/
/
/
/

قبل يومين من الانتخابات الرئاسية الاميركية أجرت صحيفة " نيويوركر " حواراً مع المفكر اليساري نعوم تشومسكي بدا طوالها حانقاً بشدة على الرئيس الفاشل دونالد ترامب، واصفاً إياه " أسوأ مجرم في تاريخ البشرية " وأن الولايات المتحدة في عهده بعيدة كل البعد عن الديمقراطيات الغربية، ولم يتردد عن تأييد التصويت لمنافسه جو بايدن . في الواقع لم يكن هذا فقط موقف المفكر اليساري المعروف بانتقاداته للديمقراطيين والجمهوريين على السواء؛ بل انعقد اليسار بشتى تلاوينه داخل المؤسسة السياسية والمجتمع، وبضمنه اليسار الماركسي، على اتخاذ موقف مماثل بهدف حرمان ترامب من ولاية ثانية والتعجيل بإخراجه من البيت الأبيض لما يشكله وجوده فيه مع كل يوم جديد من كابوس يجثم على الشعب الاميركي وشعوب العالم جمعاء، بل وحتى حلفاء بلاده الذين لا يخفون امتعاضهم من سياساته الخرقاء سارع الكثير منهم بتهنئة خصمه الفائز بايدن فور إعلان النتيجة. ومع أن الخاسر ترامب يعد أفضل رئيس عبّر عن الرأسمالية المتوحشة في طورها المتجرد من كل قيم وأخلاق إنسانية، إلا أن الفائز بايدن يظل مديناً في فوزه للنظام السياسي الرأسمالي الذي اشتراه، وتحديداً قطاع رجال الأعمال والشركات المتضررة من سياسات ترامب الاقتصادية. وحينما يكون الرئيس الجديد مشترى فلا مجال للتعويل على استقلاليته إلا بشكل نسبي للغاية؛ إذ سيظل مرتهناً في إرادته لمصالح مشتريه بالدرجة الأولى، إن في السياسة الداخلية وإن في السياسة الخارجية. 

في عددها الصادر في أيار - حزيران 2000 نشرت مجلة "الثقافة الجديدة " العراقية ترجمة لحوار مع الكاتب الصحفي الاميركي تشارلز لويس كانت  مجلة Multinational Monitor الاميركية  نشرته في عددها الصادر في شهر مارس / آذار من عام تحت عنوان " شراء رئيس ". وقد أوضح الكاتب بجلاء كيف يقف كبار المليارديرية والشركات الكبرى خلف تمويل حملتي مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري مقابل ما تكسبه العديد من الجهات المتبرعة لمصالحها من المرشح الفائز، في حين يعجز المرشحون الشرفاء عن مضاهاتهما في التمويل لحملاتهم ويأنفون دخول مثل هذا الماراثون الانتخابي. وقُدّر ما لا يقل عن 30 مليار دولار بمعايير ذلك الزمان حجم ما تدفق على كلا المرشحين قبل عام من موعد الانتخابات، وهو حصيلة 250 حفلة لجمع التبرعات، علماً بأنه ازدادت حيل ووسائل التستر على حجم التبرعات خلال الأربع سنوات التي سبقت انتخابات عام 2000. وفي الوقت الذي شرع الحزب الجمهوري في الثمانينات للحصول على تبرعات " وول ستريت " وشركة " اتلنتيك روتشفيلد "، كان الديمقراطيون يتلقون تبرعاتهم من هوليوود ونجومها وشركة الاتصالات فيها؛ في حين كانت ثمة علاقات مالية حميمية تربط المرشح في ذلك الوقت آل جور بشركة " أوسيندنتال بتروليم " . أما جورج بوش الإبن فقد تمكن من جمع 40 مليون دولار خلال دورتين انتخابيتين بفضل تبرعات أضخم شركات النفط في ولاية تكساس. 

على أن وكالة الأنباء الفرنسية ( وفقاً لقصاصة نحتفظ بها ) قدرت حينئذ حجم تمويل بوش ب 176 مليون دولار ؛ بينما جمع آل جور 128 مليون دولار، كما قدر إجمالي ما انفق على مرشحي الرئاسة والكونجرس بما في ذلك الحملات المحلية بكلفة إجمالية ثلاثة بلايين دولار واُعتبرت حينها الأعلى في تاريخ الانتخابات الاميركية . 

فماذا عن وضع الحملات الانتخابية الأخيرة بعض مرور عقدين من تلك الانتخابات الآنفة الذكر؟ 

حسب تقرير لموقع " الخليج أونلاين " صدر قبل يوم من الانتخابات فإنه خلص إلى أن حجم تمويل الحملات الانتخابية الرئاسية فقط هو الأعلى في تاريخ الحملات الانتخابية مقدراً بعشرة مليارات دولار؛ بما يفوق الناتج القومي لدولتي تشاد وغينيا الاستوائية. وقد أنفق بايدن أكثر من 94 مليون دولار على الإعلانات التلفزيونية والاذاعية والرقمية في حين أنفق ترامب في هذا المجال 41 مليون دولار. 

الأهم من ذلك فإن التقرير يؤكد بأن الممولين غير الرسميين مثل جماعات الضغط وكبار رجال الأعمال الذين يعولون على قرارات الرئيس الفائز بما يخدم مصالحهم هم من يقفون وراء ضخ معظم تلك الأموال. وبذلك نرى التقرير يؤكد ما سبق أن خلصت إليه صحيفة Multinational Monitor  بأن الانفاق الإنتخابي في تاريخ الولايات المتحدة هو بمثابة مال سياسي ولا يعد نزيهاً ولطالما أفلح الحزبان ومرشحاه التلاعب والاحتيال على رقابته القانونية . وليس غياب تكافؤ الفرص والشفافية في المعركة الانتخابية هو ما يميز أعرق دولة رأسمالية ما فتئت تتشدق بديمقراطيتها المزيفة فحسب، بل أن نظامها الانتخابي المتقادم تعتوره العدالة الانتخابية من حيث مدى صدقية تمثيله السود والمرأة والشباب والأعراق والطبقة الوسطى والطبقة العاملة وسائر الطبقات الدُنيا.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل