لعب الفكر السياسي الماركسي في البلدان العربية، كما في مناطق اخرى من عالمنا، دوراً هاماً في نشوء الوعي الطبقي، ودفع الملايين من الشغيلة والكادحين للانخراط في النضال الوطني الديمقراطي، والتصدي لهموم الحراك الاجتماعي، كقضايا تحرير المرأة وحقوق الطفل والعائلة ومجانية التعليم والخدمات والصحة وحقوق الشبيبة وغيرهما. وطرح نفسه بديلا للقوى الرجعية الموالية للاستعمار، وخاض معارك سياسية هامة من اجل التحرر الوطني والاستقلال.

وفي مرحلة الخمسينات والستينات والسبعينات كان الفكر السياسي الماركسي في البلدان العربية مسيطراً على الشارع السياسي، ويمثل معارضة قوية للأنظمة القومية العربية، وطرح برنامجه البديل لإستكمال مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية.

اشكاليات هامة

ولكن هذا الفكر واجه العديد من الإشكاليات التي لازال البعض منها قائما، على الرغم من محاولات تجديد الفكر السياسي المتواصلة ومن أهم هذه الاشكاليات، يمكننا الإشارة الى:

  1. كانت القراءة السائدة لتطور المجتمع على اساس الانقسامات الطبقية وطبيعة الصراع الطبقي القائم، هي القراءة السائدة، دون إعارة الاهتمام الكافي لما يجري من صراعات و انقسامات على الصعيد العرقي والديني والعشائري والقبلي، والتي أدت الى حدوث صراعات مذهبية وطائفية وأثنية مؤثرة على تطور المجتمعات. كما لم يتم مراعاة الطابع الريعي للاقتصاد الذي ساد في السبعينات والثمانينات وتأثيراته على الحراك الاجتماعي. وسادت النظرة الواحدية الدغوماتية، بتأثير المدرسة السوفيتية في اغلب الاحيان، في القراءة والتحليل للظواهر الاقتصادية والاجتماعية، مثل مفهوم التطور اللارأسمالي والتوجه الاشتراكي، والتعويل على احزاب البرجوازية الصغيرة في قيادة مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية للوصول الى الاشتراكية، وعدم التشخيص السليم لطبيعة السلطة السياسية الاجتماعية الطبقية، وشكل التحالفات السياسية معها، والتي أدت اغلبها في النهاية الى قمع وإرهاب وأضعاف الحركة الشيوعية والعمالية في البلدان العربية بطريقة مأساوية. ولا يعني هذا عدم وجود العديد من الأبحاث والدراسات التي طرحت وجهات نظر سليمة، تتعلق بدراسة هذه الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفق النهج الماركسي، وشخصت بصورة علمية وواقعية إشكالية الخطاب الماركسي في البلدان العربية ونبهت الى ضرورة أعادة النظر في سياسات الاحزاب الشيوعية والعمالية في البلدان العربية.
  2. لقد كان هناك التباس في فهم التراث ودور الأسطورة في التاريخ العربي الاسلامي وتأثيرهما البالغ في تشكيل وعي الفرد في المجتمعات العربية، مما عطل توظيف الفكر السياسي الماركسي للتراث التقدمي والاستفادة منه، جراء عدم الانتباه الى ان الظاهرة الدينية والتراث لا يمكن تجاوزهما في المجتمعات الطرفية والرأسمالية التابعة. وقد اشار العلامة حسين مروه في كتابه (النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية) الى موطن القصور، حتى صار مؤلفه هذا العمل المتكامل في بحث التراث من منطلق ماركسي، حيث تناول التاريخ الاسلامي من الجاهلية الى الخلافة الإسلامية العباسية.

يقول الراحل مروة “فمنذ العصر الوسيط الذي صدر عنه تراثنا الفكري بمختلف اشكاله، حتى الحقبة الراهنة من عصرنا، ظلت دراسة هذا التراث رهن النظرات والمواقف المثالية والميتافيزيقية التي تتفق جميعها، بمختلف مذاهبها وتياراتها على خط عام مشترك، تحكمه رؤية أحادية الجانب للمنجزات الفكرية في العصر العربي - الاسلامي الوسيط، أي رؤية هذه المنجزات في استقلالية مطلقة عن تاريخها، بمعنى هذه الرؤية ظلت قاصرة عن كشف العلاقة الواقعية الموضوعية، غير المباشرة، بين القوانين الداخلية لعملية الانجاز الفكري وبين القوانين العامة لحركة الواقع الاجتماعي. ولذا بقي تاريخ الفكر العربي - الاسلامي تاريخا ذاتيا سكونيا أو (لا تاريخياً) لقطع صلته بجذوره الاجتماعية، اي بتاريخه الحقيقي الموضوعي”.(1)

ولكننا نؤكد هنا على ان كل المحاولات التي تمت للبحث في التراث لم تكن محاولات مؤسساتية من قبل الاحزاب الشيوعية والعمالية العربية، بل كانت محاولات فردية ابتداء من محاولة المؤرخ والباحث العراقي فيصل السامر في الخمسينات حول ثورة الزنج مروراً بمحمود امين العالم وهادي العلوي وقاسم حسين العزيز وطيب تزيني ومهدي عامل وحسين مروة وغيرهم. وقد اشار الراحل حسين مروة نفسه الى ذلك  في مؤلفه (النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية).

  1. عدم فهم التناقض القائم بين تطور الوعي الاجتماعي والواقع الاجتماعي والعلاقة الجدلية بينهما، وقد نتج عن ذلك فكر سياسي لايمثل الواقع ويتناقض معه في التحليل والدراسة.

قضايا المستقبل

كما تواجه الفكر السياسي الماركسي اليوم عدة قضايا هامة يتطلب دراستها وتحليلها بعمق وهي:

  1. الاقتصاد الريعي.

2.دور العشيرة والقبيلة الاجتماعي وتأثيراته السياسية.

  1. التطرف الديني والصراعات المذهبية.

ويمثل الاقتصاد الريعي الاساس للنشاطات الطفيلية غير المنتجة التي تؤدي الى قيام الدولة العميقة والفساد والجريمة المنظمة وتساهم في نسج علاقات التخادم المبنية على الرشى والتربح على حساب المال العام وتعطيل الدورة الانتاجية وإشاعة روح اللاوطنية والارتباط بوشائج قوية مع الشركات العابرة للقوميات والمتعددة الجنسيات. واستناداً الى مفهوم القوى الطائفية والجهوية المتنفذة للسلطة السياسية باعتبارها غنيمة يتم افراغ العملية السياسية من محتواها الديمقراطي السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

كما لا يمكن تجاوز دور العشيرة والقبيلة في المجتمعات الطرفية والتبعية الرأسمالية، وخصوصا في ظل تراجع دور الدولة والعودة الى تنظيم الحياة الاجتماعية بوسائل ماقبل الدولة. وتلعب العشيرة والقبيلة دورا اساسيا في التأثير على الحياة السياسية بإشكال مختلفة. وعن هذا الجانب يتحدث الباحث سامي زبيدة في كتابه (الاسلام الدولة والمجتمع) فيقول “ولكن يبقى على دراسة هذه التحولات بسوسيولوجيا سياسية عامة، أن تواجه حقيقة أن التضامنات والاصطفافات والقوى السياسية لايمكن أن تفسر ببساطة أو أساسا بلغة الطبقة والمفاهيم ذات العلاقة* ربما بالقدر الذي يمكن معه تفسيرها في المجتمعات الغربية*. ولايتعلق الامر بأستمرار أِشكال قديمة من التضامنات الابتدائية في البقاء بقدر ما يتعلق بأعادة بنائها سياسيا وأيديولوجيا بالارتباط بالاوضاع الجديدة”.(2)

وأخيراً، لايمكن انكار الصراعات الدينية والمذهبية الطائفية ذات الطابع السياسي، والتي لها امتداداتها التاريخية منذ 1400 سنة. ولكن يتطلب الفصل بينها وبين الطابع الاجتماعي للطوائف باعتبارها مكونات اجتماعية قائمة بذاتها. وتشكل الصراعات الطائفية والمذهبية عنصراً ضاغطا على الفكر السياسي المعاصر، في محاولة من القوى السياسية الدينية، اعتبارها قضية وجودية تتعلق بمصير المكونات الاجتماعية المحددة وبديلاً عن الصراع الطبقي الاجتماعي، وإستخدامها للتحشيد الى الخطاب السياسي الطائفي المبني على الكراهية والتطرف.

ويقول الكاتب والمفكر كريم مروة بهذا الصدد “ولعل المشكلة في هذا الموضوع هي مشكلة الماركسيين، مشكلة الشيوعيين، كأحزاب وحركات في العالمين العربي والاسلامي وفي أمكان أخرى من العالم، في تعاملهم مع هذه النصوص، إذ هم، على الاغلب، لم يأخذوا في الاعتبار بشكل كامل ودقيق خلال صياغة مواقفهم الملموسة أمرين أساسين، الاول، واقع بلدانهم وظروفها ومستوى تطورها وتركيبتها الاجتماعية، والثاني دور الدين فيها وموقعه وتأثيره في وعي الناس عامة وضرورة التحرر من النصوص والاسهام في الفكر الماركسي في الممارسة أرتباطا بواقع بلدانهم وشعوبهم وتراثها”.(3)، مما يتطلب من الماركسيين التصدي للقوى الطائفية الرامية الى حرف الصراع الاجتماعي عن مساره الحقيقي عبر تزييف وعي الشغيلة والكادحين واستخدامهم كأدوات لتحقيق مشاريعها الايديولوجية الطائفية.

هوامش

(1) سامي زبيدة: الاسلام الدولة والمجتمع، دارالمدى للثقافة، الطبعة الاولى 1995، ص147.

(2) حسين مروة: (النزعات المادية في الفلسفة العربية والاسلامية) ، الجاهلية – نشأة وصدرالاسلام - المجلد الاول، دار الفارابي الطبعة الاولى 2002، ص 7-8 ، ويشير العلامة الراحل حسين مروة الى ان هناك محاولات سبقته من قبل محمود امين العالم ، معارك فكرية، كتاب الهلال -العدد177ديسمبر1965، وهادي العلوي - نظرية الحركة الجوهرية عند الشيرازي - مطبعة الارشاد بغداد 1971 ، وطيب تيزيني ، مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط، دار دمشق، سورية 1971، و مهدي عامل، أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية - بيروت 1974. وغاب عن العلامة الراحل الدراسة الاولى للباحث فيصل السامر عن ثورة الزنج وبحث الدكتور قاسم العزيز حول البابكية في اواسط السبعينات.

(3) كريم مروة ، حوار الايديولوجيات، بين أفكار ماركسية وأفكار دينية، دار الفارابي، بيروت، لبنان  الطبعة الاولى 1997، ص51 .

عرض مقالات: