/
/
/
/

طريق الشعب
يواصل مئات المتظاهرين العراقيين، لليوم الخامس على التوالي، التواجد داخل طوابق مبنى "المطعم التركي" الذي ينهض بين ساحة التحرير وجسر الجمهورية قريباً من نهر دجلة، في ظل محاولات متكررة من قوات الأمن لإخلائه من المتظاهرين.
يتألف المبنى من 14 طابقا، وهو مهجور منذ عام 2003، بعد أن تعرض الى قصف أمريكي بعد احتلال العراق، واحتفظ المبنى باسمه القديم وهو "المطعم التركي"، إذ كان يضم أحد أشهر المطاعم السياحية، لكن اليوم، باتت تطلق عليه أسماء أخرى بينها "جبل أحد ساحة التحرير"، و"ستالينغراد بغداد"، فضلا عن إطلاق اسم "بناية أبطال التكتك" عليه بعد نجاح المتظاهرين في منع قوات الأمن من اقتحامه.
وتحاول قوات الأمن السيطرة على البناية لأنها تمنح من يعتليها السيطرة على مساحة واسعة من المنطقة، التي تعد مركز التظاهرات في العاصمة بغداد، في حين يحرص المنتفضون على عدم سيطرة الأمن عليها لمنع تكرار استخدام القناصة لها، كما حدث في تظاهرات الأول من تشرين الأول.
ويرى خبراء امنيون ان المطعم يعتبر مركز سيطرة ، خاصة أنه استخدم سابقا من قبل الأمن والقناصة لاستهداف المتظاهرين في ساحة التحرير، ورصد موجات المحتجين القادمين من شارع السعدون، أو من تقاطع ساحة الطيران وشارع الشيخ عمر الرئيس. المحتجون تعلموا من وقائع التظاهرات السابقة،
وشدد المتظاهرون على أنهم لن يسمحوا لقوات الأمن بالسيطرة على البناية، لأن ذلك يعني السيطرة على ساحة التحرير كمقدمة لفض الاعتصام. وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو أظهرت محاولات عديدة لقوات الأمن للسيطرة على المبنى، مستخدمة القوات المرابطة على جسر الجمهورية المؤدي إلى المنطقة الخضراء خلف الحواجز الكونكريتية، والتي تطلق الرصاص وقنابل الغاز، ، لكن كل المحاولات باءت بالفشل.
لقد تحولت البناية الى بيت حقيقي للمنتفضين يسوده التضامن وروح الشبيبة الثورية من كلا الجنسين. وساحة تغطيها أجواء احتفالية يعبر المحتجون من خلالها عن اصرارهم القوي على الاستمرار حتى انتصارهم المرتقب. ويلفت نظر الزائر للمكان وجود حيز للأدوية والاسعافات الأولية أعده عدد من طلبة المعاهد الطبية وكليات التمريض لتقدم المساعدة للمصابين من المحتجين الذين يسيطرون على بناية المطعم التركي. هذا وعبر عدد من المتظاهرين داخل بناية المطعم لـ "طريق الشعب" عن تمسكهم بمواصلة المسيرة الى حين تحقيق التغيير على الرغم من الظروف الصعبة التي يتعرضون لها خاصة ان أغلبهم مرابطون منذ خمسة أيام في بناية تعرضت الى القصف الأمريكي واهملتها الحكومات العراقية المتعاقبة.
الأجواء داخل بناية "المطعم التركي" تضج بهتافات الشباب المطالبين باستقالة حكومة عادل عبد المهدي ومنع التدخل الخارجي في الشأن العراقي، وحيطان البناية الداخلية أيضا هي الأخرى زينت بشعارات مطلبية منها (ابطال ثوار جبل احد صامدون، وثورتنا ثورة جياع، التغيير مطلبنا، الوطن مغلق للصيانة، وأين حقي؟)
وفي مشهد آخر داخل بناية المطعم التركي: عبر شاب بابلي عن حبه لفتاة بغدادية مجاهدة في ساحة التحرير وذلك بإعلان خطوبته لها من اعلى قمة بناية المطعم وامام حشود المتظاهرين في ساحة التحرير لتعتلي أصواتهم بأهازيج فرح مصحوبة بدبكات بغدادية.
فيما فضل آخرون من الشباب أخذ قيلولة المساء، او تناول الغداء، ولعب الدومنه، وآخرون يراقبون بحذر القوات الأمنية تحسبا من إطلاق القنابل المسيلة للدموع اتجاه البناية ليتم اتخاذ اللازم لتفادي الخطر، ومنهم من عمل على استعراض مهاراتهم في تسلق حيطان البناية مقلدين في ذلك بعض مشاهد لعبة (البوبجي).
ومن جانب آخر شاهد مراسل "طريق الشعب" العمل الدؤوب الجاري من لدن المحتجين على توصيل الطاقة الكهربائية الى المكان وانارته، فالأمكنة كما هو معروف تزدهر بالنور والانسان.
لقد ارتبطت ذاكرة التاريخ النضالي لشعبنا العراقي عبر عقود متوالية بالمكان، فشارع الرشيد، وجامع الحيدر خانة، وجسر الشهداء، وساحة السباع، وباحات كليات جامعة بغداد وغيرها من الأمكنة، تعد عناوين لأمجاد ونضالات لا تمحى.
ومنذ الخامس والعشرين من شباط 2011 تحولت ساحة التحرير والساحات الرئيسة في العديد من المحافظات الى حاضنات لأمجاد شبيبة العراق في تاريخهم القريب وأيامهم الحالية، وغد الانتصار القريب.
ومهما تراكمت لدى المتشبثين بالسلطة من تكتيكات وأساليب قمع لا إنسانية، فان ذهنية الشبيبة المنتفضة ومبادراتها حولت مركز المراقبة السابق وسطح القنص سيئ الصيت الى بيت للتضامن يجمع الحالمين بالحرية والوطن السعيد والمستقبل الأفضل.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل