/
/
/
/

طرحت انتفاضة 17 تشرين على الحركة الثورية في لبنان سلسلة من التحديات على مستويات مختلفة، وبشكل خاص على المستويين السياسيّ والنظريّ. وهذان المستويان مترابطان أشد الترابط، ويؤثران في أحدهما الآخر بشكل متبادل، مع ذلك، فإن المستوى النظري يشكل أساساً للممارسة السياسية بالنسبة إلى الحزب الثوري (الماركسي-اللينيني على أقل تقدير)، ومدخلاً لمقاربة كل المسائل السياسية والتكتيكية وفي مجال النضال العملي، بدءاً من برنامج الحزب ومواقفه السياسية وخطابه (شعاراته وبياناته وتقاريره السياسية)، وصولاً إلى تحالفاته وتحركاته وأساليب نضاله. ويبدو أنه، بعد مرور عام على تلك الانتفاضة، ما تزال جملة من الإشكاليات النظرية – وبالتالي القضايا السياسية – غير محلولة، أو الأصح، تتم مقاربتها بشكل خاطئ. الأمر الذي يستوجب معالجته سريعاً، عبر فتح باب النقاش واسعاً وإعداد ورش فكرية حول تقييم العملية الثورية ومراحلها المختلفة. وفي هذا الصدد، يستعرض هذا المقال أولى الإشكاليات النظرية في مقاربة “17 تشرين”، منطلقاً ممّا هو أساسي منها، وعنينا به مسألة ماهية “17 تشرين”.

تباين في التفسير

اختلفت القوى الثورية، كل من موقعه، في مسألة ماهية “17 تشرين”، أهي انتفاضة أم ثورة؟ بينما أطلق عليها البعض أسماء أخرى، مثل العامية والحراك والإصلاح وسوى ذلك من المسميات. أما أحزاب وقوى “النظام” فقد انقسمت مواقفها إلى قسمين كبيرين (رغم الاختلافات والتباينات في داخل هذين القسمين): حيث آل بعضها إلى تعظيم شأن “17 تشرين”، وذلك لغايات خاصة متمثلة في تعزيز مواقعها في السلطة على أساس إعادة تشكيل التوازنات القائمة، فهي بهذا المعنى الضيق تعتبر أنها “ثورتها”؛ بينما آثر البعض الآخر التقليل من شأنها، لاعتبارات الحفاظ على النظام وعلى مواقعه في داخل السلطة، فكاد بذلك أن يعاملها بمثابة “الفتنة” الواجب درؤها.

مقاربة القوى الثورية

وإذ لا يعنينا هنا مواقف التحالف الطبقي المسيطر من “17 تشرين”، علينا أن نتوقف قليلاً أمام مراجعة مقاربة القوى الثورية لماهية “17 تشرين” والتي يتوقف عليها موضوع تعاطيها السياسي معها والأداء الممارسي والنضالي الذي اعتمدته تجاهها. ونتساءل، في هذا السياق، ما هي المعايير الواجب اعتمادها لتصنيف ما جرى، إن في خانة الثورة أم الانتفاضة؟ فقد اعتبر البعض (ومنهم من استند في رأيه إلى نصوص لينين) أنّ الانتفاضة تصبح ثورة فقط حينما تنتصر وتحقّق أهدافها، وهي تبقى انتفاضة إن فشلت أو طالما أنها لم تحقق غاياتها. وهذا الكلام مردود عليه بحجة أن العديد من الثورات العظيمة في التاريخ قد فشلت في بلوغ أهدافها التغييرية بشكل مباشر وتم قمعها بعنف شديد (مثال ثورة 1848 في معظم دول أوروبا أو ما سمي آنذاك بـ “ربيع الشعوب”)، أو أنها بلغت بعض أهدافها الجزئية التي سرعان ما انتزعتها الثورة المضادة فور انتصار هذه الأخيرة (مثال ثورة 1905 - 1907 في روسيا التي لم تبلغ هدفها إلا بعد ثورة أخرى في شباط 1917).
بينما اعتمد البعض معايير أخرى لتصنيف “17 تشرين” في موضع “الانتفاضةبدلا من “الثورة”، إن بسبب عفويتها أو بسبب غياب قيادة سياسية لها. فإن صح ذلك، هل يعني أن الثورة الفرنسية العظمى في العام 1789 ليست بثورة لأنها انفجرت بشكل عفوي وانعدمت القيادة السياسية الواضحة والصريحة فيها؟ الواقع أن معظم الثورات في العالم – الناجحة منها والمقموعة – قد انطلقت بشكل عفوي، أقله في بادئ الأمر. في المقابل، فإن القوى السياسية التي اعتمدت نظريات افتعال الثورات و”المؤامرات” الثورية قد آل معظمها إلى الفشل، ومن أشهرها “مؤامرة الأنداد” التي حاول تنظيمها غراكوس بابوف في فرنسا عام 1796، ومخططات لويس-أوغوست بلانكي المتعددة في فرنسا أيضاً، والتكتيكات الإرهابية المعروفة بـ “الدعاية بالأفعال” التي تبناها الفوضويون إضافة إلى الشعبيين” الروس وسواهم. إذن، لا ضير في كون “17 تشرين” قد انطلقت بشكل عفوي، ولا يقلل ذلك من طبيعتها الثورية. أما بخصوص فقدان القيادة السياسية لهذه الثورة حتى بعد مرور عام كامل على انطلاقتها، فإن ذلك يؤشر إلى نقص في نضوج العامل الذاتي للثورة. وقد يشكل توّفر القيادة السياسية أحد شروط تنظيم الثورة بشكل أرقى، بل أحد العوامل الحاسمة لانتصارها في آخر المطاف، لكنه في أي حال من الأحوال لا يشكل شرطاً لتأكيد أو نفي ماهيتها الثورية. يكاد يكون الطابع العفوي وغياب القيادة السياسية الثورية في “17 تشرين” (بل في ثورات “الربيع العربي” عموما منذ نهاية 2010) من الظواهر التي تدلّل على أنّ درجة تطور بنيتنا الاجتماعية وديناميكية العملية الثورية فيها تكاد لا تتجاوز بعيدا المعاني التاريخية للثورة الفرنسية الكبرى في أبعادها الاجتماعية الأكثر عمومية.

تشخيص لينين

إذن، ما هو المعيار الذي يحدّد حركة اجتماعية على أنها ثورة؟ كتب لينين مقالا بعد مضي أيام معدودة على ثورة 22 كانون الثاني 1905 في روسيا، استخدم في متنه عبارات متنوعة لأساليب النضال المعتمدة في معرض وصفه للأحداث الجارية هناك التي سماها “حوادث تاريخية عظمى” (نذكر منها: “الانتفاض، المظاهرات الواسعة”، “الحرب الأهلية”، “الإضراب العام”، “اصطدام مسلح، عصيان”). ولم يستخدم لينين كلمة “ثورة” إلا عندما بلغ في سرده لحظة التحول في الحركة الاجتماعية من عملية التظاهر السلمي للعمال الرافعين للقيصر عريضة بمطالبهم والراجين منه انصافهم، إلى لحظة رفع العمال فيها شعار إسقاط الحكومة على الفور”. وكان لينين قد افتتح إحدى مقالاته بالجملة المفتاحية التالية: “انّ القضية الجذرية في كل ثورة إنما هي قضية سلطة الدولة”، واستطرد بعدها موضحاً: “وما دامت هذه القضية لم توضح فليس هناك مجال للكلام عن أي اشتراك واعٍ في الثورة، ناهيك عن قيادتها”**.
وعندنا في لبنان، رفعت الجماهير شعار “إسقاط النظام” و”كلن يعني كلن” (8 و14)، كما أطلق الحزب الشيوعي اللبناني مبادرته في اليوم الرابع على بدء انتفاضة 17 تشرين، طارحا فيها “إعادة تكوين النظام السياسي في لبنان” من خلال إجراءات فورية، من بينها استقالة الحكومة وتشكيل حكومة وطنية انتقالية من خارج منظومة الحكم الحالية. وقد حدّد الحزب، في إطار تعداد مهمات هذه الحكومة الجديدة، مهمات ذات طابع تنفيذي وأخرى ذات طابع تشريعي (مثل إجراء انتخابات نيابية مبكرة على أساس قانون انتخاب خارج القيد الطائفي على أساس النسبية ولبنان دائرة واحدة، إلخ.)، الأمر الذي عنى تركيز السلطتين التنفيذية والتشريعية في يد الحكومة الثورية المؤقتة. فإن لم تكن هذه الإجراءات بمكانة المطالب الثورية (حتى وإن شابها بعض الأوهام الدستورية، مثل التمسك بالمادة 22 منه)، فماذا عساها تكون؟ والملفت للانتباه في واقع الأمر، أن مضمون “مبادرة” الحزب المبكرة هذه، قد انتشر في أوساط الحركة الثورية وبين أغلب مكوناتها، وحددت سقفاً سياسياً لبرنامج الثورة العملي وهدفاً مرحلياً لها.
في واقع الأمر، كانت بوادر أزمة النموذج الاقتصادي المعتمد في لبنانالمغرق في ليبراليته – قد بدأت في الظهور قبل تاريخ 17 تشرين 2019. وكانت بعض فئات التجار، كأصحاب محطات الوقود والأفران والمستشفيات الخاصة، قد باشرت بالإضرابات أو لوحت بالإقفال، بنتيجة انخفاض سعر صرف العملة الوطنية وشح الدولار، وتحت تأثير انخفاض التصنيف الإئتماني العالمي للبنان، وتفاقم المديونية العامة للدولة بشكل خطير غير قابل على الاستدامة. ومهما كان السبب وراء انتفاضة 17 تشرين، أكان تدهور القيمة الشرائية للأجور والدخول بالعملة الوطنية، أو قرار وزير الاتصالات بوضع ضريبة غير مشروعة على خدمة الواتس آب، أم أنها الممارسة الهمجية لمرافقي أحد الوزراء السابقين الذين أطلقوا النار على المتظاهرين في الشارع، فإن النتيجة واحدة. ومنذ ذلك اليوم، انتفضت الجماهير وانتشرت المظاهرات في مختلف الساحات في جميع أرجاء الوطن، وسجلت أعداد المتظاهرين رقما قياسيا غير مسبوق في تاريخ لبنان (أي أن الأعداد تجاوزت كل من تظاهرتي 8 آذار و14 آذار ٢٠٠٥). وقد أدّت هذه الانتفاضة الأولى إلى إسقاط حكومة “الوحدة الوطنية”. فتتالت الانتفاضات ضمن سيرورة ثورة 17 تشرين رغم الانقطاعات في ما بينها، واختلفت أشكالها وأساليب نضالها، وكان آخرها انتفاضة 8 آب (في أعقاب انفجار مرفأ بيروت) التي اتخذت طابعا أكثر مركزيةً وأشد عنفاً، فأدّت، من بين عوامل أخرى، إلى تقديم رئيس الوزراء استقالة حكومته للمرة الثانية في زمن هذه الثورة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
كاتب لبناني
**
راجع مقال لينين تحت عنوان “بداية الثورة في روسيا”، المنشور في جريدة فبريود” العدد 4، في 31 كانون الثاني 1905 (كتبه لينين في 25 كانون الثاني 1905).
مجلة “النداء” – 25 تشرين الأول 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل