/
/
/
/

بالرغم من تفشي فيروس كورونا وما يشكله ذلك من خطر على الصحة العامة، إلا أن نساء كثيرات أجبرتهن الظروف المعيشية الصعبة على الاستمرار في مزاولة مهن كن يزاولنها قبل أزمة الوباء، كبائعات للخضار أو لمنتجات الألبان وغير ذلك، ما يضعهن في دائرة خطر الإصابة بالفيروس.
وبين تلك النسوة، أخريات أجبرهن العوز المالي، الذي تفاقم هذه الأيام بسبب الجائحة وتداعياتها الاقتصادية، على العودة إلى مهن كن قد زاولنها خلال الحصار الاقتصادي أبان حكم النظام الدكتاتوري المباد. فيما اضطرت نساء عديدات إلى ترك أعمالهن كمربيات للأطفال في دور الحضانة ورياض الأطفال الأهلية، إذعانا لقرار الحظر الوقائي وتعليمات التباعد الاجتماعي.
المواطنة قبيلة ام مصطفى (72 عاما)، وهي بائعة "قيمر" في سوق منطقة الزعفرانية ببغداد، تذكر أنها خلال فترة حظر التجوال واظبت على العمل يوميا في السوق، مع الالتزام بإجراءات الوقاية الصحية من خلال استخدمها "فوطة" رأسها كقناع للوجه بديل عن الكمامة الطبية.
وبلهجتها الشعبية البسيطة، تتحدث أم مصطفى لـ"طريق الشعب" عن ظروف عملها قائلة: "يا يمه الناس بطلت تشتري كيمر وتكول عليه غالي.. وكتنا صعب واحنا عايشن على النحصله باليوم، والصيدليات استغلت الوضع وسوَّت الكمامة الوحدة بـ 750 دينار، بعد مجان الباكيت بالفين دينار ومحد بحالهن، واني كمت الفن فوطتي على وجهي واخلي فليساتي اعيش بيهن وليدات ابني افضل ما أصرفهن على الكمامات".
وتتابع القول: "اليوم كلمن يحود النار الكرصته ومحد يفكر بحال الناس الفقره وشلون اتدبر امورها! الحكومة ما موفرتنّه شي، حتى الحصة التموينية صارلها اربعة اشهر ماكو، وفوك كل هذا يردون من عدنا نكعد ببيوتنا الكلها خرايب، عمي كورونا ولا هالعيشة الغبرة!".
وتشكو أم مصطفى قلة مبيعاتها اليومية في فترة الحظر الصحي، لافتة إلى أنها مسؤولة عن رعاية اطفال ابنها الذي يعاني اصابة تعرض إليها بسبب حادث إرهابي حصل سابقا في منطقة الباب الشرقي، ما جعله غير قادر على العمل.
وتبين انها وابنها المقعد يتقاضيان راتبين من الرعاية الاجتماعية، تضيف إليهما ما تحصل عليه من مردود مالي بسيط مقابل بيع "القيمر"، لغرض تدبير متطلبات المعيشة.
اما بائعة الخضار سعاد رشد، التي تقيم في حي عشوائي بمنطقة الزعفرانية، فهي تعمل في سوق ناحية جسر ديالى جنوبي بغداد.
تقول سعاد لـ "طريق الشعب"، بلهجتها الدارجة: "يا يمه ما يجبرنا ع المر غير الامر منه!" – في إشارة إلى مرارة العيش وصعوبة العمل في السوق خلال الظرف الوبائي الراهن.
وتضيف قائلة: "بركبتي اربع بنات وصبيان اثنين.. أبوهم توفه من سنين ومن يومه اني مسؤولة عنهم، اريد أربيهم واعلمهم وما اريد يحتاجون الأحد"، متابعة حديثها بالقول: "جنت اشتغل خبازة وخياطة بالبيت وكدرت الم شكم فلس واشتريت هذا المكان بالسوك بـ 3 ملايين علمود ابيع بي مخضر".
وتوضح سعاد قائلة: "من صار الحظر خفت على نفسي، وكلت اذا صار بيه شي منو الجهالي بعدي؟ فبقيت بالبيت بس رجعت اخيط واخبز للجيران، وعلمت وحدة من بناتي ع الخياطة، علمود تعاوني بالعيشة بأيام العطل الدراسية".
من جهتها، تقول حوراء علي (28 عاما)، انها قبل فرض حظر التجوال كانت تعمل في روضة أهلية بمنطقة الزعفرانية، لكن بعد قرار الحظر، قامت صاحبة الروضة بتسريح غالبية العاملات، بعد أن طالبن بأجور عملهن الشهرية، موضحة أن مديرة الروضة اعتذرت عن صرف أجور العاملات لعدم توفرها، على اعتبار أن الروضة أغلقت خلال الحظر وانقطع الأطفال عنها، وبالتالي بات أهاليهم لا يدفعون بدل الاشتراك.
وتبين في حديث لـ "طريق الشعب"، أنها كانت تعتمد على الراتب الذي تتقاضاه من الروضة لتسديد بدل الإيجار الشهري للمنزل الذي تسكن فيه مع زوجها وأطفالها، والذي يبلغ 400 ألف دينار، موضحة انه خلال الشهور الأخيرة، وبسبب أزمة كورونا وتداعياتها، قام صاحب المنزل بخفض بدل الإيجار إلى النصف، فاستطاعت تدبير المبلغ بمساعدة أحد أخوتها، فيما حرص زوجها على مواظبة العمل، كعامل بناء بأجر يومي بالكاد يكفي لتغطية متطلبات المعيشية.
المواطنة سهاد ام عبد الله (38 عام)، توفي زوجها قبل عام بصورة مفاجئة، أثناء استراحته بعد يوم عمل طويل.
تقول أم عبد الله في حديث لـ "طريق الشعب"، أنه بعد وفاة زوجها أصبحت الحياة صعبة، كونه المعيل الوحيد لها ولأطفالها الـ 6. إذ سببّ موته "صدمة إلى الآن نتذوق آثارها بمرارة" – على حد تعبيرها.
وتتابع قائلة: "بعد وفاة زوجتي عدت إلى بيت أهلي، الذين بادروا إلى بناء منزل يؤويني أنا وأطفالي، على أرض "تجاوز" قريبة من دارهم، وصاروا يعينوني"، مشيرة إلى أنها عملت كعاملة نظافة في إحدى المدارس الأهلية بمنطقة الزعفرانية، لكن الأجور التي كانت تتقاضاها قليلة جدا، ولا تصرف سوى خلال الشهور الدراسية من العام.
وتضيف قولها أنها باشرت الترويج لمعاملة الحصول على راتب الرعاية الاجتماعية، إلا أن المعاملة لا تزال قيد الإنجاز إلى الآن.
وعن كيفية تدبير أمورها المعيشية خلال فترة الحظر الوقائي، تذكر أم عبد الله أن أهلها تكفلوا بتوفير معظم متطلباتها هي وأطفالها. كما انها تعمل في صناعة المعجنات وبيعها بمساعدة صاحب محل تجاري في منطقة الزعفرانية.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل