/
/
/
/

نتيجة للإضطرابات التي طال أمدها، أصيبت السلطات العراقية بالشلل. وفي 25 تشرين الأول 2020، خرجت مظاهرات حاشدة في بغداد والبصرة وبعض المدن الأخرى في البلاد لإحياء ذكرى إنطلاق احتجاجات 2019. وفي عام من الاشتباكات، قتل مئات العراقيين وجرح عشرات الآلاف. كانت نتيجة ذلك سقوط الحكومة وشلل السلطات.

وليس بدون ضحايا هذه المرة أيضاً، أصيب في بغداد وحدها 33 متظاهراً على الأقل في اشتباكات مع قوات الأمن، وأصيب 11 من أفراد قوات الأمن. وبحسب المحتجين، كانت المسيرة سلمية حتى ظهرت الشرطة وحاولت تفريق الحشد باستخدام معدات خاصة. وفي الوقت نفسه، أكد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إن: "واجب الأجهزة الأمنية هو حماية المتظاهرين".

يخشى رئيس الحكومة من أن يصل نطاق الاحتجاجات إلى مستوى العام الماضي ثم ينفجر كل شيء. ولكن على الرغم من كل وعود السلطات، لا يوجد أي تغيير نحو الأفضل في حياة المواطنين. ولم يعد الناس مقتنعين بالحجج القائلة بأن جميع الموارد كانت موجهة سابقاً للقتال ضد "الدولة الإسلامية"، لكنهم الآن سيحاربون "الوباء". وكتب على إحدى الملصقات التي حملها الأطباء في المظاهرة: "ليس فيروس كورونا هو الذي يحتاج إلى العلاج ، ولكن الدولة!"

إن الدولة العراقية التي تمتلك موارد هيدروكربونية ضخمة، مجبرة الآن على التسول. وإنتهت سلسلة من مؤتمرات الدول المانحة (حول العراق) بلا جدوى. في آخرها ، ففي شباط عام 2018 ، بلغ إجمالي المساعدات الموعودة أكثر بقليل من 5 مليارات دولار فقط ، إضافة إلى تقديم قروض تستهدف تقديم للمساعدات الإنسانية لملايين الأطفال اللاجئين وإعادة بناء المدارس والمستشفيات. في حين أن استعادة البنية التحتية الأساسية المدمرة وحدها تتطلب ما لا يقل عن 88 مليار دولار.

اقتصرت مساعدات أغنى الملكيات العربية على بروتوكولات النوايا، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن "وحدة الأمة العربية" مجرد أسطورة، وأن السياسة كلها اختزلت إلى مبدأ "إن من يسقط، عليه أن يدفع ". وقدمت عشرة دول فقط 90٪ من مساعدات إعادة إعمار العراق، وتشمل المراكز العشرة الأولى دول الاتحاد الأوروبي (ثم المملكة المتحدة) وتركيا واليابان.

أظهرت المحادثات الأخيرة في واشنطن، إن بغداد قد لا تراهن على المساعدات الأمريكية أيضاً. فقد إنسحب العراق بشكل عام من أولويات جدول السياسة الأمريكية، على الأقل لحين وضوح نتائج الانتخابات الرئاسية في أمريكا. وعكست تهديدات واشنطن بإغلاق السفارة في بغداد مدى التبعية التي تتحلى بها السلطات العراقية. فعلى سبيل المثال ، قال وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين: "إن إغلاق السفارة الأمريكية سيرسل إشارات خاطئة إلى كل من المتطرفين الذين يتصورون أنهم حققوا انتصاراً وهمياً، وإلى الشعب العراقي ، الذي سيساوره الإعتقاد بأنه معزول عن العالم. وهذا لن يساعد العراق، ونحن نحث الإدارة في واشنطن على إعادة النظر في قرارها". وحث الوزير العراقي على عدم المقارنة بين بغداد وبنغازي الليبية، حيث تم اقتحام القنصلية الأمريكية في عام 2012 وقتل أربعة أمريكيين ومن بينهم السفير الأمريكي. وشكى الوزير العراقي من أن الحكومة العراقية أدت اليمين قبل أربعة أشهر فقط وتبذل جهودا لتحسين الوضع.

وتظاهر وزير الخارجية إم بومبيو بأنه قد شرع بالتحرك: "نحن سعداء لأن العراق يبذل المزيد من الجهود لتوفير مزيد من الأمن لموظفينا في البلاد، وستواصل الولايات المتحدة بذل كل ما في وسعها لزيادة دعم سيادة العراق وحريته. هناك عدد من الجماعات المسلحة غير الشرعية التي تعمل الآن هناك، والتي وعدت الآن  بعدم مهاجمة الدبلوماسيين الأمريكيين الذين يعملون في البلاد والموجودين هناك من أجل مساعدة الشعب العراقي على بناء عراق مستقل وحر وذو سيادة ". ولكن لم يتغير أي شيء: ففي ليلة 5 تشرين الأول، تعرضت قاعدة أمريكية قرب مطار بغداد الدولي لقصف بالصواريخ (لم تقع إصابات)؛ وفي اليوم التالي ، تم إطلاق صواروخين من طراز  NURعلى السفارة الأمريكية ، لكنهما سقطا على الجانب الآخر من فندق بابل عبر النهر، وتسبب في أضرار مادية خطيرة. وبعد ذلك، أثناء تفتيش إحدى السيارات في بغداد، صادرت قوات الأمن ذخيرة بلغت أكثر من 24000 طلقة رشاش.

لقد قدم رئيس ليتوانيا الشجاع، جيتاناس نوسيدا، مشروع قانون إلى البرلمان الليتواني لزيادة عدد القوات الليتوانية في العراق من 11 إلى 50 عسكري كجزء من عملية العزم لحلف الناتو!!. وفي الفترة من 19 إلى 23 تشرين الأول، قام رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي على رأس الوفد بزيارة فرنسا وبرلين ولندن. وكان الهدف الرئيسي من الرحلة هو "التغلب على الأزمة الاقتصادية"، أي أن رئيس الحكومة طلب المال. وهكذا أصبح مصير العراق الغني يعتمد الآن على هذا.

وفي باريس ، وقع رئيس الوزراء العراقي ثلاث مذكرات نوايا: مشروع سكة ​​حديد في بغداد، وتعزيز قدرة وزارة الزراعة العراقية، وتوسيع قبول الطلاب العراقيين في الجامعات الفرنسية. وبعد المحادثات اقتصر ماكرون على تغريدة قال فيها: "فرنسا ما زالت ملتزمة بالعراق في محاربة الإرهاب واحترام سيادته".

ولم تكن المستشارة أنجيلا ميركل أكثر تفصيلاً. ففي مؤتمر صحفي مشترك، وعدت بمواصلة "دعم العراق في جهوده لضمان الاستقرار والأمن والنمو الاقتصادي". وفي الوقت نفسه، امتنع فراو بندسكانزليرن بلهجة دبلوماسية عن ذكر العقد المبرم مع شركة Siemens بقيمة 12 مليار دولار، والذي فسخه الجانب العراقي تحت ضغط أمريكي. فكلا الطرفين لا يتحدثون عن هذا بصوت عالٍ.

ولعل أكثر الأمور الواعدة هو لقاء مصطفى الكاظم في 22 تشرين الأول في لندن مع بوريس جونسون. وأشار وزير النفط العراقي إحسان عبد الجبار، إنهما بحثا الاستثمار في إنتاج البتروكيماويات ومصادر الطاقة البديلة وإنتاج الغاز البترولي الحر والمرافق. وتعتزم شركة بريتيش بتروليوم توسيع منطقة عملياتها في حقل الرميلة في محافظة البصرة، وكذلك تسريع تنفيذ مشاريع استثمارية لإنتاج الغاز المصاحب.

في الحقيقة إن بغداد تعلق آمالها على حقول النفط والغاز وهو أمر منطقي - فلا يوجد شيء آخر يمكن الاعتماد عليه. ويحاول الجانب العراقي استقطاب استثمارات من شركات "إكسون موبيل" الأمريكية وإيني الإيطالية وجازبروم، وتتواصل المشاورات مع شركة "توتال الفرنسية". وفي محاولة للاستفادة المثلى من الإمكانات القائمة، ألغى العراق عقداً لتطوير حقل غاز المنصورية الكبير (حوالي 130 مليار متر مكعب) في محافظة ديالى، ويستعد لطرح هذه القطعة في مزاد مرخص جديد. لقد تم إصدار أول ترخيص في عام 2010، وبعد عام تم توقيع عقد مع كونسورتيوم من شركة TPAO التركية و Kuwait Energy و Kogas الكورية. وكان من المقرر بدء إنتاج الغاز في عام 2015 ، لكن العمل لم يتعدى دراسة ما قبل الجدوى بسبب انعدام الأمن. وكانت وزارة النفط قد دعت بالفعل عدداً من الشركات العالمية، بما في ذلك شركة غازبروم نفت ، للمشاركة في مناقصة جديدة لإنشاء كونسورتيوم يمتلك العراق 51٪ فيه، و 49٪ لشركة أجنبية ستقدم أفضل الحلول التقنية لاستغلال وتطوير الحقل، مع مستوى إنتاج تصميمي يبلغ 3 مليارات متر مكعب / سنة.

ولم يمر هذا دون أن يلاحظه أحد في تركيا. وفي 14 تشرين الأول، أرسل أردوغان دعوة خطية إلى رئيس الوزراء العراقي لزيارة أنقرة. يشار إلى أنه في اليوم نفسه، بحث وزير الاقتصاد والمالية في كردستان العراق آفات شيخ جناب مع القنصل العام التركي في أربيل إمكانية المزيد من الاستثمارات في منطقة الحكم الذاتي الكردي. وإقترن ذلك بزيارة محددة سلفاً لوزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس إلى أربيل في مثل هذا اليوم، وقامت السلطات الكردية بإلغائها في آخر لحظة "لأسباب فنية". حسنًا ، لا يفوت أردوغان الفرصة لإظهار وجوده، فقد كان الوزير اليوناني بالفعل يحلق في الأجواء اليونانية عندما ألغت السلطات التركية الإذن لطائرته بالتحليق عبر أجوائها . واستمرت الرحلة فقط بعد أن كان هناك خطر نقص الوقود ، ووصل الوفد إلى المطار العسكري اليوناني في إلفسينا بالقرب من أثينا مع تأخير كبير.

وفي نهاية تشرين الأول ، زار بغداد وفد روسي برئاسة المبعوث الخاص للرئيس حول التسوية السورية أ. لافرينتيف. وكان في استقباله رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي. ووتم في المحادثات مناقشة"العلاقات الثنائية، وتعزيز التعاون المشترك على مختلف المستويات، إضافة إلى سبل التعاون لتحقيق الاستقرار في المنطقة". واستناداً إلى السجل الحافل لرئيس الوفد ورئيس المركز الوطني لإدارة الدفاع في الاتحاد الروسي، العقيد م. ميزينتسيف، الذي كان في عداد الوفد، يمكن الافتراض بأن موسكو بدأت في تقييم تصرفات تركيا بطريقة جديدة. خاصة في ظل الأحداث في سوريا وليبيا وناغورنو قره باغ. ولا يقتصر الأمر على التقييم فحسب، بل على العمل أيضاً. حسنًا إذا كان الأمر كذلك.

وتفيد التقارير بأن بكين أكدت عزمها على تخصيص 5 مليارات دولار لبناء حي صغير جديد في عاصمة الحكم الذاتي الكردي (والتي ، كما يؤكد المتنبئون ، أنها لن تعلن لا اليوم ولا غداً استقلالها عن العراق). وبالإضافة إلى القطاع السكني، يخطط الصينيون لبناء مراكز أعمال حديثة ومراكز تسوق ومدن رياضية في كردستان العراق. وقد تم بالفعل تخصيص قطعة أرض وبدأت أعمال شق طرق للوصول. عند الانتهاء من المشروع ، سيتم توفير أكثر من 8000 فرصة عمل للسكان المحليين.

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل