/
/
/
/

 

 

البصرة

الشهادة الأولى للزميل والمناضل الطلابي عصام الصفار

تحل علينا في 14 نيسان 2018 الذكرى السبعون لمؤتمر السباع الخالد، الذي إنبثق عنه اتحاد الطلبة العراقي العام. وإحتفاءً بالمناسبة العزيزة وإستذكاراً لكوكبة الشهداء الأماجد (جعفر الجواهري، قيس الآلوسي، شمران علوان، عدنان البراك، فيصل الحجاج، أسعد لعيبي، صفاء العاقولي، منعم ثاني، خالد يوسف) والعشرات غيرهم ممن وهبوا حياتهم من أجل حياة طلابية حرة ومستقبل أفضل، وبغية أن يتعرف الجيل الجديد على التاريخ المجيد لإتحادهم وحركتهم الطلابية وعلى سيرة الرواد الأوائل ممن وضعوا اللبنات الأولى والأساس الراسخ لتنظيم هذا الإتحاد، أقدم هذه الشهادة معتمداً على الذاكرة، إذ لم تسمح لنا ظروف العمل السرية، في تلك السنين،  التسجيل والتصوير،  فيما إتلفت مجاميع كبيرة من الوثائق، كي لا تقع في أيدي أجهزة أمن السلطة البعثية.

البداية:

كان الإتحاد لايزال يعاني من آثار الحملة البربرية التي شنتها سلطة إنقلابيي 8  شباط عام  1963  الفاشية، عندما انطلقت تظاهرة اشترك فيها عشرات الطلاب من ثانوية البصرة بمناسبة الذكرى الأولى لهزيمة 5 حزيران، فارتفعت أصوات المتظاهرين للمطالبة بالحريات الديمقراطية واطلاق سراح السجناء السياسيين. لم تستمر التظاهرة طويلا جراء الهجوم الوحشي لقوات الشرطة عليها. حفزني هذا الفعل على البحث عن  صلة مع الإتحاد. لكن ذلك لم يكن أمراً سهلاً بسبب الحذر الشديد والسرية التامة التي كانت مهمة وضرورية لكي لا نقع ضحية في أيدي الشرطة السرية. وأخيراً نجحت عبر صديقي وقريبي الكادر الإتحادي (الفقيد جمال الحجاج) فبدأت صلتي بالإتحاد والنشاط الطلابي لتستمر لأكثر من ربع قرن في داخل العراق وخارجه، وليشكل الإتحاد المدرسة التدريبية الأولى في النشاط المهني والسياسي، تلك المدرسة التي خرجت مناضلين وقادة دولة وأحزاب.

المحطة الأولى:

في خريف عام 1969 قمت ومع عدد من الزملاء الذين عرّفني بهم ماجد المختار، القادم من العمادية في كردستان، والمفعم بالطاقة والحيوية، بتشكيل اللجنة الإتحادية في كلية الهندسة ـ المرحلة الأولى. حضر اللقاء الذي عقد على الغداء في نادي الجامعة، كل من الشهيد نعمة فاضل و صدام حسن (الخارج توا من قصر النهاية)و جبار الحيدري و سعد خليفة وعصام الصفار. لم تنته انتخابات سكرتير اللجنة  بسرعة وسهولة من المرة الأولى كما توقعنا، تكررت مرة ثانية،  ثم حسمت المنافسة بين أثنين بالاتفاق.

وصل صالح مهدي عماش البصرة وزار جامعتها، فأستقبل بالاحتجاجات والمطاليب، وعند عودته ابلغ "مجلس قيادة الثورة" : بأن (ثورتكم لم تصل البصرة.) فأمر مجلسهم، جامعة البصرة قبول 50 طالبا بعثيا سنويا بدون النظر إلى الدرجات اللازمة للقبول. فيما كلفت مجموعة منهم لمراقبة نشطاء اتحاد الطلبة العام على مدى ساعات الدوام.

تشكلت في كلية الهندسة العام 1970/1971 جمعية لكل فرع من فروع الكلية (الميكانيك، الكهرباء، المدني) وتمت الدعوة لانتخاب لجنة ورئيس لكل جمعية، كانت المنافسة بيننا ومنظمة السلطة قوية، ترشحت وفزت في أول تجربة لي في انتخابات حرة في الجمعية الميكانيكية عن السنة الثانية وفاز زملاء آخرون في جمعية الكهرباء فأصبح عددنا أكثر من عدد أتباع منظمة السلطة، مما أدى  بعد أيام الى حل الجمعيات وإلغائها.

قبل حلول اليوبيل الفضي لتأسيس اتحاد الطلبة العام ، عقد الكونفرنس الثالث للإتحاد في البصرة في أواخر 1972، بحضور ممثل عن السكرتارية من بغداد. وكان النقاش ساخناً، حول التنسيق أو التعاون والتحالف مع منظمة السلطة الطلابية، حسم القرار بالأغلبية مع التنسيق. قبل إنتهاء أعمال الكونفرنس طلب السكرتير الشهيد علي عزيز (عدم توزيع الحلويات في ذكرى تأسيس الإتحاد كما جرت العادة كي لا نثير حساسية النظام). اعترض الحاضرون وحدثت ضجة وحين عجز السكرتير عن إقناع الحضور، فاجأنا بالقول: يعني لازم توزعون چيكليت وزعوا نبگ!!!. أصر الحاضرون على هذا التقليد، توزيع الحلويات ملفوفة بشعارات الإتحاد. وفي صبيحة  العيد، 14 نيسان، إنتشرت قوات الأمن في الجامعة وكانت المراقبة على اشدها. تمت بيننا لقاءات خاطفة اتفقنا فيها على موعد التوزيع. ولم تمض دقائق حتى كان العديد من الطلاب يفتحون الچيكليت ويقرأون الشعارات ثم يأكلون، كانت مفاجأة لأزلام الأمن ومنظمة السلطة و إنتهى يوم الاحتفال دون خسائر.

كانت السلطة تعمل بكل ما أوتيت من قوة وبطش لإحتكار العمل الطلابي ومنع النشاطات الطلابية خارج إطار منظمتها (الإتحاد الوطني للطلاب والشباب)، فراحت تشن حملة من الاعتقالات والتجاوزات على الطلبة وعموم القوى الديمقراطية. وفي هذه الأجواء إستضافت جامعة البصرة المهرجان الرياضي والفني الأول لجامعات القطر، و صرفت السلطة عليه الكثير لإنجاحه ولتحقيق مكاسب منها إبراز منظمتها الطلابية وتعزيز نفوذها. قررنا المشاركة والاستفادة من العلاقات التي ستنشأ خلال الإسبوعين المخصصين للتدريبات والمسابقات. إقترح الفنان التشكيلي قاسم مصطفى والذي كان إتحاديا نشطا جداً، أن نلتقي بالصحفية أنعام كججي لعرض مشاكل الطلبة والمضايقات ومنع إتحادنا من النشاط، إتصلنا بها وحددنا موعد لقاء معها في فندق المطار حيث تسكن، لم تخل تلك الخطوة من الجرأة والمخاطرة. إستمعت أنعام وتعاطفت مع طروحاتنا ووعدت بالاهتمام بالموضوع، لكني أعتقد بأنها تناسته وإلا لتعرضت لمحاسبة شديدة!

وحل اليوبيل  الفضي لتأسيس اتحاد الطلبة العام في 14- 04- 1973 وكان  لابد من أن نستقبل هذه المناسبة ونحتفي بها بشكل مختلف عن باقي السنين. أقرت اللجنة القيادية لفرع الإتحاد في كلية الهندسة طبع بطاقات بمناسبة اليوببل الفضي على ضوء مقترح قدمه الزميلان تحسين وعزيز، أخذنا موافقة سكرتارية فرع البصرة على أن نتحمل نحن تنفيذ المهمة.  وقد تكفل الإتحادي النشط والحيوي تحسين العتابي مع عزيز لوفه (الذي اكتسب لقب لوفة من الاصدقاء إذ كان يحل أي عقدة أثناء الرسم الهندسي أو أي عمل فني بأن يجد لها لوفه). انجزت التصاميم وتم الاتفاق أن يقوما بطبعها في بغداد خلال العطلة النصف سنوية لكثرة المطابع هناك. لم تكن المهمة سهلة لخوف أغلب أصحاب المطابع من الامن،  فتقرر انجازها يدويا، وتم تجهيز المواد في الشقة المطلة على ساحة أم البروم أحدى مناطق البصرة المزدحمة جدا والتي  يسكن فيها الزملاء صاحب الحكيم، سمير الورد، الشهيد نعمة فاضل، وبدأنا العمل! واجهتنا بعض العراقيل والمصاعب التي استطعنا تجاوزها بجهود واندفاع تحسين وابداعات عزيز.  لكن المشكلة الأكبر التي واجهتنا كانت روائح الأصباغ التي تنبعث من الشقة وتتسرب إلى الشقق الأخرى مما اضطرنا التوقف عن العمل لحين إيجاد حل. اقترح صاحب أن نرش كحول للتغطية وقد نجحت الخطة لحد ما. سلمنا كمية من البطاقات لقيادة الإتحاد لتوزيعها على الكليات الأخرى والمدارس ثم ارسال مجموعة إلى بغداد. تم الاتفاق على توزيعها في وقت واحد. كانت البطاقات جميلة وأنيقة بألوان زاهية تحمل شعار الإتحاد، وكان لها صدى كبير.

المحطة الثانية:

في تموز 1973، اعلن عن قيام الجبهة الوطنية بين البعث والحزب الشيوعي العراقي. كان اتحادنا في أوج نشاطه والتنظيم الطلابي الأقوى نفوذا وحضورا في الساحة الطلابية والأصدق دفاعا عن الطلبة، وقد إتسعت عضويته لتصل الآلاف في عموم العراق فلم يرق هذا للسلطة، التي تسعى لإحتكار العمل بين الطلبة، وتسعى إلى إلغاء وجود تنظيم إتحادنا وباقي المنظمات المهنية الأخرى، فعمدت إلى جانب المضايقات الضغط على حليفها لحل المنظمات الديمقراطية. وبسبب هذه الضغوط  قرر الإتحاد تجميد نشاطه  والتنازل عن عضويته في المنظمات الدولية لصالح منظمات السلطة. أثار قرار التجميد هذا بلبلة في صفوف الإتحاد، فقد رفضه البعض وإلتزم  به الأخرون تحت ضغط "المركزية".  لم تدم الجبهة بين الحليفين طويلا، إذ أنتهت بعد حملة تصفيات إرتكبتها السلطة.

المحطة الثالثة:

عاودت المنظمات الديمقراطية نشاطاتها، فأصدر اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في عام 1979 بيانا أعلن فيه إعادة نشاطه ووجه رسائل إلى إتحاد الطلاب العالمي ومنظمات حقوق الإنسان، عرض فيها الأوضاع الصعبة التي يعيش فيها طلبة العراق والإنتهاكات البشعة  للحقوق والحريات. وعلى أساس ذلك، عقدت لجنة التنسيق بين الجمعيات والروابط خارج الوطن مؤتمراتها في أواخر نفس السنة، لتعلن عن إعادة أنشطتها وتباشر حملات تضامنية مع طلبتنا في الداخل. فأصدرت العديد من البيانات والمطبوعات بعدة لغات إلى جانب العربية وطالبت باستعادة عضوياتها ومواقعها التي تنازلت عنها بسبب الظروف السياسية الخاصة. كما وأرسلت العديد من الوفود للقاء قيادات المنظمات المعنية من إجل التضامن مع شعبنا وطلبتنا، فاستجابت خلال فترة قصيرة العديد من المنظمات لمطالبتنا باعادة العلاقات وإعلان التضامن مع إتحادنا. ومن جديد عاد إتحاد الطلبة العام في جمهورية العراق الى الساحة الطلابية اقوى حضورا ونفوذا واكثر تنظيما ووعيا.

المحطة الرابعة                                                                                                                        

لقد شكل التضامن مع نضال طلبتنا وشعبنا هدفا وشعارا أساسيين للجنة التنسيق بين الجمعيات والروابط الطلابية العراقية خارج الوطن، إلى جانب مهماتها المهنية والأكاديمية. وقد شكلت لهذا الغرض لجان عديدة فكانت أبرز تلك اللجان هي اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي، التي تشكلت بعد إنقلاب 8 شباط 1963، (مقرها في براغ) ضمت في قيادتها مفكرين وسياسيين وأكاديميين، وأختير الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري رئيسا لها. وكان لحملاتها التضامنية دوراً في تعجيل إنهيار سلطة الإنقلابيين. وفي أواخر السبعينات حين عاودت سلطة البعث نهجها القديم في الاعدامات والاعتقالات التعسفية والأساليب الفاشية في التعذيب، قامت لجنة التنسيق التي قادها رواء الجصاني ثم مهدي السعيد ثم عصام الصفار(التي كنت سكرتيراً لها 1991- 1988) وعبر فروع اتحاد الطلبة العام المنتشرة في أكثر من 20 دولة في العالم بحملة تضامنية مكثفة مع طلبتنا شملت التحرك على المنظمات الطلابية وطليعتها اتحاد الطلاب العالمي ومنظمات الشبيبة والمرأة والعفو الدولية وحقوق الإنسان وزيارة البرلمانات، و طبع المنشورات والوثائق التي تكشف الانتهاكات وتوزيعها على مئات العناوين وباللغات العربية والإنجليزية والإسبانية والفرنسية، إضافة إلى إلقاء الخطابات في مؤتمرات وفعاليات الطلبة والشباب العالمية والإقليمية. وحققت الحملة نتائج ذات أهمية كبرى في كسب تعاطف وتضامن المنظمات الطلابية والشبابية الشقيقة والصديقة مع طلبتنا وشعبنا في الداخل وفضح ممارسات وأساليب السلطة ومنظمتها التي جمد نشاطها أو طردت من المنظمات الدولية.       

                                  

الشهادة الثانية للزميل والمناضل الطلابي نعمان السعدون

كانت بدايات إعادة تشكيل نواة لإتحاد الطلبة في البصرة في عام 1969 حيث بدأنا بخمسة طلاب فقط هم نزار جعفر والشهيد محمد فؤاد هادي و حكمت حكيم من كلية الإدارة والاقتصاد وماجد مختار من كلية الهندسة ونعمان السعدون من كلية العلوم. ولم تكن لدينا ركائز أو امتدادات في وقتها. فبدأنا بعمل مثابر دؤوب استطعنا خلال أقل من عامين كسب المئات من الأعضاء والأصدقاء الجدد، وامتد نشاطنا لتشكيل الفروع والركائز في ثانويات البصرة وأقضيتها ونواحيها وعدد من المدارس المتوسطة. كما جرت إعادة الارتباط بالمركز في بغداد، وعقدنا الكونفرس الطلابي في احد بساتين ابي الخصيب بإشراف من سكرتارية اتحاد الطلبة العام في بغداد، والذي تم فيه إقرار النظام الداخلي وبرنامج النشاط الطلابي وانتخاب قيادة طلابية، لفرع اتحاد الطلبة العام في البصرة ممثلة بسكرتيرها الشهيد محمد فؤاد هادي، ونائبه نعمان السعدون. وعلى الرغم من إنشغالنا في التحضير لعقد الكونفرس الطلابي، كنا نحضر لإقامة مهرجان طلابي جماهيري.

مع إتساع قاعدة الإتحاد شعرنا بحاجة إلى وسائل للتثقيف وآلة لطباعة المواد التثقيفية والمنشورات والبيانات واستنساخ المواد التي تصلنا من المركز لتوزيعها على نطاق واسع. وقد تفتقت قريحة الزميل الشهيد وليم شمعون من الإعدادية المركزية عن تصميم آلة طباعة سهلة التركيب والتفكيك من مواد متوفرة ورخيصة ولا تجلب أنظار أجهزة الامن. هذه الآلة حلت لنا مشكلة كبيرة في مجال البيانات والنشرات واستنساخ المطبوعات، ولم يكن يعرف بأمر مطبعتنا العزيزة ومكان تواجدها وطريقة تركيبها وعملها سوى اثنان الشهيد وليم وانا.

 

الشهادة الثالثة للزميل والمناضل الطلابي جميل عبد الله الحيدر

أبرز ما أستذكره اليوم عن فترة التحدي بعيد إنتمائي الى اتحاد الطلبة عن طريق الزميل عبد الامير زبون، انتخابات المنظمات المهنية للطلبة والمعلمين والتي لعب فيها اتحاد الطلبة العام دورا متميزا  في الدعاية و التحشيد والرقابة وفي كشف محاولات السلطة لتزوير النتائج. أتذكر تلك السنوات الصعبة التي عملت فيها مع الزملاء علاء جاسم الحجاج ومحمد عبد ناجي، ود. سلمان كاصد، وسلام كاظم، والمرحوم شريف المناصير، والزميل صبري عبد الواحد، وماجد هاشم العساف، وعادل عبد الرضا، وحنش، وآخرين غيرهم لأ أتذكر أسمائهم.

مع بدأ العام الدراسي 1969- 1970 كان الإتحاد يتهيأ لخوض الانتخابات الطلابية، فاصبحت أحد مرشحيه عن مرحلة السادس مع الزميل المرحوم محمد عبد ناجي. وقد استطعنا كسب الكثير من الطلبة لصفوف الإتحاد والتصويت لقائمته، ولكن للأسف زورت نتائج الانتخابات لمصلحة اتحاد السلطة "اﻻتحاد الوطني". وكنا قد شاركنا أنا و الزملاء جمال الحجاح وعصام الصفار وعلاء الحجاح وآخرون، بحملات واسعة في الترويج للقائمة المهنية لإنتخابات المعلمين والتي حققت نتاجاً متميزاً.

كما وكان لي شرف المشاركة في مظاهرة شارع الوطن التي كانت بقيادة الشخصية الطلابية المعروفة نزار جعفر والشهيد محمد فؤاد هادي والتي جرى قمعها، فتعرضنا نحن للضرب من قبل جلاوزة اﻻمن والتي بقيت تطاردنا أنا والفقيد جمال الحجاح، على خلفية اعتقال الزملاء علاء الحجاج ومحمد عبد ناجي وعادل عبد الرضا. واستطعت بمساعدة الزميلين نزار جعفر و جمال الحجاج الهرب الى بغداد والسكن مع زملاء يدرسون هناك وأخص بالذكر الزميل نبيل الكتيباني الذي اواني لحين إطلاق سراح الزملاء المعتقلين. وقد تسبب اختفائي في خسارة سنة دراسية من عمري. ومن أهم وأبرز النشاطات الجماهيرية التي أقامها اتحاد الطلبة العام في مدينة البصرة كان المهرجان الذي أقامه اﻻتحاد في عام 1971 في احد مكابس التمور على شط العرب. ومهرجان آخر في عام 1972، في احد بساتين نواحي ابو الخصيب وكان لي شرف المشاركة في القاء تقرير معد من قبل اﻻتحاد عن تاريخه ومنجزاته.

 

الشهادة الرابعة للزميل والمناضل الطلابي علي إسماعيل

ينقلنا القائد الطلابي علي إسماعيل (أبو كمال) في شهادته لمرحلة تميزت بنشاط شبه علني للاتحاد، فظهر في الساحة الطلابية كتنظيم يتمتع بنفوذ جماهيري قوي في الجامعات والمعاهد والثانويات، مقابل اتحاد البعث (الإتحاد الوطني لطلبة العراق) المعزول جماهيريا رغم الدعم الهائل الذي تقدمه له السلطة البعثية وأجهزتها الأمنية مادياً وإعلامياً. بين عامي 1973 و 1975، تشكلت سكرتارية الإتحاد من علي إسماعيل/ سكرتيرا، عبد الحسين حميد/ نائبا للسكرتير، راجحة إبراهيم / مسؤولة مكتب الطالبات، مصدق حسن السوداني/ مسؤول مكتب الجامعة 1، الفقيد عبد الحسن عبد الصمد/ مسؤول مكتب الجامعة2 ، كاظم محسن/ مسؤول مكتب الثانويات، الشهيد أسعد لعيبي/ مسؤول مكتب المتوسطات، منذر طه/ مسؤول المالية و مسؤول أطراف المحافظة، عبيد/ مسؤول مكتب الجامعة 3 والمعاهد، مجيد صالح/ مسؤول العلاقات.

وكان مكتب الطالبات وهو من أكبر مكاتب الإتحاد، قد عقد ولأول مرة إجتماعاً موسعا ضم ممثلات الكليات والمدارس وذلك في أيلول 1975 في بيت الناشطة الطلابية عضو المكتب "هناء صالح" (كلية العلوم)، الكائن في محلة الجنينة، وإشترك في هذا الإجتماع خمس عشرة طالبة. كما شهدت تلك الفترة وجود زميلات ناشطات كان لهن الدور الأبرز في الحركة الوطنية والطلابية كالشهيدة المناضلة فريال الأسدي والزميلتين بلقيس وساهرة (كلية الهندسة) ورباب هادي (كلية العلوم) والشهيدة رضية (كلية الآداب) والزميلتين الفقيدة فائزة و باسمة (كلية الطب) ونصيرة و صبيحة (كلية الزراعة) وهاشمية محسن وعهود وعطور (أخوات) وفوزية عبد السيد (من الثانويات).

ويتوقف الزميل أبو كمال عند إجتماع اللجنة التنفيذية لإتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في آذار1975 في بغداد. لقد كان هذا الإجتماع هو أول وآخر إجتماع لقيادة الإتحاد خلال فترة السبعينات (بعد ذلك جرى تجميد نشاط الإتحاد)، إذ حضر الإجتماع ممثلي الإتحاد من كافة المحافظات، إضافة الى سكرتير لجنة التنسيق لجمعيات الطلبة العراقيين في الخارج ونائب رئيس اتحاد الطلاب العالمي وممثل اتحادنا فيه لبيد عباوي. دام الإجتماع نهاراً كاملاً نوقشت فيه نشاطات الإتحاد في داخل وخارج العراق ثم انتخب سكرتارية جديدة للإتحاد، وصدرت عنه جملة من القرارت والتوصيات الوطنية والطلابية.

ويعيدنا الزميل أبو كمال إلى أبرز وأرقى فعالية جماهيرية سرية (علنية) بمناسبة الذكرى 27 لتأسيس الإتحاد، إذ أقيم ولمدة ثلاثة أيام معرض تشكيلي، في بيت أحد الزملاء في محلة الجزائر،  أحتوى على أكثر من 50 لوحة فنية من نتاجات الزميلات والزملاء أعضاء الإتحاد، ومن أبرز المساهمين الشهيدان صفاء العاقولي وأسعد لعيبي. كان الحضور من أجل مشاهدة المعرض يتم بشكل سري عبر لقاءات وإشارات خاصة.

 

الموصل

شهدة الزميل والمناضل الطلابي  د. عزيز كوريا

كان ذلك في السنة الأخيرة من دراستي الثانوية في إعدادية النضال (بغداد) يوم إنتميت الى إتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية. وحين إنتقلت للدراسة في جامعة الموصل، واصلت نشاطي الإتحادي ومع مجموعة من شباب مدينتي (القوش). كان الوضع الأمني معقداً جداً بعد أن شنت سلطة البعث الغاشمة حملات بطش واسعة ضد كل المناضلين وخاصة الشيوعيين والطلبة الديمقراطيين. وكان التحرك بين الطلبة والتعريف بالإتحاد وأهدافة صعباً للغاية، لكننا كنا نحقق كل يوم إنتشارا واضحاً جراء شعبية الإتحاد وتميز أعضاؤه بأخلاق وممارسات حميدة، أكسبتهم محبة وتعاطف الكثيرين. وفي عام 1972 إنتقلنا للدراسة في كلية الزراعة في حمام العليل والتي كانت تخلو من أي نشاط إتحادي بسبب تعرض زملائنا السابقين لحملات قمع على أيدي أزلام الأمن و البعثيين من سكان المدينة وضواحيها. فتحركت مجموعتنا الصغيرة لتقيم أول نواة لاتحادنا في الكلية خلال فترة وجيزة، ولتسقط إدعاء السلطة بأن الكلية قلعة للبعث، وهو ما كان مرفوعاً فوق أسم الكلية عند مدخلها الرئيسي.

توسعت النواة وإنضم العشرات من مختلف المراحل للأتحاد، الأمر الذي أفقد البعثيين وأزلام الأمن صوابهم، فراحوا يصبون جام غضبهم على من يشعرون بتعاطفه مع الإتحاد. وقد قررت قيادة الإتحاد أن يقوم زميلان لا غير بتوزيع علني لبيان بأسم الإتحاد بمناسبة العام الجديد، على أن يحميهم زميلان بشكل غير علني، فيما شدد القرار على عدم كشف أي زميل والحفاظ على أقصى السرية. في الليلة التي سبقت هذا النشاط، قمت بنقل نسخ البيان من الموصل الى حمام العليل، متجاوزا التفتيش عند مدخل الناحية بأعجوبة. ولتنسيق النشاط ذهبت الى الدار التي يقطنها ثلاثة من الزملاء، جاسم محمد حافظ وعلاء حمزة وإبراهيم إسماعيل (وكان يسكن معهم طالب لا علاقة له بنا، ويتميز بحذر وخشية شديدة من العمل السياسي، مما أضطرنا لأخفاء الأمر عنه). فعقدنا بعد منتصف الليل لقاءً نظمنا فيه العملية والتكتيكات التي ستتبع إذا ما تعرضنا لهجمة من البعثيين وأزلامهم. وفي الثانية عشر ظهراً، إنتشرت بين كل الطلبة مناشير الإتحاد، التي وزعها في كليتنا الزميلان جاسم محمد حافظ ومصدق الشلاه، وفي كلية العلوم الشهيد أكرم علي إبراهيم وفي الهندسة رعد عبد الجليل وفي كلية الآداب طالب طه، واخرون لا تسعفني الذاكرة بأسمائهم. أربك النشاط البعثيين وجلاوزتهم، فشنوا أعتداءات على زملائنا وطاردوهم ولكنهم نجوا بفضل الخطة التي وضعها الإتحاد. وكان نصيبي من ذلك أن اشهر البعثيون علي السلاح وهددوني بالقتل محملين أياي رسالة تهديد الى القائد الشيوعي المعروف الفقيد توما توماس بإعتباري من القوش. وقد فتح نجاح هذا التحدي، الأبواب واسعة لإنضمام اعداد كبيرة من الطلبة للإتحاد، لاسيما بعد إدراكهم بأن الإتحاد منظمة طلابية حقيقية تتبنى حقوق ومطاليب الطلبة وتناضل لتحقيقها.

من الطرائف التي أذكرها، إننا استخدمنا رمز (اليوم تسحب الأولى) وهي عبارة كانت شائعة لدى باعة اليانصيب حينها. صاحبنا الساكن مع زملائنا سمع العبارة وراح يرددها دون أن يعرف ما وراءها مما عرضه لأستدعاء من قبل البعثيين بعد أن تمت العملية، متهمين اياه بمعرفة مسبقة بالأمر. ومن الذكريات الجميلة، تسميتي عزيز مالية، لأني كنت مسؤول المالية، ودائم الحديث عن سبل تعزيزها لتطوير الإمكانيات المالية المحدودة لإتحادنا.

 

بغداد

شهادة الزميل والمناضل الطلابي علي رسول الشريفي

ففي عام 1967 وفي ظل نظام الحكم العارفي، حقق إتحادنا فوزاً ساحقاً بأكثر من 90% من الأصوات في الإنتخابات الطلابية، التي لم تشهد تواجدا مؤثراً لقوى التيارات القومية العنصرية والبعثية الفاشية ناهيك عن الإسلامية. وقد سبب هذا الفوز هلع القوى الرجعية والحاقدة على مسيرة طلبتنا البواسل، ودفعها الى التآمر على شعبنا. وكان لي شرف خوض تجربة الإنتخابات لعام 1969 ممثلاً للإتحاد أثناء دراستي في كلية العلوم ـ جامعة بغداد . ومنذ أن أعلنا عن أنفسنا لخوض الإنتخابات ممثلين عن القائمة الديمقراطية حتى جن جنون بعض البعثيين الحاقدين والرجعيين. ولكننا كنا وبكل جرأة وإقدام نستعرض قوتنا ونقوم بالعمل الدعائي العلني لقائمتنا، ونراقب من يحاول تخريب يافطاتنا والشعارات التي تعّرف بقائمتنا. وفي خضم دعايتنا الإنتخابية كان البعثيون يجمعون كل ما نقوم بتوزيعه من بيانات، ولأن عددهم كبير، ويعملون علنا بأمكانيات السلطة، لم نستطع مجاراة تخريبهم. حتى تطوع أحد زملائنا الأبطال بتوزيع البيان بطريقته الخاصة، حيث فوجئنا في اليوم التالي بأن البيان كان قد تم لصقه في كل أبواب وقاعات وممرات الكلية حتى باب مقر الإتحاد الوطني. وكان السر يكمن في بقاء زميلنا طوال الليل في الكلية لتثبيت بياناتنا بإستخدام صمغ قوي يستعصي إزالته بسهوله.

كنا نقوم وفي كثير من الأحيان بمظاهرات داخل الكلية، فنصطدم بالبعثيين وتجري معارك فعلية بيننا. اتذكر مرة بأنهم هجموا علي وعلى زميلي حسين السماوي بالضرب، فتصدينا لهم، وإستمر العراك حتى باب الكلية، فتدخلت سيارة النجدة الواقفة في ساحة عنتر، واصر الضابط على إعتقال المعتدين علينا، لكن مكالمة هاتفية كانت كافية لإجباره على الإنسحاب لأن الإتحاد الوطني يعرف شلون يتصرف! أما نحن فإنسحبنا بهدوء كي لا نعتقل، فيما كان الطلبة يغبطون شجاعتنا وتحدينا للجلاوزة.

ولعل من أروع التجارب التي عشتها تلك الأيام، إشتراكي في وفد من إتحادنا، قام بزيارة تضامنية لمعسكرات الفدائيين في الأردن وسوريا. حيث زرنا بعض معسكرات التدريب في الغوطة، وإطلعنا على هذه التجربة الرائدة. ومن اللقطات اللطيفة، كان أسمي هاشم، في بطاقة أحد الطلبة الفلسطينيين ممن تطوعوا لإعطائي هويته للسفر مع إتحاد طلبة فلسطين، وفي الطريق إلى عمان كانت هناك سيطرات تفتيش ومنها سيطرة الحدود، إستلم الشرطي قائمة بأسماء المسافرين بهويات فلسطينية وكان قد نادى على أسمي عدة مرات ولكني لم أنتبه الى أن أسمي صار هاشم. حتى أنتبهت بعد إلحاح الشرطي، فتظاهرت بالنوم حتى لا تنكشف طبيعة سفرتنا. بعد عودتنا تم إعتقال أحد زملائنا، فلاح الحيدر، في محل حلاقة وكانت معه كل صور الوفد، لكنه تصرف بذكاء وترك الصور لدى الحلاق، وقد إستعادها منه بعد إطلاق سراحه.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل