/
/
/
/

التقيت ُ الأستاذ فواز طرابلسي، في منتصف السبعينات  من خلال (ألف باء الشيوعية) ذلك الكتيّب الأحمر الأنيق من تأليف : بوخارين  وبريوبراجنسكي ومن ترجمة فواز طرابلسي.. ثم التقيتُ في كتبه(صورة الفتى الأحمر) (عن أمل لا شفاء منه) (يا قمر مشغرة)(صلات بلا وصل) (حرير وحديد) و( إن كانت بدك تعشق):  تكاثرت محبتي لجهود فواز طرابلسي المعرفية وأصغيتُ لما يطرحه وروّجتُ لكتبه بين أصدقائي .

(*)

في يوم رفع الحظر 22/ تموز/2020 تفرغت لكتابه التحاوري( جورج البطل الشيوعي الوحيد)..وبعد قراءتي الأولى والنصف للكتاب : اشهدُ ان هذا الكتاب ضروري جدا خصوصا لمن خاضوا التجربة الشيوعية واحتملوا الكثير من أجل أهدافها النبيلة

(*)

صدمتني نرجسية عنوان الكتاب (أنا الشيوعي الوحيد) وتبسمتُ، لكن في ص342سنجد أن الأستاذ  فواز طرابلسي تعامل مع الجملة بالبتر، مثل من يبتر تلك الآية الكريمة من القرآن الكريم  ويقول :(ولا تقربوا الصلاة...) ويسكت. عن الكلام التالي (يأيها الذين امنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكرى حتى تعلموا ما تقولون.../ 43 / النساء).. بالنسبة لجورج البطل في معرض حديثه عن تخوم تجربته الشيوعية يرى التالي (..أنا عضو في الحزب لأني لا أرتضي لنفسي أن لا أكون عضوا في الحزب مادام هذا الحزب لا يزال موجودا. مع ذلك لست في الحزب.يتصلون بي ويسألوني هل نجدد لك البطاقة الحزبية أقول لهم : أي،رغم أني لم أشاهد تلك البطاقة من عشر سنين أو حتى سبع عشرة سنة. لا أستمد شيوعيتي من بطاقتك،يا من تسأل،لكن جددها إذا كنت تريد تجديدها.) ثم يقول المتكلم (أنا الوحيد من المجموعة القديمة الذي ظل على علاقة مع هذا الحزب).. إذا جورج البطل هو الشيوعي الوحيد : جيليا فقط : وهنا تكون الجملة في حيزها النسبي. لكن الأستاذ فواز طرابلسي . نقلها من النسبي إلى المطلق الذي حذف الشيوعيين اللبنانيين جميعهم !!..لكن هذا الكتاب التحاوري ضروري : فمن خلال الواحد/ جورج نتوصل إلى الجموع/  الحركة الشيوعية اللبنانية والسورية، وكذلك للحراك اللبناني المتعدد الأطياف

(*)

في الكتاب :  تتكشف لنا الأبعاد النضالية للمناضل جورج البطل ونستنشق أزكى المواقف وأنبلها.نتوقف عميقا عند شخصيات بنسخة واحدة لن تتكرر: بطولات فرج الله الحلو الذي غمرنا ضوءه. حين كنا في اتحاد الطلبة العراقي.. احتدامات المناضل  جورج حاوي/ 279 ..أبطال المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل ..أمراض المكتب السياسي السوفيتي الآيل إلى وزارة الخارجية، أكثر من الأممية .

(*)

تستوقفني هذه الروح الشبابية في نضالات  جورج البطل.منها أنحيازه للمستقبل .فهو، بعد  خمسة أشهر على تسنم  خالد حدادة منصب الأمين العام يزوره في مكتبه ويخبرنا مختصرا ما جرى: (قلت له: هذا المكتب السياسي ليس لائقا. واستعرضت أعضاءه واحدا واحدا،وقلت له : في الحزب شباب جيّدون،جدد بالحزب مثل ما تجددت أنت وآخرون معك.أنا عضو لجنة مركزية ومكتب سياسي قبلك بثلاثين سنة ياخالد،نحن جددنا، كل الأجيال كانت تجدّد. كيف جئت بأشخاص ورثتهم وراثة وهم أعضاء كتلك؟ /  341 ) ثم يخبرنا أن خالد حدادة كان تجاوبه كبيرا.. لكن ...(لم يعد للكلام فائدة. لديهم نهج يعبر عن حالتين :حالة عجز، فهم غير قادرين على الإبداع، وحالة تسديد حسابات بعضهم لبعض.إنها مجموعة تكاتفت والناس هم أنفسهم. مضى عليهم 8- 9 سنوات في المسؤولية ولم يتغير أي شخص. يضيفون شخصاً بلا وزن ولا طعم ولا يتغيرون.. الوضع التنظيمي بائس حاليا. أنا لم أزعجهم بشيء. لم أشارك في أي نشاط يعتبرونه مناهضا للحزب.الذين يأتون إليّ أقول لهم روحوا حلوها مع خالد. نحن حللناها من قبل مع نقولا الشاوي لما كنا على خصام معه وأنتم روحوا حلوها مع خالد حتى لا يفرط الحزب. لكن كانوا قساة مع خالد وصريحين ..)

(*)

ثم يخبرنا عن طائفية الإعلام العربي أثناء المقاومة اللبنانية: (إلى أي بلدٍ ذهبت كنت أسمع أن المقاومة شيعية. كنت أقول لهم إن والد لولا عبود اسمه إلياس، والدتها فيوليت.كان هناك أسماء كثيرة من شهداء المقاومة والحزب كميشال وألياس وجورج وريمون..إلى جانب أسماء سنية ودرزية لكنهم شيّعوها. وأذكر مناسبة في ليبيا كان يخطب فيها عبد السلام جلوّد وقال فيها: إن المقاومة شيعية وذكر اسم لولا عبود. طلبتُ منه التوقف. وأخبرته أن لولا عبود مسيحية والمقاومة ليست شيعية.. توجد عناصر عدة ساهمت في تضييع الطابع الوطني للمقاومة..قمنا بمئات العمليات بلغ عددها حوالي ألف ومائتين وخمسين عملية منفردين أو مع منظمة أمل../ 278  )

(*)

يتناول جورج البطل الوجه الآخر للتحالفات القتالية: (دفعنا الثمن عشرين عاماً من الاغتيالات وليس لدينا أوهام حول طالبي تلك الاغتيالات. هي جهة أرادت معاقبتنا وهدفت لإحداث مزيدٍ من الشرخ بيننا وبين المقاتلين. ليس حزب الله الذي قتلنا فلا ثأر بيننا. وهو لم يشارك في حرب المخيمات. إنهم المخابرات السورية من خلال أطراف من حركة أمل أوغيرها/ 285   )

(*)

تحت العنوان الفرعي : الزيارة اليتيمة للعراق، يقول جورج البطل (قبل أيام على انقلاب عبد الكريم قاسم ذهب الشباب في زيارة للعراق وحضروا أجتماعا، لا أتصور هناك من ذهب من جيلنا إلى العراق بأستثناء كريم وجورج حاوي ../174) هنا نسيّ/ تناسى المناضل جورج البطل : أن حسين مروّة كان يعيش في العراق وكان يدرّس في محافظة العمارة  وتثمين لجهوده أهدتُ محافظة العمارة قلما ذهبيا* المسألة الأخرى احدثت لدينا صدمة تلقي !!  حين يقول(عندما جاء حزب البعث إلى الحكم أصبح لدي موقف من حزب البعث العراقي/ 174) يبدو أن الرفيق جورج البطل تناسى مجازر إنقلاب 8 شباط بحق الحركة الوطنية العراقية وكيف أن عامة الشعب أصيبت باليأس التام ويبدو أيضا تناسى تعاليم موسكو بخصوص قيام الجبهة الوطنية!! وكأنه لايعلم أن جماهير الحزب الشيوعي العراقي تجرعت السم الزعاف بخصوص الجبهة.. ولا أدري لماذا هذا التعالي على العراق في قوله (كنا نستقبل رفاقا منه أكثر مما نذهب إليه/ 174) ومن منصة استقبال الرفاق العراقيين، ألم يعرف منهم أهوال الاستبداد الذي كابدته الحركة الوطنية العراقية... ثم لا أدري كيف يكون الإنسان شيوعيا يؤمن بالديالكتيك، والديالكتيك يؤكد القطع المعرفي والحضاري والتاريخي، وهذا يعني المتغيرات لها السيادة في كل البنى فكيف يؤمن الشيوعي الوحيد : جورج البطل  بمقولة طاغية العراق الحجاج الثقفي حين يقول (لدي موقف من حزب  الشيوعي العراقي والعراق بصورة عامة. تذكرت كلام الحجاج بن يوسف ،،يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساؤى الاخلاق،، لم اعد أطيق العراق، وبالرغم من جميع  العلاقات الودية التي أصبحت كثيرة، وجيء خلالها بالكثير من العملة والسلاح والمسدسات المميزة، كان الجميع يذهب إلى العراق إلا أنا لم أذهب إلى أي مكان وكان لدي انحياز كامل للشيوعيين العراقيين ).. هنا يكون المناضل جورج البطل ضمن  بلاغة المجاملة فهو يعمم دون أن يذكر اسما من شبوعيّ العراق الذين يودهم !!

لقد فشل الحجاج في ترويض أهل العراق ما أن  يسمع اسم الفارسة البطلة(غزالة الخارجية ) حتى يفر من المعركة وكانت غزالة تطيل وقت صلاتها نكاية بالحجاج لعله يحضر فتقرأ بالركعة الاولى بعد سورة الحمد سورة البقرة وهي من أطول سور القرآن الكريم وفي الركعة الثانية تقرأ سورة آل عمرن وأهل العراق منهم المعتزلة وحركة الزنج والقرامطة وفيهم إسماعيليين وحلاجيين وعيارين وشطار وزيدية وسبايجة هؤلاء وغيرهم لهم حصة كبرى بتسقيط بني أمية وبني العباس.. أما في قول الرفيق حول علاقته الودودة مع الشيوعيين العراقيين وكرهه للعراق فمعناه ان الرفيق يكيل بمكيالين.. ثم يعلن انحيازه في قوله (لقد زرت كردستان )!! ولا أدري كيف يقارن آنذاك في 1973 بين العراق والمملكة العربية السعودية في قوله:(والعراق هو البلد الوحيد الذي لم أزره، طبعا السعودية والإمارات كذلك) !!لا أدري ما هي أوجه المقارنة بين العراق الصاعد آنذاك وبين : السعودية والأمارات..!!  

(*)

تمنيتُ أن يتداخل كلام الأستاذ فواز طرابلسي مع اجابات جورج البطل أو يثبّت هوامش بخصوص هكذا تفوهات من شخصية لبنانية عظيمة وبخصوص قول جورج البطل وهو يتناول فيها اليهود العراقيين مسألة في نظر(كان في الحزب الشيوعي العراقي جناح صهيوني ) وبخصوص الجناح الصهيوني!! اقدم شاهدا للأستاذ فواز طرابلسي على بطلان قول المناضل جورج البطل وشاهدي هو عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي العراقي يحدثنا عن تظاهرات نظمها الحزب في 28 حزيران 1948(كانت شعارات المظاهرات  تتحدد في التضامن مع الشعب الفلسطيني والمطالبة بالحريات العامة وتوفير الخبز ومعالجة مشكلة البطالة وعندما وصلت المظاهرة إلى السفارة البريطانية، بدأت الشرطة المتمركزة في السفارة تطلق النار على المتظاهرين وعندما كان شاؤول طويق يلقي كلمة في المتظاهرين، أُطلق النار عليه واستشهد على الفور، وسقط في حينها على الرفيق يعقوب قوجمان وأصبح شاؤول طويق أول شهيد للحزب. وقد قام الحزب بطبع صورة الشهيد واخذنا نوزعها.../ ص70/  ثابت حبيب العاني /صفحات من السيرة الذاتية/دار الرواد المزدهرة/بغداد / ط1/ 2014)  وفي نفس الصفحة يذكر ثابت حبيب العاني أن وزير الداخلية وافق على  أن يمنح تجمع لليسار العراقي أجازة الحزب التحرر الوطني، كما اجيز طلب الحزب بتشكيل منظمة(عصبة مكافحة الصهيونية ) وبخصوص تهجير يهود العراق نقرأ ما يلي (عارض الحزب الشيوعي العراقي ذلك القانون وكتب في جريدة القاعدة : إن إصدار لائحة إسقاط الجنسية عن اليهود العراقيين لبث روح الكراهية وتفرقة الصفوف وإثارة النعرات الطائفية وأن هذه اللائحة الجديدة تساعد اليهود العراقيين على مغادرة البلاد وتعود أسبابها إلى اتفاق مسبق ومساومات بين الاستعمار الانكلو أمريكي على اقتسام أرض فلسطين، وضم القسم العربي منها الى مستعمرة الاردن وتثبيت السيطرة عليها من قبل إسرائيل/ القاعدة/ ع2/ السنة الثامنة/ آذار 1950)..

(*)

 في رسالة من (فهد) إلى يهوذا صديق في آواخر 1947 نقرأ الكلام التالي :

(أما عن قضية فلسطين فلم نتوصل الى أكثر ما توصلتم إليه، عدا شيء واحد. هو ذكركم لقومية يهودية في فلسطين، فهذا ربما غير صحيح .. أن الاتحاد السوفياتي ربما قال بوجوب الأخذ بنظر الاعتبار بضعة مئات الالوف من اليهود الذين سبق وأصبحوا من سكان فلسطين. فهذا لا يعني أنهم قومية ../ص110/ عزيز الحاج/ شهادة للتاريخ /أوراق في السيرة الذاتية/ مؤسسة الرافد / ط1/ 2001).. ويمكن مراجع الجزء الأول من ثلاثية مؤرخ الحزب الشيوعي العراقي المناضل عزيز سباهي / الجزء الأول/ دار الرواد المزدهرة/ بغداد/ ط1/ 2006

(*)

وكذلك في قوله عن مسألة تهجير اليهود العراقيين (قصة يهود العراق ملتبسة جداً. كان عددهم كبيراً.وأنا أفهم السبب،لأنهم كانوا أكثر تطور من العرب/362) نعم ملتبسة بالنسبة للمناضل جورج ومن يقرأ كلامه التالي سيعرف الإلتباس يخصه هو، لأنه كان يسمع بيهود العراق ولم يعايشهم أو يزور العراق مرة واحدة..(هم سكان مدن، وبرجوازيون صغار أو عمال أو حرفيون،إلخ/392.) في سنوات التهجير كانت البرجوازية الوطنية العربية في العراق في تصاعد وكانت المدن العراقية مثل بغداد والبصرة والموصل وكركوك تتوفر فيها كل أسباب التطور الحضاري وأول محطة تلفزيون عربية انطلقت من بغداد ونبغ في العراق عباقرة أمثال الدكتور علي الوردي والعبقري جواد سليم والدكتور فيصل السامر،والدكتور نوري جعفر والاقتصادي إبراهيم كبه والمعماري رفعت الجادرجي  وغيرهم..وفي تلك الفترة اندلعت ثورة الشعر الحديث من العراق وكانت مجلة الاديب وبعدها مجلة الآداب البيروتية تولي اهتماما خاصا بالأدب العراقي ..ثم يقول المناضل جورج عن اليهود ( كان وجودهم مفيداً بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي) الأصح:  كان وجودهم في الحزب الشيوعي مفيدا لليهود العراقيين

(*)

 يواصل المناضل جورج قوله عن الحزب الشيوعي العراقي: (أنا لدي مآخذ كثيرة عليه) وهنا لا ندري ماهي مآخذه ؟ هل تم حذفها من قبل الأستاذ فواز طرابلسي ؟ أم هكذا قالها المناضل جورج على عواهنها؟ ثم يقول(لكن هذا الموقف كان لصالحهم بلحمه ودمه . تهجير اليهود: هاجروا عندما هُجروا..) ويقول(القصة معقدة جداً) للأسف أن الرفيق المناضل جورج البطل بخصوص يهود العراق ليس لديه إي إطلاع بسيط على تاريخ الحزب الشيوعي، فهو يبدو لم يطلع حتى على كتاب(من تاريخ الحركة الوطنية العراقية) للمناضلة سعاد خيري والكتاب مطبوع في دار الرواد / بغداد 1974 وقد أوصل الرفاق الشيوعيون العراقيون يومها عشرات النسخ إلى بيروت وسلمُت بيد الرفاق اللبنانيين القياديين وكذلك فعل الحزب الشيوعي العراقي مع الحزبين الشيوعيين الأردني والسوري ..

*فواز طرابلسي/ جورج البطل : أنا الشيوعي الوحيد/ دار المدى/ ط1/ بغداد/ 2019

*بخوص المفكر اللبناني الشهيد الدكتور حسين مروّة. يمكن العودة إلى كتابي (زيادة معنى العالم) – دار ضفاف/ دولة الأمارات العربية المتحدة – بغداد / 2014

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل