/
/
/
/

ظن البعض أن انتفاضة 2011 أمكن تطويقها بالوعود وبعض الإجراءات الأمنية وشراء ذمم البعض، لكن ما حدث بعدها بأربعة اعوام، وأخيرا انتفاضة تشرين 2019، تؤكد أن واقع معاناة العراقيين لا يمكن تخديره، ولا يمكن إسكاته سواء بالإجراءات الأمنية أو شراء ذمم البعض، فمعاناة غالبية ذوي الدخل المحدود، من الموظفين، والكسبة، إلى جانب بطالة الشباب، وانعدام الإحساس بالأمن، وشعور العراقيين بالإهانة الكبيرة من اسلوب استصغار العديد من أطراف الجوار والتدخل في الشأن الوطني العراقي، كلها عوامل موضوعية لاستمرار الانتفاضة، والسيد مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء مصيب حين يقول بأنه لم يعد في وسع احد أن يحصر العراقي في قمقم، بفعل تطور وسائل الاتصال، إلى جانب التراث الثقافي لحضارة العراق، والقيم التي دعا إليها الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) حين ردد “الساكت عن الحق شيطان أخرس”.

فالعراقيون، بغض النظر عن مذاهبهم ومعتقداتهم، يجدون في الإمام علي (عليه السلام) قدوة لهم في التعامل مع معطيات الحياة والسلطة، لذلك نجد ان أغلب جماهير العراقيين من الشرائح الشعبية للمجتمع، إلى جانب المثقفين والعسكريين الوطنيين، هم مشروع استشهاد، كما كان سيدنا علي ابن أبي طالب، المقتدي بمربيه ومعلمه سيدنا النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم).

إن جماهير الانتفاضة، وهي شريحة واسعة، تزداد اتساعاً وفعالية، بفعل صفيح الأزمة اللاهبة اقتصاديا وصحياً وشبابياً وسكنيا، ما زال في نفسها بعض الصبر، بانتظار ما تحققه حكومة السيد الكاظمي، مؤيدة كل خطوة إيجابية، بدءاً من مساءلة العديد من المسؤولين من الدرجات الوظيفية الدنيا، متطلعة إلى أن يتصاعد سقف المساءلة إلى كبار المسؤولين الذين هدروا المال العام لتسمين الأقرباء والمحسوبين وشراء الذمم، واسترجاع أموال العراق المنهوبة.

كل هذا من جانب، ومن الجانب الأخر، فأن العراقيين لن يقبلوا في زج العراق بمعارك لحساب الغير، ولن يقبلوا بسلطة تتجاهل موازين القوى الدولية والإقليمية، مما يؤدي إلى زج البلاد في معارك خاسرة جديدة بعد الحرب على إيران، وغزو الكويت، وما ترتب عليهما من حربين كارثيتين. فالتجربة علمت العراقيين أن السكوت عن النهج المغامر وأوهام القوة يعني تدمير حاضر الوطن ومستقبله.

إن كل ما يطرحه السيد رئيس الوزراء من أفكار إيجابية موضع قبول، لكن المسألة ليست ما يقال إنما ما يتحقق على ارض الواقع، ومن المؤكد أن الكاظمي يواجه مقاومة شرسة غير معلنة من الماسكين خفية للكثير من  زمام السلطة، لذلك فأن الخطوة المطلوبة حالياً هي حراك جماهيري يدعم مسيرة الإصلاح التي أعلنها الكاظمي، ومع كل تقدم يتحقق في فك قبضة القوى المتسلطة.

عليه ينبغي على جماهير الانتفاضة طرح شعارات ومطالب قابلة للتحقيق، وفي الوقت نفسه احترام حق الإنسان في المعتقد وحرية التعبير، حتى إن كانت طروحاته تختلف مع قناعات الجماهير الساخطة، والحرص على أن يكون القانون وحده الفيصل في المساءلة لكل من خان الأمانة أو عدم الكفاءة في معالجة مشاكل البلاد.

وفي الوقت نفسه على الحكومة الانتصار أكثر فأكثر لإرادة الشعب وتطويق السلطة الخفية وتصفيتها بالاستجابة للمطالب المشروعة، بعكسه فأن الطوفان قادم، بالأخص في ظل عمليات السلاح المنفلت التي لا تحترم المواطن ولا الالتزامات الدولية للعراق.

لكن يظل التحدي الكبير الذي يواجه جماهير الانتفاضة هو عدم ترتيب الأسبقيات في المطالب، عدم التمييز بين ما يؤدي إلى خطوات حقيقية لتلبية المطالب المشروعة وما بين ما لا يكون في  الطريق الصحيح نحو الهدف، إنما هو في باطنه حرف لمسار الإرادة الجماهيرية، مثل المطالبة بنظام انتخابي قائم على أساس المركز الانتخابي الأصغر، فيما تؤكد التجربة أن الدائرة الانتخابية الواحدة المفتوحة لكل العراق هي الحل الأفضل لضمان حضور القوى الشعبية التي يحاول المتسلطون تطويقها بالمال والنفوذ والتهديد والقتل أحيانا.

كذلك الوعي بأن عملية انقاذ البلاد ينبغي ان تتم بكل الطاقات الخيرة، وهذا يستدعي عدم تجاهل وجود أطراف عديدة ممن تقلدوا المسؤولية بنزاهة وكفاءة وحرص، لا ينبغي  تجاهل خبراتهم ولا إقصائهم عن المشاركة في البناء بحجة انهم تقلدوا مسؤوليات سابقاً...

كما أن القول باستبعاد الحزبيين عن المسؤولية هو إقصاء خطير لا يميز بين حزبيين نزيهين حريصين وبين متحزبين خانوا مبادئ أحزابهم والشعب، ولا يميز بين أحزاب لم يعرف عنها سوى النزاهة والتضحية وأحزاب تاجرت بالدين والوعود لكنها كانت وستظل بؤر فساد مستشري.

ــــــــــــــــــــ

* كاتب وصحفي

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل