/
/
/
/

بعد الحرب العالمية الثانية، ومع ظهور نظام عالمي جديد، حاولت كل من القوى الكبرى ترسيخ موقعها داخل التوازن العالمي الجديد لمحاولة قلب الميزان لصالحها، سواء سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً... إلخ.
وإذ شهد العمالقة الإمبرياليون تقلص هيمنتهم العالمية، والذي تمثّل بانهيار نظام الاستعمار التقليدي وتحرر عدد كبير من بلدان «العالم الثالث»، وكذلك بتوسع نفوذ القوى الناشئة (الاتحاد السوفياتي وحركة التحرر)، فقد لجأوا إلى تطوير أدوات إمبريالية جديدة وأدوات استعمارية “أكثر نعومة”، وهو ما بات يعرف لاحقاً بالاستعمار الجديد/الاقتصادي.

مراجعة تاريخية موجزة جداً

كان من المهم للولايات المتحدة أن تبقي الغالبية العظمى من سكانها مشتتين عن جميع أفعالها في جميع أنحاء العالم، بل وأن تدفعهم لدعم نشاطها ذاك. بهذه الطريقة، وكما كان واضحاً خلال الحرب العالمية الثانية، سيكون الناس أقل قابلية على طرح الأسئلة الكبرى في شتى مناحي حياتهم. وبالتالي، فإن وجود الولايات المتحدة دائماً “في حالة حرب” سيكون أمراً مثالياً، ولكن دون وجود معارك فعلية، فإن هذا يعني دائماً وجود “عدو” يستهدف أمريكا والأمريكيين ويتربص بهم، مما يعني دائماً أن “الحرب” قائمة مع هذا “العدو”، وإنْ لم تكن واضحة دائماً... يذكرنا هذا بقول إنجلز إن “الحرب هي الرئة الحديدية التي تتنفس منها الرأسمالية”.
بعد فترة وجيزة من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى أوائل التسعينيات، كان العدو الرئيسي هو الشيوعية. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، لم يعد من الممكن استخدام العداء للشيوعية كذريعة.
في عام 2001، ظهر “عدو” جديد – الإرهاب، ومعه عادت واشنطن للتنفس عبر “الحرب على الإرهاب” لتعبئة الأمريكيين والسماح لهم بقبول الإجراءات واللوائح والتشريعات التي لن تُقبل دون وجود حرب. أصبحت هذه ذريعة جديدة تبرر بموجبها الولايات المتحدة زيادة التجسس والتنمر على مواطنيها وانتهاك حقوقهم الأساسية، فضلاً عن سياستها الخارجية العدوانية، والتي برز فيها الجانب العسكري بشكل سافر.

ما الذي تسبب في ظهور «رهاب الشيوعية» الجديد؟

العوامل التي ساهمت في إحياء “العدو” القديم متشابكة ومعقدة ولها أبعاد وجوانب متعددة يغذي بعضها البعض. سنعرض هنا أبرزها، والتي يجب فهمها على أنها عناوين رئيسية، يمكن دراسة كل منها بمزيد من التفصيل.

على المستوى الدولي

أصبح الآن حقيقة تتحرك في اتجاه لا رجوع فيه، ميزان القوى الدولي الجديد ما بعد الأحادية القطبية الأمريكية، والذي لم تعد تحتكر فيه الولايات المتحدة السيطرة في أي جانب من الجوانب، سواء سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً. وهذا يعني بالضرورة دوراً أقل للولايات المتحدة (والغرب بشكل عام) على المسرح العالمي، ومساحة متزايدة للشرق - خاصة روسيا والصين.
هناك أيضاً عزلة متزايدة للولايات المتحدة على المستوى الدولي، والتي أصبحت أكثر وضوحاً في جوانب مختلفة.

على المستويات الإقليمية

إذا أخذنا ما يحدث في منطقتنا كمثال، (وهو ما يجري فعلاً بأشكال مختلفة في أقاليم مختلفة من العالم) فيمكننا أن نجد عدة ملفات سمتها الأساسية هي الدور المتضائل للولايات المتحدة (والغرب) لصالح الشرق الذي تمثله روسيا والصين بشكل أساسي.

محلياً داخل الولايات المتحدة نفسها

إلى جانب كل شيء يحدث في الخارج، وسلسلة الخسائر والهزائم التي بدأت تتراكم، هناك عدد كبير من الأمور المقلقة التي تحدث داخل الولايات المتحدة. على الأقل خلال العقد الماضي، ازداد الحديث عن الاشتراكية وحتى المطالبة بالمزيد من الممارسات الاشتراكية في الولايات المتحدة، بغض النظر عن مدى اشتراكية تلك “الاشتراكية” التي يتحدثون عنها. تم تجاهل هذه الدعوات بشكل عام، ولكن بدأت الأمور تأخذ منعطفاً “مقلقاً” في الولايات المتحدة خلال أزمة فيروس كورونا هذا العام.

مظاهر «رهاب الشيوعية» الجديد

كل ما سبق ساهم في رفع مستوى الإنذار لدى الولايات المتحدة بشأن فقدانها لمكانتها في النظام الدولي، ولزيادة الطين بلة، فتلك الخسارة جاءت لصالح روسيا والصين، النظامان الشيوعيان السابقان. اقترن ذلك بحقيقة أن الأصوات كانت ترتفع أعلى فأعلى بانتقاد الرأسمالية داخلياً والمطالبة بسياسات ومؤسسات أكثر “اشتراكية”، جنباً إلى جنب مع صعود واضح للحركات الشعبية في جميع أنحاء العالم، مما يشير على الأقل إلى بيئة مناسبة لانهيار للرأسمالية. تجلى «رهاب الشيوعية» الجديد هذا في الولايات المتحدة من خلال العديد من الإجراءات والتصريحات:
تنص استراتيجية الدفاع الوطني للولايات المتحدة الأمريكية لعام 2018 على ما يلي: إننا نواجه اضطراباً عالمياً متزايداً يتميز بانحدار النظام الدولي القائم على القواعد منذ فترة طويلة - مما يخلق بيئة أمنية أكثر تعقيداً وتقلباً من أي شيء شهدناه في الذاكرة الحديثة. المنافسة الاستراتيجية بين الدول، وليس الإرهاب، هي الآن الشغل الشاغل للأمن القومي للولايات المتحدة... المنافسات الاستراتيجية طويلة الأمد مع الصين وروسيا هي الأولويات الرئيسية لوزارة الدفاع.
كان كبار المسؤولين الأمريكيين يهاجمون الصين في كل فرصة ممكنة، وهو أمر مفهوم مع صعود الصين اقتصادياً وفي مجالات أخرى، معظمها إن لم يكن كلها على حساب الولايات المتحدة والغرب بشكل عام. زادت هذه الهجمات بشكل حاد مع جائحة فيروس كورونا.
على مدى الأشهر القليلة الماضية، مع تزايد حدة الحملات الانتخابية الأمريكية، كان اتهام ترامب الرئيسي للديمقراطيين ومرشحيهم أنهم يريدون تحويل الولايات المتحدة إلى دولة اشتراكية، وهو ما رفضه الآخرون، بما في ذلك بايدن.
أكثر تجليات هذا “العدو” الجديد إثارة للفضول هو إحياء القوانين المتعلقة بالارتباط بالحزب الشيوعي، وهو الأمر الذي نناقشه أدناه. في حين أن هذه التشريعات لم يتم إزالتها من القانون، إلا أنها كانت نائمة إلى حد ما لعقود. ومع ذلك، فقد عادت إلى الظهور مؤخراً.

الجانب “القانوني

الآن بعد أن عملت الولايات المتحدة على إنشاء أو إحياء هذا “العدو” القديم الجديد، فإنها ستخلق أو تعيد إحياء الأسلحة التي ستستخدمها لمكافحته، والهدف الأكثر أهمية هو ضمان عدم وجود فرصة داخلياً لأي حركة يمكن أن تتبنى الشيوعية أو حتى المثل العليا الاشتراكية.
حدث هذا في الماضي، في الأربعينيات، عندما كانت هناك حركة اشتراكية قوية تكتسب زخماً بين الأمريكيين، خاصة بعد الكساد الكبير، والذي كان له التأثير نفسه (وربما أقل) على الأمريكيين الذي نراه اليوم نتيجة لأزمة COVID-19، والذين خاب أملهم في الرأسمالية ومُثلها.
بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت إدارة ترومان حملة واسعة النطاق ضد الشيوعيين، وطردت المسؤولين الذين لديهم ميول يسارية أو روجوا لسياسات يسارية، وتضمنت القائمة السوداء أي شخص (لا سيما الممثلين والكتاب وغيرهم ممن قد يكونون في مناصب مؤثرة) قد يكون شيوعياً أو على اتصال بالشيوعيين، وطرد القادة العماليون المتعاطفون مع الشيوعية. عُرفت هذه الفترة باسم «الرعب الأحمر الثاني» the Second Red Scare واتخذت ممارساتها اسم “المكارثية” McCarthyism نسبة إلى السناتور جوزيف مكارثي الذي ترأس التحقيقات المتعلقة بالأنشطة الشيوعية في الولايات المتحدة.
وتجدر الإشارة إلى أن العديد من القوانين في الولايات المتحدة، حتى لو أصبحت قديمة ونادراً ما يتم تطبيقها أو لم يتم تطبيقها، غالباً ما تظل سارية المفعول. نادراً ما طُبق جزء هذا القانون، الذي استخدم الانتماء إلى حزب شيوعي كأساس لمنع الأجانب من دخول الولايات المتحدة والتجنس منذ السبعينيات، واستناداً إلى مصادرنا، ربما تم تجاهله كلياً منذ منتصف التسعينيات. ومع ذلك، من الغريب أنه على الرغم من عدم تغيير أي شيء في القانون نفسه، فقد أصدرت دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية في 2 تشرين الأول الحالي 2020 توجيهاً سياسياً بشأن “عدم قبول (الدخول إلى الولايات المتحدة) على أساس العضوية في الحزب الشيوعي أو الانتماء إليه”.
في حين أن هذا يستهدف بشكل أساسي المواطنين غير الأمريكيين الذين يسعون إلى الدخول إلى الولايات المتحدة، فإن الهدف الرئيسي لمثل هذه السياسة هم الأمريكيون أنفسهم. أحد أهداف ذلك هو إبعاد أولئك الذين قد يعملون على «تخريب النظام والقيم الأمريكية» من الداخل. لكن الأهم من ذلك، أن هذا بطريقة ما هو اعتراف بوجود بيئة خصبة وجاهزة داخل الولايات المتحدة لنوع التغيير الذي تقترحه الشيوعية. أي أن الشيوعية هي بديل قوي للغاية يمكنه أن يكتسب الزخم في الولايات المتحدة اليوم، ويجب إيقاف ذلك بكل صرامة من وجهة نظر النخبة الأمريكية.
إذن، هل يمكننا أن نكون على أعتاب “ذعر أحمر” آخر وعهد مكارثي آخر في الولايات المتحدة؟ تشير جميع المؤشرات إلى أن الإجابة هي “نعم، بالتأكيد”.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*
كاتبة صحفية سورية
صحيفة “قاسيون” السورية – 16 تشرين الأول 2020
(
مقتطفات)**

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل