/
/
/
/

السباحة عكس التيار تتطلب جهدا ومواجهة وتحمل لكل أنواع المخاطر والاحتمالات التي تواجهك، هذا الأمر نخوضه الان، في وقتنا الحاضر، في زمن ثورة أكسبت العراق ثوبا لم يرتده منذ زمن، بهذا الغليان الشبابي الذين سبحوا عكس أقسى وأعتى تيار نشر ظلامه على مجمل حياتنا، ووصل الى تفاصيل خصوصيات حياة الفرد والعائلة والمرأة بالتحديد، فأستبدل جيل الشباب كلمة عورتهم بثورتنا.
الفرق بين الكلمتين (عورة وثورة) مهول وقاس، ولا من جامع بينهما إلا بعض الحروف، اما الاختلاف في المفهوم وتأثيره، فأنه أكثر من الاختلاف بين الأسود والأبيض، أو بين الظلمة والنور، أو بين الحب والكره.
تغير مفهوم (صوت المرأة عورة) الى (صوت المرأة ثورة) والحقيقة، أنهم قالوا صوتها (عورة) ربما مجاملة، أو تخفيفا لوطأة وقوعها عليها، او لكي يسموا أنفسهم بأنهم يكنون لها أقل القليل من الاحترام، هذا أن عرفوه يوما، لأنهم (..) استباحوها روحا وفكرا وجسدا، بتشريع زيجات تبيح لغرائزهم الحيوانية، استباحة أجساد الفتيات قبل سن البلوغ، وهذا ما كشفه، -رغم إننا على علم به- برنامج بثته قناة BBC العربية قبل اكثر من شهرين، عن سلوك دعاة الدين، ومصدّري فتاوى الاباحة، وطرق تعاطيهم مع المرأة وحقوقها وقضاياها، يعتبروها عورة بدءا بالجسد مرورا بحضورها وصوتها بل وحتى ظلها، فكيف سيتقبلون ان ترتفع فوق قاماتهم عالية وكأنها تلامس السماء، شابة يافعة، قوية الملامح، عالية الصوت، وعالية القامة، تبتسم وهي تطالب بحقها في وطن، وتردد شعارات الوطن بصوت لا يرتجف، لان قائل الحقيقة لا يهزه خوف، ولأنها العصا التي أوقفت عجلة الظلامية ستسحق فتاوى تنفيس الغرائز..
ثورة تشرين غيرت الكثير من المفاهيم وسلوكيات المجتمع إزاء المرأة وتواجدها في سوح المظاهرات، هذه الثورة أعادت بعض (عراق الستينيات وبداية السبعينيات الى الواجهة الحضارية التي تفرضها مستجدات العصر وتقلباته السريعة تقنيا وفكريا واجتماعيا، لأن الانتفاضة تفردت في الكثير من سماتها عن سابقاتها في تاريخ العراق المعاصر، بل تميزت عن المظاهرات العربية والعالمية، لأسباب كثيرة، منها، الفترة الزمنية التي استغرقتها والتي لم تنته بعد. سعتها الجغرافية. دور شريحة الشباب فيها، بمعزل عن أي حزب، طائفة، قومية، دينية، وحتى بتأثير مجموعات ثقافية وفكرية. توحد الكل بمختلف تنوعهم وتصوراتهم تحت راية الوطن. مشاركة النساء فيها. دور وسائل التواصل الاجتماعي في التنسيق والتعميم. مشاركة الطلاب من كلا الجنسين. تأثير الانتفاضة على مجمل الحياة العامة. واخيرا وليس آخرا عدد الضحايا والمعوقين بسببها، والذي لم يعرف حتى الان، لان اغلب الشهداء قيدت أسباب وفاتهم بالجلطة القلبية، بأمر من الحكومة، حتى سبب الموت يتم تزويره ببلد صناعة الفساد وسرقة الآمال..
شاركت نساء العراق والشابات بمظاهرات احتجاجية على امتداد تاريخ العراق، لكن مشاركتهن بانتفاضة تشرين 2019 لا تشبه أي فعل احتجاجي آخر، لان حضورهن كان متفرد ومميز بجماله وفخامته، رغم عفوية بداية الانطلاقة، التي تحولت لاحقا الى أرقى شكل تنظيمي – تظاهري، وبتوالي الأيام سجل حضورهن إنجازا تاريخيا للمرأة (الشابة) سيبقى كفعل حاضر لازمان لاحقة وستتناقله الأجيال.
فيما تعود خصوصية واستثنائية مشاركة المرأة بهذه الانتفاضة الى أسباب كثيرة نذكر منها:
1 – مشاركة النساء في كافة المحافظات بالتظاهرات في مقدمة الصفوف الاولى، والمميز بهذا الجانب، ان شابات المدن والمحافظات التي اتسمت بطابعها المحافظ والمتزمت، تصدرن مظاهرات احتجاجية تندد بتسلط وفساد الاحزاب الدينية التي يعود اغلب قادتها لتلك المدن.. وهذا سابقة لم يشهدها العراق سابقا، على الرغم من القمع الوحشي الذي جوبهت به المظاهرات في تلك المناطق.
2 – الكم العددي للنساء المشاركات في الانتفاضة لا يمكن مقارنته بأي مظاهرات اخرى شهدها تاريخ العراق قديما وحديثا.
3 – في الكثير من المظاهرات لا تحتل النساء المواقع الأمامية في التظاهرة، لكنها في ثورة تشرين، احتلتها بجدارة وبدافع وقناعة من الشباب الذين شكلوا حولهن سدا منيعا، بنفس الوقت الذي شكلت النساء جدار لمواجهة قوات الشغب عند هجومها على المتظاهرين الشباب.
4 – التجاوب مع مشاركة المرأة في هذه الانتفاضة العظمى، لم نشهد له مثيلا، فقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها ومسمياتها إضافة الى المنصات الثقافية، داخل الساحات وخارجها، الى إسناد ودعم وتأييد لهذه المشاركة، تمثلت على شكل مقالات، شعارات، برامج، قصائد شعرية، وحتى رموز وألوان البوسترات، وهذا اصدق مؤشر على ان العراق لا ينتمي الى دروب الجهل التي حاولوا دفعنا نحوها.
5 – المشاركة الواسعة للنساء بالانتفاضة شكل عنصر استقطاب فاعل لكلا الجنسين للمساهمة في التظاهرات، فهذه المشاركة جذبت الكثير من الذين كانوا بموقع المتفرج، لكن مشهد العراقيات وهن يرفعن علم الوطن، شدهم الى ان يكونوا مساهمين وليس متفرجين، وهنا يكمن السبب الحقيقي لحملات التشويه الأخلاقية التي تعرضت لها الشابات المشاركات، والتي تنوعت بين الخطف والتعذيب مرورا بالتلفيق في منشورات المواقع الالكترونية والتزوير في الصور، والتقارير التلفزيونية، كالتقرير الذي بثته قناة آسيا حول انتشار الدعارة في الأوساط الجامعية، الذي تزامن تحديدا مع تصاعد المد الطلابي في الانتفاضة، تقرير يفتقر الى المهنية والى الاخلاقية ايضا، وإلا ما جدوى بث مثل هذا التقرير في بلد تعمه الفوضى وعدم الاستقرار والامان (..)
6 - لم يتم التعامل مع المرأة، داخل ساحات التظاهر، وفقا للأطر التقليدية كونها الكائن الأضعف، ومهامه محددة وضيقة، بل أشتركن بكل المهام التي تطلبها الساحات، وقد توجن خطوط التماس في السواتر بهذا التواجد، كما لم يقتصر دور المنتفضات، كما أشيع، على عمليات التنظيف والطبخ، التي أشترك بها كلا الجنسين، بل كن متساويات مع الشباب وليس تابعات أو في الخلف.
7 - مشاركة المرأة في الانتفاضة غيرت الكثير من السلوكيات الاجتماعية التي تتعلق بخصوصيتها، وأهمها الظواهر التي انتشرت في الشارع العراقي بشكل جارح، كموضوع التحرش بمختلف أنواعه (اللفظي والجسدي)، وعدم إحرامها في الأماكن العامة والخاصة. وفيما بعد مشاركتها بالتظاهرات واثناءها تغيرت تماما بعض السلوكيات، بل أنعدم الكثير منها ليس في ساحات التظاهر فقط، بل حتى في الاماكن الاعتيادية، لأن مشاركتها في رسم مستقبل الوطن غير تلك النظرة وبالتالي انعكست على السلوك الاجتماعي، وشذبت حتى نظرة الأعجاب بحضورها.
8 -فرضت الشابات تواجدهن في الساحة كمسعفات، وادارة الخيم، مشاركات في الندوات الثقافية والفنية، وحتى النساء اللواتي لم يشتركن بالمظاهرات ساهمن بجمع التبرعات وتوفير الغذاء، و بالتأكيد نالت المرأة حصتها من اعتداءات ما يسمى بقوات مكافحة الشغب والميليشيات، عمليات الخطف والتهديد التي تمت بحق المنتفضات، وفعلا في بداية تشرين تم خطف واغتيال الكثير من المنتفضات لترهيب عائلاتهن ومنعهن من المشاركة في المظاهرات، لكن الرد جاء معاكسا حيث ازدادت نسبة المشاركة يوما بعد آخر.
سجلت مشاركة المرأة العراقية في الانتفاضة أكبر منجز لحقوقها، باعتبارها الثورة اما الجهل والدين المزيف فهو العورة، وبهذا التصدي والإصرار سبحت المرأة وبقوة لمواجهة تيار ظلامي يجرف معه كل القيود الجارحة وأدوات القتل، ورغم ذلك لا زالت تسبح لكي تصل الى نور حقيقتها الإنسانية، حتما ستصل، لأن الكل يساندها، الكل يدرك أنها البوابة الأوسع للإطلالة الحضارية لعراق نريده كما حلمنا به – الجيل السابق- ربما أخفقنا، لكن شابات وشباب تشرين علمونا كيف نحب الوطن، وكيف نصيغ الحب الى فعل حازم، قلبوا المعادلة السياسية ليعيدوا ترتيب أوراق الوطن حسب أولوياته.. علمونا كيف نتجه نحو ضوء المستقبل، وألا نبقى أسرى الماضي الدامي، وحاضرنا الراكد، وكلاهما أخذ منا الكثير ولم يمنحنا إلا الألم وانتزاع الامل.a

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل