لا يزال ملف اجراء الانتخابات المبكرة محل جدل كبير بين القوى السياسية والشعبية والمعنيين بعملية الاقتراع العام؛ ففي الوقت الذي تؤكد فيه اطراف برلمانية على رفض تأجيل موعد الانتخابات، بشكل يتماهى مع إصرار الحكومة على إجراءها في وقتها المحدد، تواصل مفوضية الانتخابات تحضيراتها اللازمة لـ 6 حزيران المقبل.
وينتقد عدد من الخبراء والمختصين، قانون الانتخابات، مشددين على ضرورة تعديله والسعي الجاد لتطبيق قانون الاحزاب، من أجل توفير “اجواء مناسبة” للانتخابات.
ويشكك هؤلاء المختصون في قدرة الحكومة على اجرائها في الموعد المحدد في السادس من حزيران المقبل، الامر الذي تشاركهم فيه جهات سياسية.

تأكيدات حكومية

ويؤكد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، خلال اجتماع موسع ضم عدداً من الوزراء ورؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الأمنية ومفوضية الانتخابات، لتفعيل آليات دعم مفوضية الانتخابات والعملية الانتخابية، ان “المهمة المركزية للحكومة هي إجراء انتخابات مبكرة”، مبيناً أن “الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 جعلت من الفترة الانتقالية فترة مستديمة، وهذا يعد من أكبر الأسباب التي جعلت الآليات عقيمة”.
ويضيف الكاظمي، “نحنُ امام مفترق طرق، بعد أن تحققت ثلاثة أهداف أساسية في هذه الفترة الانتقالية التي نقودها الآن، أولها رئيس وزراء مستقل لا ينتمي الى أي من الكتل السياسية، ومفوضية انتخابات مستقلة، وقانون انتخابات منصف يفوز فيه من يحصل على أعلى الأصوات”، مشيراً الى “وجود فرصة لاستعادة ثقة الشعب بالدولة والنظام السياسي والآليات الديمقراطية، وذلك بإقامة انتخابات نزيهة وعادلة من شأنها أن تحقق استقرارا للبلد”.
بلاسخارت تلتقي صالح
الى ذلك، بحث رئيس الجمهورية برهم صالح، مع المبعوثة الاممية جينين بلاسخارت، يوم الثلاثاء الماضي، ضرورة توفير الظروف المناسبة لإجراء انتخابات نزيهة خلال استقبالها في قصر السلام وسط بغداد.
وتناول اللقاء بحسب بيان لرئاسة الجمهورية، طالعته “طريق الشعب”، “ملف الانتخابات النيابية المقبلة والتأكيد على أهميتها، وضرورة تهيئة الظروف الأمنية المناسبة لإجرائها، بعيدا عن سطوة السلاح والضغوط”.

المفوضية تباشر استعداداتها

من جانبها، أعلنت المفوّضية العليا للانتخابات، عن بداية مرحلة تحديث سجل الناخبين في مراكز التسجيل الإلكتروني (البايومتري)، في عموم أرجاء العراق لمدّة (30) يوما ابتداءً من تاريخ 2/1/2021 ولغاية تاريخ 2/2/2021.
وتابعت المفوضية في بيان تلقت “طريق الشعب”، نسخة منه، أن “مجلس المفوّضين قرر إيقاف عملية توزيع بطاقات الناخبين القصيرة الأمد المطبوعة في الفترة من (2013 - 2018)، إذ أُتلِفت وحُذِفت البيانات النصية المتعلّقة بها، لعدم مراجعة أصحابها لتسلّمها، علما أنّ المفوّضية ستقوم بإعادة تسجيلهم بايومتريّا عند مراجعتهم”، مبينا أنّ “مفوّضية الانتخابات تدعو الناخبين كافّة إلى مراجعة مركز التسجيل القريب من محلّ سكنهم، لإجراء أيّ من حالات التحديث المذكورة آنفًا”.
وصادق مجلس المفوضين على سجل الناخبين الأوّلي، ودليل مراكز الاقتراع الموزّع في مراكز التسجيل كافّة، الذي يُمكّن الناخب من الاستدلال على مركز الاقتراع الذي سيصوّت فيه بحسب دائرته الانتخابية، بحسب بيان المفوضية.
واكدت المفوضية ايضا “استكمال ملامح الانتشار الأخير لمراكز الاقتراع ومحطّاته بعد الأخذ بنظر الاعتبار الدوائر وإضافة المواليد (2001 - 2002 - 2003) من الناخبين الجُدُد ليكون العدد التقريبي لمحطّات الاقتراع على مستوى العراق في الداخل والخارج بنحو (58915) محطّة”.
ووقعت المفوضية “ملاحق مع شركة (ميرو الكورية)، لتجهيز عدّة التحقّق الإلكتروني الإضافية لمكاتب إقليم كردستان، وكذلك الأجهزة الإضافية لانتخابات الخارج والمواليد الجديدة والاحتياط بحسب مؤشّرات آخر انتشار أجرته المفوّضية، وكذا الحال فيما يتعلّق بأجهزة الفرز والعدّ الإلكترونية التعويضية الخاصّة بمكتب انتخابات أربيل والخارج والمواليد الجديدة والاحتياط، وبذلك تكون المفوّضية قد استكملت عملية تأمين الأجهزة الإلكترونية الانتخابية ضمن الجدول الزمني العملياتي الخاصّ بالعملية الانتخابية”، وفقاً البيان.
وذكرت، أن “طلبات تسجيل الأحزاب السياسية، بلغت (429) طلبا؛ منها (231) طلبا تتعلّق بمنح شهادة تأسيس، منح منها مجلس المفوّضين (3) أحزاب شهادة تأسيس”.

تأجيلها مرفوض

وفي الشأن ذاته، أبدى عضو مجلس النواب عن تحالف سائرون، سلام الشمري، رفضا لما وصفه بـ”محاولات الالتفاف على مطالب القوى الوطنية بإجراء الانتخابات في موعدها المعلن”.
ويضيف الشمري في بيان تلقت “طريق الشعب”، نسخة منه، أن “الانتخابات المقبلة فرصة كبيرة للتغيير، والتعبير الحقيقي عن رغبة الجماهير والقوى السياسية الوطنية واي محاولة لتعطيلها او تأخيرها لموعد اخر سنقف ضده”، مشدداً على “اهمية التغيير والذي سينتج عنه حكومة جديدة تلبي مطالب الجماهير السلمية في الحياة الحرة الكريمة والتي يسودها العدل والمساواة بين الجميع”.

قانون غير عادل

لكن الحديث عن اجراء الانتخابات في موعدها المحدد، والكلام عن اقرار قانون “منصف وعادل”، يقابله النائب الاسبق لرئيس مجلس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، سعد الراوي، بالقول: انه “منذ الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة من قبل المتظاهرين جرت لقاءات وحوارات بين السلطات التشريعية والتنفيذية والأمم المتحدة، نتج عنها إلغاء مفوضية الانتخابات وتشكيل أخرى جديدة وإقرار قانون انتخابي من الكتل السياسية، فصل على مقاساتهم”، مؤكداً أن “قانون الانتخابات بحاجة لمراجعة واسعة وتعديل من الألف إلى الياء، بسبب تناقض مواده، واستعصاء الحلول في البلاد اذا ما تمت انتخابات وفقا لهُ”.
ويقول الراوي لـ”طريق الشعب”، إن “القانون فصَّل شروط الناخب وشروط المرشح باعتبار العراق مقسما إلى 18 محافظة كل محافظة دائرة انتخابية وليس التقسيم الجديد للعراق إلى 83 دائرة انتخابية ولا يوجد أي نص في القانون يدل على تقسيم العراق الى هذه الدوائر”، مشدداً على “اكمال الشروط بدقة فيما يخص الفصل الرابع (الدوائر الانتخابية) والفصل الخامس (النظام الانتخابي) لا بد من إعادة كتابته، على وفق ما تم التصويت عليه، وبإيضاح قابل للتنفيذ دون تأويل أو تفسيرات متعددة، مع وضع شروط جديدة للناخب وشروط خاصة للمرشح حتى لا يختلط سجل الناخبين ولا يتجاوز مرشح دائرة إلى دائرة أخرى”.

تحذيرات من تضاعف المخالفات

ويتابع الراوي أن “القانون لم يحدد العقوبة والجهة المنفذة لها، وجهة الطعن وأخرى للبت وحسم الطعون، فيما يتعلق في مخالفات الدعاية الانتخابية وتركها عائمة، وعليه فكل هذه المخالفات الجسيمة لن يعاقب عليها أحد، وستتضاعف في هذه الانتخابات عن سابقاتها”، مضيفاً أن “الفصل الثامن (الأحكام الجزائية) وضع عقوبات للمخالفين، لكن لم يحدد الجهة التي تتبنى العقوبة، هل هي المحاكم أم المحكمة الانتخابية أم مجلس المفوضين، وكان يجب تفصيلها لمنع تكرار مخالفات الاحزاب، وعدم الاكتفاء بالغرامات المالية دون الإحالة للقضاء”.
ويكمل الراوي أن “المادة التاسعة تلزم المفوضية استخدام اجهزة تسريع النتائج، وفي نفس المادة تؤكد عد وفرز محطة من كل مركز اقتراع، وفي حال وجود فارق اكثر من 5 في المائة، يصار الى العد والفرز اليدوي. وفي حال وجود شكاوى وطعون فتؤخذ بنتائج العد والفرز اليدوي”.
ويتساءل الراوي عن “سبب صرف أموال على اجهزة ليست محل ثقة”، معتبراً هذه “الفقرة مدخلا للشكوك المسبقة في نتائج الانتخابات”.

تدقيق السجل الانتخابي

ويؤكد الراوي أن “السجل الانتخابي هو العمود الفقري لأية انتخابات حرة نزيهة وفق المعايير الدولية، لكن عند مراجعة مواد القانون المتعلقة بالسجل في الأحكام الختامية، نجد إشكالات وعدم ثقة المشرع بالسجل الانتخابي حيث نص القانون على تشكيل لجنة مهمتها تدقيقه لمدة عام بعد اجراء الانتخابات”، مستغرباً من “عدم تدقيق السجل الانتخابي قبل اجراء الانتخابات”.
ويتساءل الراوي عن “الجهة التي سوف تطبق قانون الاحزاب وخصوصاً الفقرة الخاصة بأن (لا يكون للأحزاب جناح مسلح أو تنظيم عسكري)؟”، متابعاً “كيف ستكون الأمور لو كان التنافس بين جناحين مسلحين، يميلان لتوجهين مختلفين ومتنافسين في الانتخابات”.
ويؤكد أن “ترك الامر للتوافقات السياسية سوف يزيد من نقمة المواطنين”، مبيناً “عدم وجود خطة لحصر السلاح في يد الدولة، ما سوف يعقد المشهد ويزيد مخاوف كل يريد اجراء انتخابات حرة نزيهة تضمن مشاركة مرشحين مستقلين أو أحزاب جديدة”.

تطبيق قانون الاحزاب

ويطالب الراوي بـ”تطبيق المادة 8 من الفصل الثالث من قانون الاحزاب السياسية والتي تنص على أن لا يكون تأسيس الحزب وعمله متخذاً شكل التنظيمات العسكرية أو شبه عسكرية، كما لا يجوز الارتباط بأية قوة مسلحة”، مشيراً الى إنه “في حال عدم استطاعة الدولة تنفيذها فمن يضمن ما تؤول إليه نتائج انتخابات بوجود أحزاب لها تنظيمات عسكرية أو مرتبطة بها وخصوصاً في حال عدم فوزها، فالقانون جعل ثغرات كبيرة ممكن أن تتغير، منها نتائج الانتخابات كتدقيق سجل الناخبين بعد الانتخابات، وإعادة العد والفرز اليدوي في حال وجود شكاوى بعد الفرز”.

انتقادات للمفوضية

وينتقد الراوي “مفوضية الانتخابات لعدم صدور تقرير مفصل حول استعداداتها ورؤيتها للإشكالات الفنية والتوقيتات الزمنية، وعدم اصدارها خرائط رسمية للدوائر الانتخابية حيث لم يحدد القانون أي جهة للطعن في حال وجود إشكالات وشكاوى، ومن هي الجهة المخولة قانوناً بالبت في الطعون حول ترسيم الدوائر الانتخابية”.
وينوه بـ”عدم وجود نشاط لإعداد سجل ناخبي الخارج وموعد تسليم البطاقة البايومترية لهم، كون القانون اشترط على العراقيين في الخارج وجود بطاقة بايومترية من اجل السماح لهم في التصويت”.
ويدعو الراوي الى “تعاون شركاء العملية السياسية (السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية، السلطة القضائية، الأحزاب، مفوضية الانتخابات، المنظمات المحلية والدولية)، لإنجاز انتخابات فيها شيء من المعايير ويتساوى فيها المرشحون والأحزاب وبوجود سجل ناخبين موثوق فيه، واستخدام معدات الكترونية من شركات لها باع في تكنلوجيا المعلومات الخاصة بالانتخابات وشركات فاحصة موثوق فيها، وفي أجواء من التنافس القانوني لكل الأحزاب والمرشحين بعد تعديل فقرات القانون، من أجل الحصول على نتائج ترضي أغلبية الجماهير، وتنتهي بحكومة مهنية، يمكن بعدها أن تسهم في استقرار البلاد”.

تدريب الكوادر

ويختتم الراوي حديثه بالقول: إن “الكادر المتدرب في المفوضية جرى استبدالهم ولغاية الآن لا توجد خطة واضحة لتدريب الكوادر من قبل الامم المتحدة، ولا نعلم مدى امكانية تجهيز هذا الكادر ونحن بحاجة لتقرير مفصل حول مدى استعداد الأمم المتحدة لتدريب الكادر والاشراف الفني على معظم اقسام ودوائر المكتب الوطني (الإدارة الانتخابية)”، مشيراً الى “عدم وجود رأي واضخ للأمم المتحدة في العملية الانتخابية سواءً في المحور الأمني أو السياسي أو رأيها الفني في قانون انتخابي مبهم وغير واضح ومتناقض في بعض فقراته وأخرى لا يمكن لأكبر منظمة دولية الصمت عنها”.

الحكومة خالفت القانون

وفي السياق ذاته، يقول الخبير الانتخابي دريد توفيق، ان “الحكومة خالفت القانون والدستور بتحديدها موعدا للانتخابات المبكرة، كون الامر مرهونا بتقديم طلب من رئيس الجمهورية لمجلس النواب، للموافقة على حل نفسه قبل شهرين من موعد اجراء الانتخابات”.
ويضيف توفيق في حديث لـ”طريق الشعب”، ان مفوضية الانتخابات قامت بوضع برنامجها الزمني “وفقا للتوقيتات الحكومية”.
ويتساءل توفيق عن “موقف المفوضية في حال رفض مجلس النواب حل نفسه في الرابع من شهر نيسان القادم، ومصير الاموال التي صرفت للتحضير للانتخابات؟”، مشدداً على “ضرورة وجود قرار من مجلس النواب بحل نفسه قبل شهرين من اجراء الانتخابات قبل البدء بالتحضير للانتخابات وعدم هدر المال العام”.
ويقول إن “المفوضية تحتاج لـ 6 أشهر للتحضير للانتخابات، وهي قادرة على اجرائها في الشهر السادس، شرط حصولها على الاموال اللازمة لتلبية احتياجاتها، وموافقة مجلس النواب على حل نفسه”.

اتفاق على موعد جديد؟

في المقابل، يكشف المحلل السياسي احسان الشمري، عن توافق القوى والزعامات السياسية على اجراء الانتخابات في 29 تشرين الاول المقبل، مؤكداً أن الكتل السياسية تنازلت عن 6 أشهر فقط من عمر الدورة البرلمانية الحالية”.
ويتفق القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني علي الفيلي، مع الآراء التي تقر بصعوبة اجراء الانتخابات، قائلا: ان “العملية السياسية في البلد تمر بنفق مظلم وبأجواء غير مثالية، ومن الصعوبة إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، ما لم تتضافر جهود الجميع للخروج من هذا الوضع سيما بما يتعلق بحصر السلاح المنفلت، وإعادة هيبة الدولة والقانون”.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل