/
/
/
/

طريق الشعب

قدمت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس-بلاسخارت، أمس الأول، إحاطة إلى مجلس الأمن الدولي، مشيرة إلى الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان وانتشار المجاميع المسلحة والاستعصاء السياسي والمخاطر التي تحيط بالعراقيين.

في أدناه نص الإحاطة:

لم يغادر العراق عناوين الأخبار الرئيسة خلال الأشهر الماضية، حيث ما تزال الأحداث المحلية والإقليمية والدولية تفرض نفسها على أوسع نطاق في البلاد. وفي الوقت الذي نبحث فيه هذه الأحداث اليوم، أود أن أبدأ بالأمل:

  • أمل شعب بقي متحداً في التصميم من أجل مستقبل أكثر عدلاً وازدهاراً.
  • أمل دولة ذات سيادة ترفض أن تكون ساحة للصراعات التي ليست لها علاقة بها.
  • والأمل أن يجد العراق نفسه بشكل جيد في أنسب اللحظات من أجل إصلاح سياسي حقيقي ودائم منذ عقود.

بيد أنه، ومن أجل تحقيق ذلك، ينبغي على القادة السياسيين ومكونات الشعب أن يرتقوا إلى مستوى مسؤولياتهم، ويضعوا مصلحة البلد فوق كل اعتبار من أجل بناء القوة الداخلية. وفي هذا الصدد، من المهم عدم تمويه الحقائق القاسية الراهنة.

يستحق الكثير من العراقيين الشجعان، الذين ما برحوا يدفعون ثمناً لا يمكن تصوره من أجل الاستماع إليهم، أن نعترف بالانتهاكات التي لا تطاق التي تعرضوا لها. أعمال القتل وعمليات الاختطاف وأعمال العنف وأعمال التخويف والترهيب والتهديدات. إن هذه الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان ما زالت مستمرة وتتعارض مع كل ما هو محترم ولائق وليس لها مكان في ظل النظام الديمقراطي، أي نظام ديمقراطي. نعم وبالطبع، فنحن ندرك تحديات العمل ضمن سياق أمني متقلب وغامض بوجود العديد من الجهات الفاعلة. بيد إني قلت مراراً وتكراراً: الدولة هي صاحبة المسؤولية النهائية، بصورة لا يمكن إنكارها، عن سلامة الشعب وأمنه. ولذا فأنه من المحتم وضع حد لهذه التجاوزات. وبالإضافة إلى ذلك، من الضروري تقديم الجناة الى القضاء، حيث ينتهي الإفلات من العقاب حيث تبدأ المساءلة.

ولم تظهر مشكلات العراق بين ليلة وضحاها، ولن تحل في لحظة. إلا أن أوقات الأزمات تخلق فرصاً. وآمل بصدق أن يدرك القادة السياسيون العراقيون أنهم في هذه اللحظة أمام مفترق طرق، فإما أن يظلوا بلا حراك أو يسخرون أنفسهم لخدمة أبناء وبنات بلدهم. ولكن عليّ أن أقول إن الفرصة تتضاءل بسرعة. وفي ما يتعلق الآن بمشاركة النساء العراقيات في الاحتجاجات الحالية، فهو أمر غير مسبوق وصفحة جديدة في تاريخ التعبئة الشعبية النسائية في العراق. وينبغي على القادة السياسيين تلبية هذا النداء.

وفي الصورة الأمنية، لا شك في صعوبة إدارتها. فقد شهدنا كيانات مسلحة اتسم تحديدها بالغموض وذات ولاءات غير واضحة. ورأينا جماعات أو أفرادا يستغلون غطاء المتظاهرين السلميين أو القوات الأمنية لتعكير الأمور وتضليل الجمهور والإضرار بمصلحة البلاد وإرباك المشهد والتسبب في إصابات. وكل ذلك جزء من واقع العراق الصعب. وكما قال الأمين العام غوتيريش: "إن العدد الكبير من الجماعات المسلحة التي تعمل خارج نطاق سيطرة الدولة يمنع البلاد من العمل كدولة طبيعية".

وبعد 5 أشهر من الاحتجاجات والعديد من القتلى والجرحى، ينبغي أن يكون واضحاً أن المتظاهرين السلميين – المدعومين من الأغلبية الصامتة – لن يتخلوا عن تطلعاتهم. والآن، ينبغي أن يكون ذلك هو الشاغل الأول والأخير للطبقة السياسية – ولكن حتى الآن رأينا نتائج قليلة. اسمحوا لي أن أكون واضحة. تتطلب تلبية مطالب الناس جهداً جماعياً. وأؤكد مرة أخرى أنه لا يمكن لأي رئيس وزراء القيام بذلك وحده. فكل طرف سياسي وقائد سياسي مسؤول مسؤولية كاملة عن استعادة ثقة الجمهور الحيوية في حكومتهم ومؤسساتها. وفي نهاية شهر تشرين الثاني الماضي، أعلن رئيس الوزراء استقالته، التي أقرها بعد ذلك البرلمان والرئيس. وقد بائت تسمية رئيس وزراء جديد والمحاولات اللاحقة لتشكيل حكومة جديدة بالفشل في نهاية المطاف نتيجة الشقاق والريبة. وقد أدى ذلك إلى وضع معقد لم يتمكن فيه رئيس الوزراء المكلف من الحصول على التأييد واسع النطاق والكافي لتشكيل حكومته خلال 30 يوماً.

وخلال الأيام الثلاثة الأخيرة، شهدنا انسحاب رئيس الوزراء المكلف – الذي وافق عليه الرئيس– وإعلان رئيس حكومة تصريف الأعمال السابق والحالي بأنه سيتراجع عن معظم واجباته مع مطالبة البرلمان بإجراء انتخابات مبكرة في 4 كانون الأول من عام 2020. ودستورياً، أمام الرئيس 15 يوماً أخرى لترشيح رئيس وزراء جديد، وتعرض حكومته وبرنامجه مرة أخرى أمام البرلمان للحصول على تأييده. وفي الوقت الذي ما تزال المشاورات السياسية مستمرة، يبقى السؤال هو هل ستتمكن الأحزاب السياسية من إيجاد مرشح توافقي جديد في غضون هذه المدة المحددة. فمن الواضح أن ذلك يطيل من أمد حالة انعدام اليقين ويتسبب في تحديات كبيرة – مما يزيد من إضعاف ثقة الجمهور. بشكل أو بآخر: الطريق أمامنا ما زال محفوفاً بالصعوبات. لقد ذكرت آنفا الحاجة الملحة إلى المساءلة والعدالة. وهناك أولوية أخرى قصوى ألا وهي الفساد، ربما هو أكبر مصدر للاختلال الوظيفي في العراق، وبكل أسف، سمة أساسية في الاقتصاد السياسي الراهن ومتغلغل في المعاملات اليومية.

وأما في شأن ملف الانتخابات، ففي الوقت الذي يعتبر فيه إعادة التهيئة الانتخابية أولوية قصوى بالنسبة للكثير- فأن الإصلاح الواسع والممنهج والخروج بمفوضية انتخابات قوية ومستقلة ستبرهن على أنها عوامل حاسمة. وبعبارة أخرى، ستحتاج مفوضية الانتخابات التي شكلت حديثاً أن تكون أكثر إصراراً على الالتزام بمبادئ الشفافية والمساءلة والاستقلالية والمهنية ذلك أنها تسهم في بناء القدرات المؤسساتية للمفوضية وتطلق الاستعدادات الفنية الانتخابية. وعلاوةً على ذلك، ومن أجل ترسيخ الجدول الانتخابي، هناك حاجة الى إنجاز قانون الانتخابات. ويتوجب على مجلس النواب العمل على إنجاز مواد عالقة وملحة في قانون الانتخابات، وبالأخص تحديد الدوائر الانتخابية وتوزيع المقاعد، على أمل أن يجعل هذا الإجراء الناخبين أكثر قرباً من المرشحين وجعل النواب المنتخبين أكثر خضوعاً للمساءلة أمام ناخبيهم.

وبالنسبة للعلاقة بين بغداد وأربيل، فعلى الرغم من وجود اتفاق أولي مشجع بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في شأن النفط وتقاسم العوائد، فنحن مازلنا بانتظار عقد اتفاق طويل الأمد ومستدام في شأن هذا الملف وكذلك في شأن التعاون الأمني وسنجار. أن المناخ المحلي والإقليمي المتقلب كان له تأثير غير عادي على العراق في الأشهر الماضية. وللإشارة إلى ما هو واضح، فإن العنف بين الدول الذي شهدناه والذي انعكس على جميع أنحاء العراق في وقت سابق من هذا العام كان بمثابة تهديد واضح وكبير للبلاد. فقد تغيّرت طريقة العمل وقواعد الاشتباك وأصبح خطر تصرّفات مارقة من جانب الجماعات المسلحة غير واضحة الارتباط مصدر قلق دائم.

بالإضافة إلى التهديد الأمني الفوري فإن هذا الأمر يصرف بالانتباه السياسي البالغ بعيداً عن الأمور المحلية العاجلة غير المكتملة. ولكن كما ذكرت من قبل، يجب ألا تطغى التطورات الأمنية الإقليمية على الأولويات المحلية. والسؤال هو ما إذا كان العراق سوف يزدهر كمكان للسلام والتفاهم أم سيعاني كونه ساحةً للمعارك الخارجية؟.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل