/
/
/
/

أصبح العنف ضد المرأة وباء لا يقل خطورة عن وباء كورونا في عدد ضحاياه وأماكن انتشاره. فما تتعرض له المرأة العراقية اليوم من انتهاكات واعتداءات جسدية وجنسية، وعنف متنوع، يمثل تجاوزا سافراً على حقوقها المشروعة في حياة حرة كريمة.
ان مظاهر الغبن والقهر والتبعية التي تعرضت لها المرأة طيلة القرون والعقود المنصرمة، شديدة جداً، ولا بد من تجاوزها بسرعة وحيوية عبر التركيز على تعليم المرأة وزيادة وعيها وثقافتها، وإعطائها مجال اكبر للمشاركة في الحياة الاجتماعية، والعمل على مكافحة البطالة المنتشرة بشكل خاص بين النساء، وضمان حق المرأة في العمل في جميع المجالات دون استثناء، فضلا عن ضمان حصولها على أجر مساو لأجر اخيها الرجل في العمل المماثل.
كما انه، من الضروري توفير مستلزمات عمل المرأة وفق حاجاتها كامرأة وأم ومربية ومنتجة في آن واحد، وتأمين مستلزمات رعاية الطفولة وتخفيف العبء عن المرأة، وتأمين تسهيلات الدولة لرعاية العائلة.
إن وضع حد لجميع أشكال التمييز ضد النساء والفتيات، ليس حقاً أساسياً من حقوق الإنسان وحسب، بل أن لهذا الأمر تأثيرا مضاعفا في جميع مجالات التنمية الأخرى. فقد بات تمكين المرأة اقتصاديا وتعزيز المساواة بين الجنسين أمرا مهما لتسريع التنمية المستدامة، وهذا يتطلب أيضا الاستفادة القصوى من دعم المنظمات الدولية ذات الشأن في ترسيخ مبدأ رفض كل أشكال العنف والقسوة ضد النساء.
إن اتفاقية العمل الدولية رقم 190 لعام 2019، الصادرة عن منظمة العمل الدولية في شأن القضاء على العنف والتحرش فى عالم العمل، تعد من أهم الاتفاقيات التي تفيد جميع الأفراد في المجتمع. فهي تخاطب الرجال والنساء، وتساهم في القضاء على ظاهرة التحرش وخلق بيئات عمل آمنة للمرأة. كما أن للمادة الخامسة من هذه الاتفاقية دورا مهما في القضاء على جميع أشكال العمل الإجباري أو الإلزامي، علاوة على دورها في القضاء الفعلي على عمالة الأطفال والتمييز، وتعزيز العمل اللائق.
لذا يتطلب من جميع المنظمات النسوية والمجتمعية والنقابات والاتحادات المهنية، القيام بحملة وطنية لمطالبة الحكومة بالتصديق على الاتفاقية المذكورة، ووضعها حيز التنفيذ في أقرب فرصة ممكنة.
ان تردي الواقع الاقتصاد العراقي حالياً وهشاشة البنى الانتاجية وضعف وتأثر التطور في الاقتصاد وانتشار الفقر والبطالة وانعدام العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل والموارد، كل ذلك اثر سلبا على التمكين الاقتصادي للشعب عموما والنساء بالذات. ونتيجة لضيق سوق العمل في العراق وضعف انتشار التعليم بين الإناث والتحيز المجتمعي غير الرشيد ضد تشغيل النساء لإعطاء الأولوية للرجال في الحصول على فرص العمل، كل ذلك أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بين النساء، خاصة المتعلمات منهن.
كما شهد العراق في الآونة الأخيرة انسحاب الدولة عن بعض المفاصل الاقتصادية والخدمية، والحد من التشغيل في الإدارة الحكومية، وهو قطاع التشغيل المفضل والحامي لحقوق النساء، ما تسبب في تبلور ظاهرة خطيرة تتمثل في توافر رأس مال بشري مؤهل بين النساء، يعاني معدلات بطالة أعلى من المتوسط.
فضلا عن ذلك، ان تمييز المرأة عن الرجل في اجور العمل المماثل، ساهم هو الآخر في إضعاف المرأة من الناحية الاقتصادية، وعلى سبيل المثال التفاوت وعدم المساواة في رواتب العاملين في القطاع الخاص. إذ نجد ان هناك "هضماً" للحقوق بشكل غير مُنصف. فالراتب الشهري للعامل المتقاعد الرجل، يعادل نحو 250 دولارا، فيما يبلغ راتب المرأة العاملة المتقاعدة ما يعادل ٢٠٠ دولار، رغم توفر نفس الشروط في الراتب ومدة الخدمة.
ولا يقتصر تهميش المرأة على التميز وتدني العامل الاقتصادي الحكومي، انما هناك نساء تفرض عليهن قيود مجتمعية تحول دون مشاركتهن في ميادين العمل المختلفة.
واخيرا، اقول ان المرأة تشكل نسبة 49 في المائة من سكان العراق مقابل 51 في المائة يشكلها الرجال، أي ان النساء يشكلن نصف المجتمع تقريبا، إلا أن هذه النسبة بحد ذاتها لا تشكل قيمة إن لم يكن لها وزن اجتماعي واقتصادي، وحتى سياسي. وبالرغم من أن المرأة العراقية أحرزت تقدما هاما في مجالات عديدة، لعل في مقدمتها التعليم والعمل الاجتماعي وغيرها، إلا أن معدل نشاطها الاقتصادي ما يزال متدنيا.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل