/
/
/
/

عبد الله لطيف

يواصل مسلسل الحرائق الموسمي، التهامه مساحات جديدة من المزروعات الاستراتيجية في أكثر من محافظة، واضعا المزارعين في مواقف لا يمكن تداركها، من حيث عدم تعويضات خسائرهم في العام الماضي، وبقائهم دون أي حلول للموسم الزراعي الحالي الذي سجل خسائر جديدة لهم ايضا. المختصين واصحاب القرار والمزارعين قدموا اسبابا كثيرة لاندلاع هذه الحرائق، منها الحوادث العرضية، أو العداءات الشخصية، أو العمليات الإرهابية والاستهداف الخارجي لاقتصاد العراق والعمل على حرق محاصيله عند الاكتفاء الذاتي بحسب ما تؤكده مصادر رسمية عديدة.

طرفان متهمان

الحرائق لم تكن حكرا على محافظة أو منطقة معينة، وبحسب الجدول الرسمي لمديرية الدفاع المدني، فأن "الحرائق شملت 16 محافظة بمقدار 121 حادث وأسفرت عن اتلاف 2632 دونما زراعيا"، علما أن الرقم في تصاعد مستمر.

الفيديو الذي نشره موقع الدفاع المدني عند إنقاذ مزروعات أحد الفلاحين في ديالى، يوضح المعاناة بشكل تام، حيث كان الاخير يبكي بحرقة ويقول للمنتسبين اثناء شكرهم على استنفارهم وتداركهم الموقف، أنه مدان بأموال كبيرة على مزروعاته وعاجز عن تسديدها في ظل هذه الحرائق.

رئيس الجمعيات الفلاحية العام، حيدر العصاد، يوجه أصابع الاتهام إلى طرفين هما "المجاميع الإرهابية التي تتركز في مناطق غرب وشمال العراق، وأطراف متضررة من التطور الزراعي للمحاصيل في مناطق الوسط والجنوب".

ويضيف على ذلك، أن "أي مادة نعلن اكتفائنا الذاتي منها تواجه مشكلة كبيرة، كما حصل مع دجاج المائدة ودخول أنفلونزا الطيور التي تسببت بخسائر فادحة للمربين، أو الاصابات غير المسبوقة والمريبة لغلاصم الاسماك، فضلا عن اصابات الطماطم باللفحة المتأخرة التي لم تكن موجودة في العراق، وحالات أخرى نالت من محاصيل ومنتجات اكتفينا ذاتيا منها"، مبينا أن "حرائق الحنطة جعلت توقعاتنا تتراجع من 6 إلى 5 مليون طن كإنتاج، علما ان هذا الرقم يحقق الاكتفاء الذاتي ايضا، كما تجدر الإشارة إلى أن بعض المحاصيل اتلفت لأسباب فنية كذلك".

وإضافة إلى غياب الدعم الحكومي الكبير لدعم المزارعين، يؤكد العصاد أن "الدولة لم تعوض أي مساحة تعرضت للحريق حتى وأن كان الأمر بفعل فاعل، وكذلك الحال بالنسبة للخسائر التي نتجت عن السيول أو اسباب خارجة عن ارادة المزارعين، ولم تصرف أي مبالغ لهم، فيما تسبب غياب الدعم وقطع وعرقلة القروض الزراعية، باللجوء الى بيع المحاصيل للتجار بمبالغ لا تتضمن أي ارباح تذكر ترتبت عليها مديونية مرهقة"، مشددا على أن "المتورطين بالحرائق التي تم التأكد إنها كانت بسبب فاعل، لم يتم التوصل اليهم من قبل أي لجنة تحقيقية، لا في المناطق التي تشهد عمليات ارهابية، ولا في الأخرى التي تشهد استقرارً أمنيا".

التشخيص ليس كافيا

رئيس الجمعيات الفلاحية في ديالى، رعد التميمي، يبين أن المحافظة قد تكون هي الأولى بالنسبة إلى خسائر المحاصيل بسبب الحرائق.

التميمي يشدد على أن "ديالى خسرت أكثر من 850 دونما زراعيا حتى الآن، وما زالت مناطقها واقضيتها تتعرض إلى عمليات إرهابية تستهدف المحاصيل، ما جعل المزارعين في حالة استنفار كبيرة"، وخلافا لتصريحات أخرى، فالتميمي يتمسك بسبب الإرهاب أو العداءات الشخصية في هذا الملف، ويستبعد أن تكون اطراف خارجية لها يدا في ذلك، لافتا إلى أن "الحرائق كبيرة والحكومة لم تقدم أي تعويض يذكر".

وإضافة إلى توجيه أصابع الاتهام إلى الإرهاب وبعض الأطراف الخارجية، النائب مختار الموسوي يحدد ما اسماه بـ(الشخصيات البرجوازية) أن تكون سببا اضافيا، لأنها لا تريد النهوض بالواقع الاقتصادي" حسب قوله. وما يمكن فهمه أن هذا النائب كان يقصد البرجوازية الطفيلية التي تنامت بعد عام 2003 بفضل الفساد الهائل التي تحكم بكل مفاصل الدولة، حيث أن لهذه الطبقة سمة التمتع بعدم الانتاج من جهة، وعدم امتلاك أي وسائل للإنتاج، فهي تغتني من الاستيراد والتلاعب بالمنتوج الوطني والابقاء على الصفة الريعية، وقد تتعرض إلى الضرر مقابل أي تنمية وطنية للإنتاج المحلي. وهذا يتمثل تماما بالإصرار على استيراد محاصيل اجنبية منافسة، تتوفر وبأسعار مقبولة وبجودة عالية من قبل المزارعين العراقيين.

وزارة الزراعة تتحدث بثقة !

المتحدث باسم وزارة الزراعة، حميد النايف، يقول أن هذه الحوادث تحصل في كل عام، علما أن العام الماضي كانت سعتها أكبر، ولكن بشكل عام الارقام التي سجلت لا تشكل شيئا مقابل المساحات المزروعة.

ويلفت النايف إلى أنه "تم زراعة أكثر من 9 مليون دونم من الحنطة، وأكثر من 4 مليون دونما من الشعير، بينما الحرائق لم تلتهم سوى ما يقارب الـ 2000 دونم وهي حصيلة لا تشكل شيئا امام الانتاج"، مبينا "وجود توجيه حكومي بحماية المزارع ولكن بشكل عام هنالك اسباب متعددة للحرائق، منها الحوادث العرضية او الاعمال الكيدية والعمدية والارهابية ايضا"، مستبعدا "نظرية المؤامرة الخارجية لافتعال هذه الحوادث خصوصا في مناطق الوسط والجنوب"، وهذا يخالف ما ذكره قبل فترة وجيزة بأن اطرافا خارجية استفزها الانتاج الوطني وشاركت بعمليات حرق المحاصيل لإبقاء العراق سوقا خلفيا لمنتجاتها".

وبشأن تعويضات الفلاحين المتضررين من الحرائق، ينوه المتحدث إلى إن "الوزارة غير معنية بذلك لأنها تعمل وفق ميزانية لم تحدد هذا الجانب، والتعويض قد يكون من قبل الأمانة العامة لمجلس الوزراء، بعد اثبات إن الحريق مفتعل ونحن مستعدون لمعاونة الفلاحين ورفع الطلبات بخصوص خسائرهم".

فاسدون يتهمون الطيور بفسادهم !

أثناء هذه الموجات النارية التي تلتهم المحاصيل، تم الكشف عن عملية فساد كبيرة جدا لسرقة 752 طنا من الحنطة في النجف، بقيمة تتجاوز 400 مليون دينار، وما قابلها من تبرير بعض المعنيين بالأمر، عندما أدعوا أن الطيور هي من أكلت هذه الكميات، ما أثار الموضوع موجة من السخرية الشعبية، والمطالبة بأنزال اقصى العقوبات بحق الفاسدين.

سارعت وزارة التجارة وهيئة النزاهة وفق بيانات رسمية، التأكيد على أن كمية الحنطة هذه تمت سرقتها من سايلو النجف الأفقي، والشروع باتخاذ الاجراءات اللازمة بشأن الموضوع، وفيما أكد محافظ النجف، أن تحقيقا مستقلا سيجري حول قضية اكل الطيور لأطنان الحنطة، اعتبر عضو لجنة الزراعة النيابية، علي البديري، أن "هذه السرقة لم تمر على تاريخ العراق"، متسائلا "هل الطيور اكلتها؟ هذه اكذوبة".

وفي هذه الأثناء، أعلنت مديرية مكافحة اجرام محافظة واسط، القبض على 4 متهمين بسرقة محصول الحنطة من امام سايلو المحافظة، ما يؤكد أن استهداف المحاصيل يتم من اطراف عديدة ويتطلب الجهد الكبير لحمايته وانزال اقصى العقوبات بالفاسدين واللصوص.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل