لندن –طريق الشعب (خاص)

في السادس والعشرين من تموز الماضي .. كان قرار المقهى الثقافي العراقي في لندن الإحتفاء بيوم العراق الوطني ..الذكرى الـ٦١ لثورة الرابع عشر من تموز الخالد .. عندما هب الشعب وإنتفض الجيش فينهيان النظام الذي نصبه الإستعمار ليرتهن به .. فكانت للمقهى كلمة ألقتها الشاعرة دلال جويد جاء فيها:

"المقهى الثقافي العراقي في لندن يحتفي معكم في الذكرى الحادية والستين لثورة شعبنا في الرابع عشر من تموز عام ١٩٥٨.. تلك الثورة التي فكت وطننا الغالي من تبعيته للأستعمار الذي نصب عملاءه ليحكموه ويسخّروا كل ثرواته لمصالح الأجنبي على حساب أفقار شعبنا وحرمانه من أبسط حقوقه في الحرية والحياة الكريمة. 

ان تلك الثورة سعت الى إقامة البنى التحتية لثقافة شعبنا ومنذ انطلاقتها أرست على أسس علمية جامعة بغداد وهي في سنتها الأولى وبنت الألاف من المدارس توزعت على كل ربوع الوطن وأنجزت صروح ثقافية أخرى بقت شاهدة حتى اليوم نذكر منها على سبيل المثال قاعة كولبنكيان للفن الحديث ومسرح الخلد ومصلحة السينما والمسرح وأطلقت حرية العمل النقابي فكانت نقابة الصحفيين واتحاد الأدباء وجمعية الفنانين التشكيليين وأزدانت عاصمة بلدنا بغداد الحبيبة بالنصب والتماثيل منها نصب الحرية وجدارية فائق حسن واتمت تنظيم المتحف العراقي وشجعت الفرق المسرحية وأقامت مهرجان المسرح العراقي الأول فكانت العروض لفرق : مسرح ١٤ تموز والفرقة الشعبية للتمثيل والمسرح الحر وشباب الطليعة والمسرح العراقي والمسرح الحديث. 

كل تلك الأنجازات ، وغيرها على صعيد التصنيع والزراعة، حققتها الثورة بتظافر مثقفي وكادحي بلادنا، وبعمرها القصير ، التي عجزت عهود تبعتها عن تحقيق جزء بسيط مثلها، انما على العكس فقد انحدر المستوى الثقافي أبان دكتاتورية وفاشية النظام السابق وحروبه العبثية ، وتراجعت بل انعدمت فيما بعد التغيير في ٢٠٠٣ حيث سادت المحاصصة الحزبية المقيتة وتفشى الفساد وغابت ابسط الخدمات الأنسانية لأهلنا في الوطن. 

اننا إذ نحتفي بثورة الرابع عشر من تموز بعد ٦١ عاما على بزوغ فجرها الوضاء، نتطلع الى الإفادة من الدروس والعبر التي يمكن لشعبنا الاستناد لها في بناء دولة مدنية ديمقراطية تحقق العدالة الاجتماعية وتضمن لمواطنينا الحياة الكريمة وكامل حقوقهم الأنسانية. 

شغيلة المقهى الثقافي العراقي في لندن".

وبعد تلك الكلمة دعت الشاعرة جويد كلا من الفنانين شافي الجيلاوي وإحسان الأمام ليشرعا بتقديم الأمسية التي كان عنوانها ( صعود ونهوض الأغنية العراقية .. تألقها في السبعينات نموذجا ).

الفنان شافي ابتدأ الحديث وقال :" اننا سنتكلم بعض الشيء عن الأغنية العراقية  و أشار الى :" عنوان الأمسية عن تألقها في السبعينات ونتمنى ان نتشارك معكم في ذكر أسباب ذلك التألق في تلك الفترة وماذا حصل في الفترات اللاحقة .. العراق بلد متميز.. فيه عناصر تجعل الإنسان ان يحس بالعشق ..الذي ترجم في الموسيقى خاصة والإبداع الفني عموما .. لماذا الاغنية السبعينية إزدهرت ؟".

أجاب الفنان شافي ان الأغنية السبعينية إتكأت الى نضح فني منذ الثلاثينات والأربعينيات .. وذكر ان ذلك النضح تجسد في أعمال الأخوين داود وصالح الكويتي  .. وهما اللذان  رفدا المكتبة العراقية بأغان ماتزال متميزة .. في السابق كان التلحين يعتمد مقاما واحدا في الأغنية .. لكن في السبعينيات صار من سمات الأغنية تضمينها مقدمات موسيقية وانتقالات بين عدة مقامات منسجمة تصل الى قلب الإنسان مباشرة . وذكر أسماء بعض ملحني تلك الفترة ومنهم طالب القره غولي ومحمد جواد أموري وجعفر الخفاف وغيرهم .. وأضاف الفنان الجيلاوي :" لا شك ان الشعر الشعبي قد إزدهر في تلك الفترة مما أوجد بيئة خصبة ومنهلا عظيما ينهل منه هؤلاء الملحنون التي تتناغم تلك القصائد مع روحياتهم وأحاسيسهم الجميلة فأبدعوا أيما إبداع"

وأشار الى ان ذلك الإزدهار والصعود قد بدأ منذ مطلع الثمانينيات بالتراجع للأسف نتيجة الظروف السياسية التي مرت ببلادنا والحروب التي أشعلها النظام الذي جيّر كل شيء لخدمته بما في ذلك الأغنية حيث حالت تلك البيئة دون حرية ابداع الفنانين فسيطر الخوف والهلع عندهم لمطالبة أجهزة النظام لهم بتسخير فنهم للتطبيل له وتمجيد حروبه . وقال الفنان شافي ان التدهور واصل لحد اليوم حيث تفشت الأغاني الهابطة التي لا تحمل قيم الماضي لكنه أكد:" لابد ان أشير الى إن هناك بعض الأعمال الجيدة .. لكن أنقلبت الحالة اليوم الى الظاهرة السائدة التي أصبحت هي النشاز والنشاز أصبح هو الظاهرة " وتحدث عن أهمية الموسيقى وكيف انها تعتمد العاطفة وتحرك المشاعر وانها تستخدم في العلاج أيضا .. وان الأغنية تدغدغ عاطفة الأنسان ، والذي يتجرد عن إنسانيته  يتجرد من عاطفته . وفي ختام حديثه قال الفنان شافي :" ان البعض يرجع سبب ما يجري الأن من تدهور الى وجود مؤامرة .. من الخارج لكي تكتمل عملية تدمير المجتمع العراقي .. لكنا لا نريد ان نعلق كل شيء على مشجب المؤامرة فقط .. فإن كان هناك متآمرون ، فنحن الذين تآمرنا على أنفسنا ، لا أريد أن أشير بإصبع الإتهام الى الآخرين فقط " وأكد على ان في هذه الأيام أصبح المجال مفتوحا لكل من أراد أن يؤلف او يلحن او يؤدي أغنية حيث تعددت الوسائل الأعلامية فضاعت المقاييس ويجري عدم الألتزام بالمنهج العلمي للموسيقى ،ومن هنا تأتي الخطورة من سيادة الأغنية التي لا تمتلك المواصفات الحرفية الجيدة ، وهذه المسألة لا تنطبق على بلدنا فقط ، فالأغنية الهابطة وجدت لها مكانا حتى في بلد مثل مصر الذي تجذرت فيه الاغنية الرصينة والجادة .. ان شيوع المستوى الهابط ، ينبغي التصدي له ، فالأذن هي الأخرى تتربى وتتعود ".

أما الفنان أحسان الأمام فقد وافق في مداخلته على ما طرحه زميله الفنان شافي وأكد ان موضوع الأمسية يطول الحديث فيه لكن " ينبغي علينا أن نعرج على بعض الأسماء التي أسهمت في إرساء أسس راسخة للأغنية العراقية والتي صنعت تألقها .. ويفترض لكل فنان ان نعمل له أمسية خاصة به .. فمثلا ما قدمه الأخوان صالح وداود الكويتي من أغان عراقية ما زالت عالقة في الأذهان ، وكلنا نرددها للآن رغم مرور السنوات الطويلة عليها  ، وهي كانت مزجا بين الريف والمدينة وإمتازت ببساطة وعمق كلماتها ونغمات الحانها التي اعتمدت على نغم (الجورجينا ) المعروف ثم تبعتها أغاني المدينة في الخمسينات والستينات التي وضع الحانها فنانون جادون درسوا علوم الموسيقى في معهد الفنون الجميلة نذكر منهم عباس جميل ووديع خوندة ويحيى حمدي ورضا علي وكثير غيرهم تميز كل منهم بأسلوب خاص ، متجدد، ثم جاءت مرحلة السبعينات لتشهد تطورا جديدا في تاريخ العراق الثقافي ، ومجيء جيل جديد تصدر هذه القائمة منهم طالب القره غولي وكوكب حمزة وكمال السيد ومحمد نوشي وعبد الحسين السماوي وجعفر الخفاف ومحسن فرحان ".

ثم اعطى الفنان إحسان الإمام أمثلة للأغاني التي سادت السبعينات وأشار الى جيل آخر من المغنيين وهم من الجيل الجديد وجاء أيضا على ذكر  الشعراء الذين كتبوا كلمات تلك الأغاني . وأكد على إن :" ما قدمه كل هؤلاء سيبقى في ذاكرة الناس ، بل ما زالوا يرددوه ، وإن إبداعهم سيبقى حيا لا يموت ، ولا يؤثر عليه  الأنتاج الهابط الذي ينتشر اليوم ، وهذه موجة ستزول ، لأنها لا تعتمد العلم ، ولا تعرف إختيار  كلام ينطوي على معان سامية ولا يعتمد الحانا مؤثرة ". لكنه إستدرك قائلا:" مع إحترامي لأولئك الفنانين ، الذين يقدمون وسط هذه الموجة ، فنا جادا ، يبتعدون عما هو سائد اليوم حيث المقام الواحد والإيقاع الوحيد ، والإسفاف في الكلام واللحن الهزيل الذي لا يرتقي الى مستوى ذوقي راقي ولا الى تاريخنا الثقافي الذي عرفهما مجتمعنا منذ عقود مضت ".

وأعطى الفنانان شافي والإمام بغنائهما وعلى مدى طوال الأمسية التي إستمرت لساعتين دون توقف نماذج من أغاني عراقية مثلت عدة مراحل لكنهما ركزا في أداء أغنيات سبعينية معروفة تم إستقبالها من الحضور بفرح وحميمية وحنين الى تلك المرحلة تجلى في مشاركتهم في ترديد تلك الأغاني فتعالى صدى السبعينات وصوت العراق في تلك القاعة اللندنية التي شاركت بغداد والمدن العراقية الأخرى بإرتفاع درجة الحرارة .. ثم قدم الفنان شافي ملاحظة للحضور منوها ان أمسية اليوم ربما تختلف عن بقية الحفلات في هدوء طابعها وبطء إيقاعها وأكد على :" يجب ان نرجع الذوق الراقي ..ينبغي أن نعيد للأغنية الراقية مكانتها وإحترامها وأن نعود آذاننا عليها لأننا حين نربي آذاننا نستمتع أكثر بترديدنا للأغاني الجيدة " ودعا الحضور لإبداء ملاحظاتهم أو مداخلاتهم للمساهمة في الحوار الذي دأب المقهى على جعله سمة وميزة لآماسيه.

كان السؤال الأول طرحه الزميل سمير طبلة الذي كان يتولى نقل الأمسية ، كعادته ، على صفحات كثيرة في الفيسبوك ويشاهد بثه المباشر الآلاف .. والسؤال كان من أميركا من القاضي راضي الراضي وهو: هبطت الثقافة فهبطت الأغنية العراقية ..ما الحل؟ أجاب الفنان شافي قائلا:" الحل هو بالوعي الحقيقي ، الإنتماء الحقيقي للوطن المجرد من المصالح الذاتية ..الحل بالحب الذي يجب أن ينتشر بيننا ..الحل يجب ان نقف وقفة واحدة من أجل أن نرسي دعائم الدولة المدنية ،دولة المؤسسات ،دولة الكرامة التي تحترم الإنسان بكل مفاصلها وبهذا سيأتي الحل تباعا فترتقي الأغنية ، ويرتقي الشعر ويرتقي الفن ".

وكانت مداخلة الدكتور نجم الدين غلام :" هذه الليلة تحدثنا عن أسباب تألق وإنحدار الأغنية العراقية ، أنا بإعتقادي، كوني محبا للفن وللأغنية ، أرى إن سبب تألق الأغنية في السبعينات أولا: ان ما حدث بالعراق ورفد الساحة الفنية بأسماء هائلة ، كما حصل في العشرينات في مصر حيث جاءت أسماء سيد درويش والسنباطي الى قائمة كبيرة استمرت لفترة طويلة  دامت سبعين عاما ثم بدأت بالتدهور ، عندنا بدأت بالسبعين لكنها لم تدم سوى سبع سنوات .. وهنا نأتي الى السبب الثاني وهو: عندما خف الضرب على الحزب الشيوعي العراقي ، فإن عناصره ورواده ، هم الذين ساهموا في النهوض ، فأغلب الأسماء التي ذكرت اليوم هم يساريون ، أي عنصر منهم ان لم يكن شيوعيا فهو يتعاطف مع الحزب اوكان وطنيا ديمقراطيا ، نعم كانت هناك مطاردات ، لكنها لم تكن المجازر والحروب التي بدأت مع صعود صدام ، ثم ان الأغنية ترتبط بحضارة أي بلد وتطوره ودرجة تقدمه ..أرسطو كان معلم الاسكندر المقدوني الذي قال لمعلمه انني سأحتل نصف العالم فإلى اين أتجه اجابه أرسطو اذهب الى الشعب الذي لديه مطربون جيدون لأن المطرب هو ضمير الأمة اذا أبدع يحييها واذا لم يبدع يميتها.. وابن رشد الفيلسوف المسلم والعربي يقول ان أول إنحدار أمة ما هو إنحدار أغانيها .. ونحن نعيش اليوم في بلادنا تدهورا مريعا ، ردة حضارية في كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والإجتماعية والثقافية فلا نستطيع ان نفصل.. وأن لم يتوقف التدهور فستحل كوارث ".

وجاءت بعدها مداخلة الأستاذ صبحي الزهيري :" شكرا للمقهى الثقافي وشكرا للفنانين الجميلين اللذين اتحفانا وأعادانا الى عشرات السنين الى الوراء وذكراننا إننا أبناء دجلة والفرات وأمنا عشتار وأبونا نبوخذ نصر وصانع قوانيننا حمورابي .. يقال في الفلسفة هناك بناء فوقي وبناء تحتي .. أقول ان البناء التحتي هو الجانب الاقتصادي وتوزيع الثروة والحياة المدنية اما البناء الفوقي فهو الأدب والفن والفلسفة والفكر " وأضاف ان في مطلع العصر الجمهوري تحرر العراق من التبعية وإنفتحت آفاق الثقافة ففي أقل من خمس سنين من عمر ثورة ١٤ تموز أنتجت إنجازات ثقافية لم تنتجها شعوب بعشرات السنين وهذا لم يعجب العدو فصنع التدهور منذ انقلاب ١٩٦٣ حيث كانت خطتهم تدمير الوعي فجاءت الحروب وصعد الحثالات لحكم البلد وأكد على ضرورة عودة الوعي وبناء الدولة المدنية الديمقراطية .. ثم صعدت الى المنصة سيدة قالت :" انا سيكون كلامي مختلفا .. انا ليلى العنيزي .. انا سعودية .. ولكني عراقية الهوى .. أحببت ان أطمئنكم فأقول لكم ان الأغنية العراقية بخير ..لأننا في السعودية الجميع يسمع الأغنية العراقية .. الى جانب سماعنا لأغان أخرى خليجية وعربية لكن العراقية تبقى في القمة نرددها في حفلات أعراسنا ولا تفرحنا وتشرح صدورنا إلا الأغنية العراقية .. انا افتخر انني درست الطب في جامعة البصرة .. ومعرفتي بالوضع في العراق خلال سني دراستي ..لم أعش كل المراحل التي ذكرها الأساتذة ..لكني اود القول لكم ان الأغنية العراقية بالمستوى العالي الذي يليق بها ونحن نتمتع بها ولهذا انا بينكم في هذه الأمسية التي لن أنساها وشكرا لكم ".

وقال الأستاذ محمد النصار من بين الحضور:" ان تطور أي شعب لن يتم الا بالتعليم ..ينبغي ان تلعب الثقافة والتعليم دورا  في نهوض المجتمع، فهما ينميان الأجيال ،في كل مجتمع هناك الغث والسمين، علينا ان لا نتعلق بالماضي وننكمش، نعم الماضي قد يكون جميلا، لكن يجب ان نعمل من أجل مستقبل أجمل".  ثم دعا الفنان إحسان الأمام الحضور الى الغناء جميعا ..فأختاروا رضا علي فغنت القاعة معه :" إتدلل عليّ إتدلل ..بس لا يا ولفي تزعل .. قلبي وروحي أقبل .. أهل الحسد يا غالي كلهم فدا لعيونك .. إنت وردتي إنت.. خايف انا يشمونك ..للقلب إنت سلوى ..غيرك أبد ما نهوى ..إتدلل عليّ إتدلل".

 

عرض مقالات: