزي القارئ، ليختر المواطن العربي ديكتاتوره المفضل ويرفع صورته في بيته، ولا تسأل لماذا يتم الاعجاب به من قبل آخرين كثيرين!، فهناك من يعمل على تجميل القبح والشر وتبرير التفاهة.

*نشر في جريدة الصباح البغدادية عدد يوم 2024/04/15

 

عرض مقالات: