/
/
/
/

مرت سنتان على أزمة المياه الكارثية وما تبعها من تفشي التسمم في البصرة، العراق. في تقرير لـمنظمة (مراقبة حقوق الانسان) "هيومن رايتس ووتش" في العام 2019 بعنوان "البصرة عطشى: فشل العراق في إدارة أزمة المياه"، كانت هناك توقعات بعواقب وخيمة إذا لم تعمل الحكومتان المحلية والاتحادية معاً لمعالجة الأزمة. وشملت هذه التنبؤات تفشي الأمراض التي تنقلها المياه والصعوبات الاقتصادية الكبرى، التي أصبحت، ويا للأسف، حقيقة واقعية في جنوب العراق اليوم. ففي شهر تموز/يوليو العام 2019، على سبيل المثال، أدلت المنظمة الدولية للهجرة في العراق بـأن 21,314 نازحاً داخلياً من المحافظات الجنوبية والوسطى، انتقلوا إلى مواقعهم بسبب محدودية إمدادات المياه المتعلقة بارتفاع نسبة الملوحة و/أو تفشي الأمراض المنقولة بالمياه في المناطق الحضرية والريفية. وفيما يتعلق بالصعوبات الاقتصادية في العام 2020، اكتشف الباحثون أن الناس يُجبرون على مغادرة أماكن سكنهم لأن إمدادات المياه غير الصالحة تجعل الأسر غير قادرة على إعالة نفسها مالياً عن طريق الزراعة. على الرغم من إعلان وزارة البلديات والإسكان والأشغال العامة عن خطط في نيسان (أبريل) العام 2019 لبناء محطة لتحلية مياه البحر في جنوب البصرة، فقد حدث تأخير في الحصول على قرض بريطاني بقيمة 10 مليارات جنيه إسترليني (13 مليار دولار أمريكي) للمضي قدماً في البناء. ومن المتوقع أن تكون محطة تحلية مياه البحر هذه أكبر من محطة طاويلة لتحلية المياه في أبوظبي التي هي قيد البناء بطاقة 900,000 م3/يوم، ولها أهمية جيوستراتيجية لجنوب العراق. وتعتبر هذه الخطط ضرورية لحماية متطلبات المياه إذا استنزفت الدول (المتشاطئة) المجاورة للعراق (تركيا وإيران وسوريا) المياه من نهري دجلة والفرات، متجاهلة احتياجات العراق للمياه في اتجاه المصب. وإلى أن يكتمل هذا المشروع، ستظل أزمة المياه في الجنوب وخيمة، لا سيما إذا ما نظرنا إلى النقص الحالي والمستمر في المياه، الذي يعزى بشكل رئيسي إلى بناءات السدود ومحطات توليد الطاقة الكهرومائية على نهري دجلة والفرات في تركيا. وإذا لم يتم الاتفاق على نوع من التسوية التفاوضية بين تركيا والعراق بشأن حصص كل منهما من المياه، فإن وزارة الموارد المائية العراقية تقدر أن العراق سيواجه نقصاً في المياه قدره 10.5 مليار متر مكعب  (سنويا؟) بحلول العام 2035، نتيجة لأعمال البناء التركية وتغير المناخ. ومع ذلك، تتجاهل تركيا حتى الآن البروتوكولات والمعاهدات الموقعة مع العراق بشأن مياه نهري دجلة والفرات، ولا يملك العراق نقطة قوة تفاوضية تذكر. فعلى سبيل المثال، لا يمكنه استخدام الضغوطات التجارية، لأن العراق يعتمد اعتماداً كبيراً على السلع المستوردة، ولا سيما من تركيا، وليس من السهل الحصول على هذه السلع من بلدان أخرى. وفي محاولة لمعالجة نقص المياه وتحسين جودة المياه في البصرة، أعلن وزير الموارد المائية العراقي، مهدي رشيد الحمداني، في شهر تموز/يوليه الفائت، قرارا بتحويل قناة بادعة المفتوحة التي يبلغ طولها 240 كيلومترا، وهي المصدر الرئيسي للمياه العذبة لمدينة البصرة منذ العام 1996، إلى خط أنابيب مغلق. ومن خلال تحويل القناة، سيتم توفير المياه نتيجة انخفاض فرص الاستخراج غير القانوني والتقليل من التبخر، في حين سيتم تحسين  جودة المياه نتيجة انخفاض إلقاء النفايات فيها. وقد يعني التحويل أيضاً أن السكان في الجنوب يمكن أن يعتمدوا بدرجة أقل على المراشنة، وهو نظام يُطلب فيه من المواطنين أحيانا أن يُقدَّموا حصص استهلاك مياه الشرب ويستخدمون الصهاريج لتخزين المياه. وبالإضافة الى هذه العوامل، فإن تحويل القناة سيساعد أيضاً على منع تراكم النباتات المائية، أي نبات "هورنورت"، المعروف علمياً باسم Ceratophyllum demersum)) أو الشمبلان باللغة العربية. في العراق، الشمبلان (س. ديمرسوم) متفشي على نطاق واسع. ظهر النبات لأول مرة كمشكلة خطيرة تؤثر على معظم الجداول والقنوات في حوض نهر الفرات  في اواخر عقد الثمانينيات ، عقب بناء وتشغيل سد الحديثة، ثاني أكبر مولّد للطاقة الكهرومائية لمنظومة الطاقة الكهربائية في العراق بعد سد الموصل. وفي أعقاب الكارثة البيئية التي وقعت عقب قرار صدام حسين بتجفيف الأهوار في بلاد ما بين النهرين، وكعقاب على انتفاضات العام 1991 ضد نظامه البعثي، انقرض النبات. ولكن عقب  سقوط نظام (صدام)حسين في العام 2003، أُعيدت المياه الى الأهوار، مما أدى إلى إعادة ظهور الشمبلان التي انتشرت عقب ذلك في مناطق مختلفة من العراق. وقد أثر تراكم النبات في مياه العراق سلبا على الفاعلية التشغيلية لمحطات ضخ المياه، مما زاد من حدة نقص المياه في أنحاء العراق، ولا سيما في الجنوب. وعلى مر السنوات: 1. النبات يتراكم حول شفاطات المضخات، مما يؤدي إلى انسداد وتقييد تدفق المياه. قبل حجب غرف المضخة بالكامل، يمكن للنبات غلق المصافي أو المرشحات على مداخل المضخة. 2. النبات يطفو بكثافة على المياه السطحية مما يسبب في انقطاع جريان المياه، وذلك بعرقلة الجداول ومداخل المضخات. 3. النبات يسبب إعاقة تدفق المياه، وخاصة في قنوات الأنهار والجداول الصغيرة. على سبيل المثال، يمكن أن تمنع الموانع المياه من الوصول إلى نقطة النهاية من الأنهار الصغيرة المتفرعة. هناك شروط معينة مطلوبة للنبات لينمو بسرعة. وهذا يشمل وجود النبات في المياه الراكدة والصافية من البحيرات والبرك والأهوار والجداول ذات مستويات المغذيات المعتدلة إلى العالية. كما أظهرت تجربتان أجريتا في العام 2004 والعام 2006 في جامعة الكوفة أن درجات الحرارة العالية وخفض مستويات الملوحة في مياه العراق قد يساعد أيضاً على تكثيف نمو النبات. وعلى هذا النحو، تمكن النبات من التكاثر في أحواض المياه في محطات تصفية المياه (WTPs). ومن أمثلة المنشآت المتأثرة بوجود نبات الشمبلان (C. Demersum (محطة R-Zero) (الواقعة في جنوب مطار البصرة الدولي. وتساعد نتائج الدراستين أيضاً على فهم السبب في أنه سيكون من المفيد تحويل قناة بادعة إلى خط أنابيب مغلق. ومن خلال المضي قدما في التحويل، سيكون هناك أقل التعرض لدرجات الحرارة التي تشجع على نمو نبات الشمبلان ) (C. Demersum. وعلى الرغم من هذا التقدم المحدود في مكافحة تلوث المياه  وازدياد تفشي الأمراض المنقولة بالمياه منذ العام 2018، من الإنصاف القول إن الحكومة العراقية الحالية تعمل من خلال وزارة الموارد المائية على معالجة بعض أسباب نقص المياه، مثل نمو وانتشار النباتات المائية. ومع ذلك، يجب على وزارة الموارد المائية أن تزيد الضغوطات على تركيا للإفراج عن حصة عادلة من المياه العابرة للحدود. وقد تكون المفاوضات السياسية هي السبيل الوحيد الذي يمكن للعراق من تسوية نزاعه بشأن المياه مع تركيا؛ وإلا فقد تكون هناك حرب مياه محتملة لا يستطيع العراق، بعد أن شهد بالفعل عدة سنوات من الصراع، أن يشعل نيرانها. ملاحظات من المترجم: 1- تتصدر المقال صورة اخرى مشابهة للصورة أعلاه، كتبت تحتها العبارة التالية: وعقب نداء إلى مدير مشروع مياه النهروان لتنظيف مشروع المياه من  نبات الشمبلان والاعشاب المائية، بسبب ندرة المياه التي تجري في نهروان، قبل أفراد كتائب السلام (وهي منظمة شيعية مسلحة في العراق تابعة للتيار الصدري بقيادة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر)، لبّوا الدعوة وبدأوا عملهم التطوعي بتنظيف مشروع مياه المدينة ، بتاريخ 1تموز (يوليو) العام 2020. 2- تلوين العبارات باللون الأحمر يتطابق مع  النص بالإنجليزية. 3- بعض المفردات بين قوسين هي اضافات توضيحية من عندي.

* زينب مهدي هي باحثة اكاديمية مساعدة للأكاديمي د. مايكل مايسون، مدير مركز الشرق الأوسط في كلية  الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة لندن، في مشروع إدارة المياه في البصرة الذي يستمر لمدة عام واحد.

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل