/
/
/
/

وعن سؤال ما هي النتائج المباشرة للثورة الصناعية ولانقسام المجتمع الى برجوازيين وبروليتاريين؟ يجيب إنجلز:

“اولا لقد حطم نظام المانيفاكتورة العتيق او الصناعة القائمة على العمل اليدوي تحطيما تاما بفعل انخفاض اسعار المنتجات الصناعية انخفاضا مستمرا حاصلا في جميع البلدان عن ادخال الآلتية. وانتزعت من عزلتها، جميع البلدان نصف الهمجية التي كانت ولا تزال، بشكل متفاوت خارج التطور التاريخي والتي كانت صناعتها تقوم على نظام المانيفاكتورة، فأقبلت على شراء البضائع الانجليزية رخيصة السعر وتركت عمالها المانيفاكتوريين يواجهون الهلاك، وهكذا ثوّرت بلدان لم تعرف التقدم منذ آلاف السنين، كالهند مثلا، تثويرا تاما، وحتى الصين نفسها فانها تسير الآن باتجاه ثورة. فاختراع آلة جديدة في انجلترا قد يحكم بالمجاعة في فترة بضع سنوات، على ملايين العمال الصينيين. وهكذا ربطت الصناعة الكبرى شعوب الارض جميعا ببعضها، وحولت كل الاسواق المحلية الصغيرة الى سوق عالمية، ومهدت في كل بقاع الارض للتقدم والمدنية، وأدت الى جعل كل ما يحدث في البلدان المتمدنة يترك بالضرورة انعكاسات على جميع البلدان الاخرى، بحيث انه اذا ما تحرر العمال الآن في انجلترا او في فرنسا فيستنتج عن ذلك عاجلا ام اجلا ثورات تؤدي هي الاخرى الى تحرير العمال. وهنا من الضروري ان نذكر تنبؤ كارل ماركس حول كيف ان الصراع الكامن بين الرأسمال والعمل سيعبر عن نفسه.

وكما كتب في كتاب (رأس المال) فان سعي الشركات لتحقيق الارباح والانتاجية سوف يؤدي بها بطبيعة الحال الى تقليص متواصل لحاجتها الى العمال، مما سيخلق “جيشا صناعيا احتياطيا” من الفقراء والعاطلين عن العمل: “تراكم الثورة في قطب هو بالتالي في الوقت نفسه، تراكم للبؤس في القطب النقيض” وهذه العملية التي وصفها ماركس تظهر في جميع انحاء العالم المتقدم ولا سيما في الجهود التي تبذلها الشركات الامريكية لخفض التكاليف وتجنب توظيف أيادٍ عاملة، والتي عززت ارباح الشركات الامريكية وحصتها من اجمالي الناتج الاقتصادي الى اعلى مستوى لها خلال اكثر من ستة عقود، في حين ان نسبة البطالة تقف عند 9.1  في المائة، وبقيت الاجور الحقيقية راكدة، وهذا الواقع لا بد وان يؤدي الى ثورات.

ثانيا: أدت الثورة الصناعية، حيث حلت الصناعة الكبرى محل الانتاج المانيفاكتوري، الى نمو البرجوازية وثوراتها وسلطانها نموا منقطع النظير، والى جعلها الطبقة الاولى في المجتمع، فاستولت البرجوازية بالتالي حيثما حصل ذلك، على السلطة السياسية وازاحت الطبقات التي كانت مسيطرة حتى ذلك الحين أي: الارستقراطية وأسياد الجمعيات الحرفية وممثلهما الملكية المطلقة، ومسحت البرجوازية قدرة الارستقراطية والنبلاء بإلغائها لاقطاعية البكر، أي لقدسية الملكية العقارية، وكذلك لجميع الامتيازات الاقطاعية، ودمرت جبروت اسياد الجمعيات الحرفية بالغائها الجمعيات الحرفية والامتيازات الجمعية بأسرها. وأحلت محلها المزاحمة الحرة، أي وضعا اجتماعيا يتيح لكل واحد ان يمارس النشاط الاقتصادي الذي يحلو له، ولا يحول بينه وبين ممارسة نشاطه هذا سوى افتقاره للرأسمال الضروري لذلك، فادخال المزاحمة الحرة هو اذن اعلان صريح لمقاييس جديدة في المساواة بين اعضاء المجتمع. انهم من الآن فصاعدا لن يكونوا غير متساوين الا بمقدار ما تكون رساميلهم غير متساوية، وان رأس المال سيكون القوة الحاسمة في المجتمع. الا ان المزاحمة الحرة لا غنى عنها لانطلاق الصناعة الكبرى لأنها الوضع الاجتماعي الوحيد الذي يسمح للصناعة الكبرى ان تنمو. وإذ تمسح البرجوازية القدرة الاجتماعية للنبلاء وتجمعات الحرف تقضي ايضا على سلطتها السياسية. وإذ تصبح الطبقة الاولى في المجتمع اقتصاديا، تعلن نفسها الطبقة الاولى سياسيا ايضا”. هذا ما كتبه إنجلز عن نتائج الثورة الصناعية.

عندما كتب إنجلز هذا الكتاب “مبادئ الشيوعية” وبعدها كتب هو وماركس “البيان الشيوعي” قبل اكثر من قرن ونصف اظهرا بوضوع علمي جدلي الظواهر الاساسية التي تشغل اهتمامنا على الصعيد العالمي في الوقت الحاضر. عندما كتب إنجلز “مبادئ الشيوعية” لم تكن هناك ادلة عينية موضوعية على طرحهما، اذ على العكس من ذلك كانت الرأسمالية آنذاك تستند كليا على الشركات الصغيرة والسوق الحرة والمنافسة.

اما اليوم فتهيمن على اقتصاد العالم الرأسمالي بأكمله حفنة من الاحتكارات العملاقة العابرة للقارات، وتمتلك هذه الشركات العملاقة أموالا تتجاوز بكثير الميزانيات الوطنية للعديد من البلدان. لقد تحققت افكار وتوقعات إنجلز وماركس الاقتصادية الجدلية التاريخية التي طرحت في كتاب (مبادئ الشيوعية) لإنجلز و(البيان الشيوعي) لماركس وإنجلز وكتاب (رأس المال) الذي شرح بشكل اقتصادي علمي جدلي عملية تركيز رأس المال. وفي عصرنا الحالي وصلت عملية تركيز الرأسمال معدلات لم يكن من الممكن تخيلها قبل الآن حيث أصبحت هذه العملية، أي عملية تركيز رأس المال، وباء يحدث في جميع البلدان الرأسمالية. وفي كثير من الحالات ترتبط عمليات استيلاء بعض الشركات الكبرى على بعضها ارتباطا وثيقا بكل أنواع الممارسات الاجرامية كالتواطئات وتزوير أسعار الأسهم وغيرها من أنواع الغش والسرقة والنصب. ونستطيع أن نقول بأن تاريخ طبقة رأس المال بأكمله هو تاريخ العنف والنهب، تاريخ الدماء وتاريخ الحروب على الموارد.

ويستمر إنجلز في كتابه ويقول بأن الأمر الثالث التي أدت اليه الثورة الصناعية في كل مكان هو “نمو البروليتاريا” بقدر ما كانت تسمح بنمو البرجوازية ذاتها، وكلما كانت ثروة البرجوازيين تزداد كلما كان عدد البروليتاريين يتعاظم. إذ، بما أنه لا يمكن للبروليتاريين أن يستخدموا الا من قبل رأس المال، وان رأس المال لا يمكنه أن يتنامى الا باستخدامه للعمال، فينتج عن ذلك أن تعاظم البروليتاريا يسير بالضبط على الوتيرة نفسها لتعاظم رأس المال. وينتج أيضا، وبفعل تمركز جماهير غفيرة في بقعة واحدة، وعي البروليتاريا بقوتها. ثم انه كلما تعاظم نمو الثورة الصناعية، وكلما ازداد اختراع الآلات الجديدة التي تزيح الشغل اليدوي، كلما ازداد ميل الصناعة الكبرى – كما قلنا سابقا – الى تخفيض الاجر الى حده الادنى جاعلا بذلك وضع البروليتاريا متزايدا في التردي. وهكذا تهيئ الثورة الصناعية، بفعل تزايد التذمر لدى البروليتاريا من جهة وبفعل تعاظم قوتها من جهة أخرى، لثورة اجتماعية تقودها البروليتاريا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“الاتحاد” الحيفاوية – 11 أيلول 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل