/
/
/
/

طريق الشعب

تنامت مؤخرا ظاهرة انتحار الشباب في العراق بشكل ملحوظ، ما دعا إلى الاعتراف الرسمي بتفاقمها وإعلان الخوف من تحولها إلى آفة كبيرة لا يمكن مكافحتها، وفيما يتبين بالدليل القاطع لأبسط مواطن، إن هذه الظواهر السيئة لا تنفصل ابدا عن الفشل المستمر في الأداء الحكومي والمحاصصة والاقتتال الحزبي على المناصب والعجز المقصود عن توفير حياة كريمة لشريحة الشباب من كلا الجنسين، لا يمكن حصر هذه الظاهرة الخطيرة لدى الشباب وحدهم، وإنما هم الأكثر عددا بين الذين أقدموا على إنهاء حياتهم.

ظاهرة متفاقمة

لا يكاد يخلو أسبوع، من خبر جديد لشاب ينتحر وينهي حياته بمختلف الوسائل، منها القفز من أعلى الجسور بين فترة وأخرى، حيث تناقلت مؤخرا وسائل الإعلام بسبب ذلك، خبرا مثيرا للجدل حول محاولة وزارة الداخلية ومجلس محافظة بغداد تسييج الجسور لمنع هذه الحالات.

وقوبل المقترح بسخرية هائلة من مواقع التواصل الاجتماعي، فيما انتقد بعضهم ما أسموه بـ"الفهم المحدود" من قبل المسؤولين الحكوميين تجاه مشاكل الشباب، وعدم إدراكهم أو تجاهلهم للأسباب الحقيقية المؤدية الى موتهم الشنيع والمؤسف، والتفريط بثروة الشباب الهائلة.

ونال محافظ بغداد، رياض العضاض، جزءا من سخرية الشباب ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، بعد إدانته المنتحرين بوصفهم "مخالفين للشرائع السماوية"، حيث اعتبروا أن هذه الرؤية "تتغافل الظروف المعيشية والنفسية التي ترتبت على المواطنين نتيجة الفشل الحكومي المستمر".

واطلعت "طريق الشعب" على كتاب رسمي باسم المحافظة تبين إنه رد على مقترح سابق لوزارة الداخلية لتسييج الجسور، أشار الى أن "حالات الانتحار تزايدت في عموم البلد مع غياب إحصائيات دقيقة عن حجم الحالة وتفاقمها".

أرقام هائلة

ووفق إحصائية رسمية صادرة من وزارة الداخلية مسبقا، فإن حالات الانتحار بلغت ألفي حالة، وبدوافع مختلفة للفترة بين الأعوام 2015-2017، وهي مرتفعة بشكل كبير عن الفترة 2003-2013 والتي سجلت 1500 حالة، فيما ذكرت مفوضية حقوق الإنسان بالعراق، تسجيل أكثر من 3 آلاف حالة انتحار خلال السنوات الأربعة الماضية ولكلا الجنسين، لأسباب كثيرة منها اقتصادية واجتماعية ونفسية، بجانب حالات التفكك الأسري.

واتهمت المفوضية، في تقارير سابقة، "الجهات المعنية في العراق بالتعتيم على كثير من حالات الانتحار، خصوصاً بين جنس الإناث، نتيجة ضغوط يمارسها ذوو الضحية على ضباط التحقيق، لمنع كشف أسباب الانتحار لضرورات اجتماعية، مشيرة الى ان "هناك عدة أسباب تقف وراء زيادة حالات العنف والانتحار في المجتمع العراقي، أبرزها” الوضع النفسي، وكثرة حالات الحروب التي شهدتها البلاد، وفقدان الأشخاص لأحلامهم، وفقدان فرص العمل، والفقر".

وتشير تقارير إعلامية إلى أن أكثر من 30 حالة انتحار شهدتها البلاد منذُ مطلع العام الجاري، أغلبها في مدن بغداد وذي قار وديالى وبابل، فضلا عن تزايد الحالة بين النساء في اقليم كردستان حيث وصلت الى 400 حالة في عام واحد.

وحذر، جبار الموسوي، عضو مجلس محافظة ذي قار، السبت الماضي، من موجة انتحار قد تجتاح المحافظة بالتزامن مع الامتحانات الوزارية للصف السادس الإعدادي بكافة فروعه كما حصل سابقا"، داعيا "أهالي الطلبة إلى عدم تحميل أبنائهم أكثر من طاقتهم والضغط عليهم بسبب تدني الدرجات أو الرسوب".

أسباب اقتصادية

ويقول، وسام الخزعلي، سكرتير اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي، لـ"طريق الشعب"، أن "الضغوط الاقتصادية تمثل احد العوامل الرئيسة التي تفسح المجال امام استفحال هذه الظاهرة"، مشيرا الى "العجز الحكومي المستمر في توفير فرص عمل للشباب والى اعتماد اقتصاد ريعي مشوه لا يهتم بالقطاعات الصناعية والتحويلية فضلا عن التجارة والزراعة وجوانب اخرى انتج لنا بطالة بملايين العاطلين.

من جانبه، ذكر الشاب، محمد مازن، وهو طالب جامعي ويعمل في مطعم للأكلات السريعة، لـ"طريق الشعب"، أن "شعور الشباب بالحيف والقهر نتيجة اهدار طاقاتهم وطموحاتهم الكبيرة، يتسبب في كوارث كهذه، حيث انهم يرون من يتنعم بالخيرات بدون عدالة من ابناء المسؤولين او الفاسدين، في الوقت الذي يبحث ملايين الشباب عن عمل لائق يمكّنهم من العيش بكرامة".

وزادت عدد حالات الانتحار في عدد من البلدان العربية بحيث أصبح أمرا يستحق التوقف عنده، ومن ضمن تلك البلدان العراق الذي شهد ارتفاعا في أعداد مثل هذه الحالات منذ عام 2003 حتى الان، الأمر الذي أدى الى زيادة في عدد الحالات بسبب انتشار الفوضى الأمنية والإرهاب وغيرها من عوامل ساعدت على تفشي هذه الحالات بشكل كبير.

مساهمة في الحل

ويجمع الكثير من الباحثين والمراقبين، على ضرورة توحيد جهود المؤسسات المعنية بالصحة النفسية، ووضع خطة علمية تستهدف الحد من ظاهرة الانتحار في العراق، بالتنسيق مع أقسام علم النفس والإرشاد التربوي والنفسي وعلم الاجتماع في الجامعات العراقية، فضلا عن المنظمات الشبابية والطلابية والنسوية، لدراسة الظاهرة والتعامل مع ظاهرة الانتحار في الأوساط الجامعية بشكل خاص، فيما يرى البعض وجود قصورا واضحا وملموسا من قبل لجان الشباب والرياضة في مجالس المحافظات او البرلمان، فضلا عن غياب المشاركة الفعلية للتصدي لهذه الآفة من قبل وزارة الشباب والحكومة بشكل عام.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل