إذا كانت أزمة وباء كورونا التي مازالت تعصف ببلدان العالم كافة، قد عرت بامتياز أخلاق الرأسمالية العالمية كما لم تعرها من قبل؛ منذ انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية قبل ثلاثة عقود، وأظهرت ثغرات خطيرة اعتورت أنظمتها الدستورية الديمقراطية، كما في الولايات المتحدة بوجه خاص، وهي ثغرات تكشف الانحياز الطبقي الفاضح في آليات تطبيقها وتشريعاتها لصالح الأقلية البرجوازية الحاكمة على حساب الأكثرية الساحقة من الطبقات الكادحة والمهمشة، فضلاً عن الطبقة الوسطى، فإن هذه الأزمة ذاتها قد كشفت بالمقابل وبجلاء الإمكانيات الهائلة التي تمتلكها القيم والمبادئ العامة للنظرية الماركسية- الاشتراكية في القدرة على مواجهة وحل أزمات وكوارث محلية وعالمية مختلفة؛ مثل أزمة وباء "كورونا"، وذلك لما يتصف به الفكر الاشتراكي من مزايا إنسانية في العدالة والمساواة الاجتماعية، إن على الصعيد الوطني الداخلي؛  وإن على الصعيد الأممي. ورغم توهم الساسة والمنظرين الرأسماليين بعد زوال الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية بزوال الفكر الاشتراكي معهما؛ إلا أن هذا الفكر أثبت حيويته وظل حاضراً بقوة في شتى مناحي حياتنا الثقافية والفكرية، كما في المنتديات الفكرية العالمية؛ كما أن مناهجه العلمية مازالت متبناة في أعمال مراكز البحوث والدراسات الوطنية والدولية، كما مازالت مناهجه تُدّرس في أرقى الجامعات الغربية. وإذا كانت أعمال كارل ماركس ظلت تتجدد الحوارات الفكرية الدولية عن أهمية خلاصاتها في مواجهة قضايا الحاضر محلياً ودولياً؛ وبخاصة مع احتدام أزمات الدول الرأسمالية وتوابعها من الأطراف؛ وتنامي الحركات الاحتجاجية العمالية والجماهيرية الشعبية كما جرى خلال سني الربيع العربي أوائل العقد الماضي؛  فإنه يمكننا القول -بلا تردد-  بأن الأزمة العالمية الراهنة التي تأخذ بخناق دول العالم جراء الوباء بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخطيرة، هي المحطة التاريخية الأهم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في تعرية الرأسمالية وانكشاف فشلها الذريع في حل أزمات بلدانها المتفجرة، فضلا عن أزمات العالم المتعددة . لقد تجددت بقوة المناقشات أو المناظرات النقدية ومازالت تتواصل في وسائل الإعلام العالمية منذ بدء أزمة الوباء بين أصحاب المدرستين الاشتراكية والرأسمالية حول أفضلية أي منهما للعدالة الإنسانية والاجتماعية، ما حمل كبار المفكرين الرأسماليين على الاعتراف ليس فقط بمظاهر الأنانية اللاإنسانية التي تجلت في مواقف حكوماتهم الغربية خلال الأزمة، سواء تجاه شعوبها أم شعوب العالم، بل والاعتراف الخجول أو الصريح بوجود أوجه من الخلل في النظام الرأسمالي نفسه، ولعل واحداً من آخر الاعترافات المهمة في هذا الصدد ما صرح به الرئيس الأميركي جو بايدن غداة فشل المحاكمة التي اُجريت للرئيس السابق دونالد ترامب في إدانته بمجلس الشيوخ الشهر الماضي، حيث وصف الديمقراطية المطبقة في بلاده ب "الديمقراطية الهشة ". 

وعلى النقيض من ذلك فقد أثبتت الدول الاشتراكية التي مازالت قائمة؛ وبوجه خاص الصين الشعبية وكوبا، ناهيك عن فيتنام وسائر الدول التي تحكمها حكومات يسارية، كما في بعضها بأميركا اللاتينية؛ نقول أثبتت في مواقفها وإجراءاتها بأنها أكثر إنسانية وعدالة في تحمل المسؤوليتين الوطنية والاممية  في مواجهة الوباء ولتخليص شعوبها وشعوب العالم منه؛ والمساهمة أيضا ما أمكنها في تقديم مختلف أنواع المساعدات الاممية الطبية وخلافها، ولاسيما من قِبل الصين الشعبية وكوبا، نقول هذا بصرف النظر عن الأخطاء التي شابت تجارب الأنظمة الاشتراكية السابقة أو التي مازالت تشوب تجارب الدول الاشتراكية الحالية. وهكذا ففي الوقت الذي تميز  به الفكر الاشتراكي والدول الذي تتبناه -بصورة أو بأخرى- بالقدرة على تقديم حلول علمية عملية ومنطقية في مكافحة الفيروس والقضاء عليه على المستويين الوطني والعالمي؛ وذلك من خلال توفير تكافؤ الفرص والمساواة بين كُل المواطنين بلا استثناء ؛ كما تجلى ذلك في تلقي التدابير الاحترازية ضد الوباء مجاناً، وكذا توفير العلاج للمصابين والمرضى بكورونا، فإن الدول الرأسمالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تتورع عن أن التخلي عن دورها ومسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية تجاه شعوبها فحسب؛ بل وتجاه شعوب العالم؛ رغم ما تملكه من إمكانيات طبية وعلمية كبيرة، ، معرضة شعوبها والبشرية بأسرها لخطر الإبادة البطيئة الشاملة بكورونا!  

ذلك بأن قوانين الرأسمالية ومنطق أولوية مراكمة الأرباح- بلا حدود- والتي تستبد بنزعات الرأسماليين الأنانية والجشعة هي بطبيعتها تتنافى مع أي نوايا أو خطط جادة صادقة للقضاء على الوباء داخل بلدانها ومن على وجه المعمورة. إن تخليص أي مجتمع برمته من جائحة ما فتّاكة إنما يتطلب ببساطة متناهية تقديم كل مستلزمات الاحترازات والتحصينات اللازمة لأفراده ضد الوباء مجاناً، ومن دون ذلك يصعب تخليص هذا المجتمع من الوباء بسهولة وفي فترة قياسية منشودة. كما يتطلب أيضاً للتخلص منه عالمياً حداً أدنى من التعاون الدولي الجاد،  وهذا لا يتحقق  إلا في ظل حد أدنى أيضاً من توافر مناخ صحي من البيئة الدولية والسلم العالمي، بعيداً عن المنازعات والحروب الإقليمية والدولية، في حين وجدنا الدول الرأسمالية العظمى، وبخاصة الولايات المتحدة لا تتوانى عن تعريض شعبها لمخاطر الوباء الفتاك وفق قوانين الرأسمالية، فالأثرياء هم وحدهم الذين يستطيعون التمتع بمستلزمات الوقاية من الوباء والتحصين ضده، وكذا العلاج والتعافي منه،  وبالتالي لا يهم هذه الأنظمة الرأسمالية وأقلياتها الثرية إذا ما ظل الوباء مستوطناً بلدانها لفترة طويلة من الزمن ومستهدفاً الغالبية الساحقة من الشعب، بل ولا تجد هذه الأنظمة حرجاً أو حياء في إطلاق الحرية غير المسؤولة لتلك القلة من الرأسماليين الكبار والشركات الاحتكارية في أنتاج الأدوية ومستلزمات  العلاج والوقاية وبالتالي التهافت على استثمار الوباء بالمتاجرة والتربح منه داخليا وخارجياً، كما يفعل عادةً تجار السوق السوداء في مواسم أزمات السلع الضرورية وأوقات الحروب بتخزينها ورفع أسعارها أضعافاً. وقد شاهدنا في الأزمة الراهنة كيف قاموا بمضاعفة أسعار العلاج وبخاصة في المستشفيات الخاصة، وكذلك مضاعفة لوازم وأدوات الاحترازات والوقائية، وانخرطوا في سباق محموم لتصنيع واحتكار اللقاحات وترويج الإعلانات إعلامياً بمزاياها وأفضلياتها على غيرها في الأسواق العالمية؛ وسعروها بأسعار فاحشة ليست تحت متناول عامة الشعب؛ بل ولا تتناسب مع قدرة الكثير من الدول النامية على شرائها من السوق العالمية، بينما الوباء يحصد مئات الألوف من المصابين به وعشرات الألوف يومياً من قتلاه. وهذا من شأنه أن يفضي -بلا ريب - إلى إطالة أمد الوباء ومضافة مخاطره في العصف بأرواح المزيد من أرواح الملايين من شعوب الدول الرأسمالية وشعوب العالم على السواء؛ مادام الوباء هو بطبيعته متنقلاً حيث تنقل أفراد الشعوب في مشارق الأرض ومغاربها غير منحصر مستقر في دولة بعينها، ومادامت أيضاً الدول الرأسمالية الكبرى؛ سيما الولايات المتحدة، تتحمل بالدرجة الأولى مسؤولية إعاقة فرص التعاون الدولي الرامية للقضاء على الوباء من على سطح المعمورة؛ ناهيك عن مسؤوليتها في زرع بؤر التوتر الدولية وإشعال الحروب وتغذية المنازعات الاقليمية وتهديد السلم العالمي، وكلها عوامل تفضي إلى تسميم المناخ الدولي وتغييب البيئة السياسية الصحية التي تسمح بتوافر حد أدنى من السلم العالمي والانفراج الدولي، فمثل  هذه البيئة بعناصرها المذكورة هي وحدها الكفيلة بتحقيق قدر معقول من التعاون الدولي المشترك؛ ولا سيما إذا ما تم تحت مظلة الأمم المتحدة دون تدخل  أو استحواذ من قِبل دولة عظمى أو أكثر لفرض هيمنتها على القرار الدولي بما يحقق مصالحها وحدها؛ وفي ظل هذه البيئة فقط يمكن إيجاد خطط مدروسة للقضاء على وباء كورونا وتخليص البشرية من شره وفي أقصر الآماد الممكنة .

 

 

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل