/
/
/
/

وكان الشهيد الرفيق فهد في مقهى عبد ننه في ذكرى استشهاده 14 شباط  يوم الشهيد الشيوعي العراقي

في يوم الشهيد الشيوعي العراقي، نستذكر جمهرة من العراقيين ممن تعرضوا إلى مصير درامي . إن خسارة هذه النخبة الخيرة من أبناء أرض الرافدين ومن كل مكوناته وألوانه ، لم تكن تخص الحزب الشيوعي العراقي والوطنيين العراقيين فحسب ، بل أنها ألحقت خسارة فادحة بمصير البلاد وشعبها وعرقلت تنميته ومساره السياسي والاجتماعي الديمقراطي . أقول ذلك لكي لا أتعصب للتيار التقدمي التنويري الذي أنتمي إليه. فالمهارة والثقافة والتنوير والصدق في وطنيتهم والولاء لشعبهم الذي كان ديدن وخصال هؤلاء الشهداء هو الذي يدفعني إلى استذكار مآثرهم ، وليس لإثارة الانتقام والحزن والإحباط ، بل لأشير بأن هذه البلاد العزيزة هي خزين لكل المهارات والخبرات وحافلة بسمات الصدق وحب الشعب لدى جمهرة من أبنائها). *)

استهلال

تنفرد النجف بخصائص ميزتها عن بقية المدن العراقية، وحتى عن المدن المشابهة لها مثل كربلاء وخاصة من الناحية الدينية، فالنجف التي تقع على حافة الصحراء، والتي تضم مقام الإمام علي (ع) مدينة عربية وأهلها في غالبهم من عشائر عربية المحتد، ومن يأتيها من غير العرب سرعان ما يذوب في مجتمعها النجفي وهي مع ذلك مدينة أممية، تمشي في سوقها فترى مختلف الأزياء والسحنات وتسمع مختلف الألسن من الزائرين وعوائلهم الوافدين من الخليج ومن إيران وتركيا وبلاد الافغان وبلاد الهند والسند والتبت .. وهي مدينة المعاهد الدينية، وهي مدينة المكتبات العامة والخاصة وهي مدينة دور النشر والمطابع، حين يحظى الكتاب بمكانة عالية، وطالما تُفضَّل مكتبات البيوت على الأثاث والنجف التي ثارت على الرجل المريض وعلى الوافد المستعمر الإنكليزي وقد قدمت الشهداء بسخاء، والنجف أول من انتصر لفلسطين حيث تبارى شعراء الرابطة بأجمل القصائد الحماسية انتصاراً لفلسطين منبهين على مخاطر الحركة الصهيونية! والنجف قدمت أول شهيد في التظاهرات الشهيرة المتضامنة مع مصر التي تعرضت للعدوان الثلاثي عام 1956. فلا غرابة إذن أن ينمو فيها الفكر الماركسي الثوري..ولا غرو في أن يستقطب المثقفين ورجال الدين وطلبة العلم والكادحين.. ومع الحرب العالمية الثانية انقسم الناس بين مؤيد للاتحاد السوفيتي وبين مؤيد لألمانيا وزعيمها هتلر، ولكل فريق ذرائعه، ولكن الحال سيتغير وسترجح كفة المؤيدين للطرف الأول! ... فالنجف مدينة مدنية علمانية ومازالت تتفرد بمدنيتها ...

في النصف الاول من عام 1941 كتب الشاب حسين الشبيبي المعلم في مدرسة غازي مجموعة مقالات متميزة بانحيازها الطبقي لجماهير الشعب وبروح وطنية في مجلة المجلة التي كان يصدرها القاص ذنون أيوب، وفي آب من العام نفسه استدعي لزيارة المجلة فرجع مفعما بالحماس والنشاط بعد ان التقى فهد وأيوب، ويروي المربي علي محمد الشبيبي أخوه الأكبر في مذكراته أن حسين أسرّه بالدعوة الى مبادىء الشيوعية بين الناس بتروٍّ لجذبهم للحزب وهكذا بدأ تأسيس أولى الخلايا في ذلك العام واستقطبت معلمين من جملتهم، إسماعيل الجواهري وعلي الشبيبي ومرتضى فرج الله وعبد الأمير السكافي، وجواد كاظم شبيل وحميد الحكاك وشاكر كيوان وأحمد رضا السوداني (أبو عاصم) وآخرين..وجذبت إليها مجموعة من طلبة العلم اللبنانيين التقدميين وبالأخص الكتّاب من قبيل حسين مروة ومحمد شرارة ومحمد حسن الصوري وغيرهم واستطاعت أن تتغلغل بين العمال والكسبة وبعض المحامين والأطباء ثم نشط جواد شبيل ليكوّن بعض الخلايا في الكوفة وربطها بتنظيم النجف.. واستطاعت منظمة النجف أن تكسب كادحي الأرياف في أبو صخير والشامية ..

جواد كاظم اشبيل واجتماعهم في مقهى عبد ننه

قبل أن أنتقل الى الجبايش –والجيم معجمة بالثلاث- ومفردها جبيشة وتعني الجزرة في مياه الأهوار، وفصيحها "الكبائش". أود أن أتوقف مع بعض اللقطات من الحياة اليومية للشيوعيين في النجف ونضالهم السرّي في الأربعينات من القرن المنصرم لعلها تقرّبنا من ذلك الزمن البعيد، " ربّ ذكرى قرّبت من نزحا" كما قال مهيار.

في ظروف صعبة من الملاحقة، بُلِّغت اللجنة المحلية أن اجتماعاّ مهمّاّ سيعقد في مقهى عبد ننه الشهير الواقع في باب الولاية قرب مدخل السوق الكبير إلى يسار الداخل الى السوق- لم يعد لهذا المقهى وجود، حيث هُدِّم تحت ذريعة إعادة ترتيب الساحة وتوسيعها- وحُدِد الزمان، مع إشارة عابرة الى احتمال حضور إشراف من القيادة. وفي جانب قَصيٍّ من المقهى هيَّأه صاحبه بعناية، انتظم عقد لجنة المدينة وبحضور الرفيق حسين محمد الشبيبي، كان الانتظار على قصره بدا مُملا، حينها أعلن: أن رفيقنا من المركز قد يتأخر وقد لا يحضر بسبب ظروف الصيانة !

فبدأ الاجتماع ونوقِش الوضع الداخلي باستفاضة وكذلك العربي والعالمي الذي استأثر بوقت لا يقل عن الداخلي بسبب الحرب العالمية..الخ، لقد كان الاجتماع حيوياً، ويروي الوالد جواد شبيل: التفتُّ الى الخلف وإذا بي أرى رجلاً متلفعا بمعطف ومعتمراً "غُترة" وعلى عينيه نظارة معتمة بدا مضطجعا أو نائماً وعندما نبهت الرفيق صارم قال لا ضير، هو رجل نائم !

انفض الاجتماع، وبعد وقت قصير عقد اجتماع تقويمي للاستماع الى توجيهات المشرف وعندما تساءل الرفاق: كيف لنا أن نسمع رأي المشرف ولم يحضُر؟! قيل لقد حضر الرفيق فهد وجلس يسمع الجميع وأرسل ملاحظاته التفصيلية!

اعتمدت في هذا على مدونة الأخ خالد جواد كاظم شبيل مشكورا .

(*)هذه السطور مجزوءة من مقدمة مقال أ.عادل حبه

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل