/
/
/
/

البحث في تاريخ الطائفية في العراق ليس بالصعب وبخاصة بعد تشكيل الدولة العراقية ولهذا نقول ان الطائفية لم تكن في السابق بالشكل الذي انتجت ما بعد الاحتلال الأمريكي 2003 واسقاط النظام البعثي القومي والذي تأسس من قبل اشخاص من مكونات مذهبية ودينية دون التخصص في طائفة او مذهب معين، النظام الملكي الذي جرى الاتفاق على تعيين الملك وجاء بتوافق معروف وطوال العهد الملكي ما عدا الملك، شغلت المناصب الأساسية بما فيها القوات المسلحة الجيش والشرطة  ومجلس الوزراء والوزارات وغيرها من مختلف الأديان والقوميات والطوائف والمذاهب حتي أن وزير المالية في العهد الملكي الأول ساسون حسقيل  (1860  -1932) أول وزير مالية للعراق في العصر الحديث، واستلم وزارة المالية العراقية سنة 1921 يهودي ، لكن ما حدث في فلسطين أُبعد اليهود وهذه مسالة معروفة الأسباب ونتذكر جيداً اعدام قادة الحزب الشيوعي العراق في العهد الملكي  "وهم سلمان يوسف سلمان، وزكي بسيم ، وحسين الشبيبي ، الأول مسيحي والثاني سني والثالث شيعي إضافة الى عشرات المعتقلين من مكونات الشعب العراقي  " .. وبمجرد حدوث ثورة 14 تموز 1958 فقد تكون مجلس السيادة من قبل ثلاث مكونات وقد رشحوا من قبل الضباط الاحرار كلجنة ثلاثية " عبد الكريم قاسم، عبد اللطيف الدراجي، عبد السلام عارف " اما مجلس السيادة فهو معروف ايضاً بأطيافه الوطنية والقومية والدينية، فهم ( الفريق  الركن رئيس مجلس السيادة نجيب الربيعي  والعقيد خالد النقشبندي، و رئيس حزب الاستقلال محمد مهدي كبة) اما الوزارة الاولي فتكونت من جميع مكونات الشعب العراقي وهم" 1ـ الزعيم الركن عبد الكريم قاسم.. رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع وكالة.. 2ـ العقيد الركن عبد السلام محمد عارف.. نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية..  3 ـ العقيد الركن ناجي طالب.. وزيراً للشؤون الاجتماعية.. 4 ــ محمد حديد.. وزيراً للمالية.. 5 ـ هديب الحاج حمود.. وزيراً للزراعة.. 6 ـ محمد صديق شنشل.. وزيراً للإرشاد.. 7ـ فؤاد ألركابي.. وزيراً للأعمار.. 8 ـ إبراهيم كبة.. وزيراً للاقتصاد.. 9 ـ عبد الجبار الجومرد.. وزيراً للخارجية.. 10ـ جابر عمر.. وزيراً للتربية والتعليم.. 11ـ مصطفى علي.. وزيراً للعدلية.. 12ـ الدكتور محمد صالح محمود.. وزيراً للصحة.. 13ـ بابا علي الشيخ محمود.. وزيراً للأشغال والمواصلات."   هذه هي التشكيلة الوطنية المختلفة، اما انقلاب 8 شباط 1963 الدموي الذي قاده حزب البعث وأحزاب قومية وبمساندة مرجعيات دينية طائفية، ثم انقلاب 17 تشرين 1967 فقد كان برئاسة عبد السلام عارف وبعده اخية عبد الرحمن عارف وقد كانت رئاسة الوزارات والوزراء وكبار قادة الدولة والقوات المسلحة من جميع المكونات دون استثناء ما عدا رئاسة الجمهورية، اما انقلاب  17 تموز 1968 فهو انقلاب بعثي قومي مركب وكان دكتاتوري بامتياز ضحايا حكوماته المتكونة من مختلف الأديان والقوميات والطوائف والمذاهب، والتاريخ الحقيقي يشهد

أولاً: ان الاعدامات والاعتقالات والاضطهاد لم يبخل النظام من ارهابه وتصفياته واغتيالاته واعتقالاته على طائفة او دين او مذهب ولم يستثن أي واحدة منهم فحسب بل شمل الجميع دون استثناءات لا دينية ولا مذهبية ولا قومية ولا عرقية!

وثانياً: التدقيق في رئاسة الوزراء والوزراء فسوف يرى انهم بعثيون وحلفاؤهم ومن مختلف المكونات لأنهم بعثيون فقط وليس على أساس طائفي بالمعنى الذي كان شبيهاً مع ما حدث في تشكيل مجلس الحكم والحكومات العراقية بعد 2003 وبخاصة أبان رئاسة مجلس الوزراء من قبل " نوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي، ولننتظر نتائج وزارة مصطفى الكاظمي.

هذه المقدمة الصغيرة لا تنفي مواقفنا المضادة للحكومات السابقة ما عدا ثورة 14 تموز 1958 وصراعنا من اجل تقدم البلاد وتعزيز الوطنية ، كما ان هذا الحديث قد لا  يتفق البعض محاولاً تشبيه الماضي وكانه طائفي بامتياز ويبرر المحاصصة بالحاضر حسب المصالح والاهداف وهي معروفة ، وهنا نسجل للتاريخ ايضاً وللحقيقة فعلى الأقل في الماضي لم نجد كمثال " من يُقتل على أساس الاسم او المذهب ويعتقل ويخطف ويغيب ويعذب او يهان من قبل السيطرات والميليشيات الطائفية والمنظمات الإرهابية المتطرفة على أساس مذهبه، ولم يجر في الجيش او دوائر الدولة في العاصمة وفي المحافظات كافة من الجنوب وحتى إقليم كردستان العراق  التعيين بشكل طائفي، ولإثبات هذا الامر بالملموس التدقيق في تلك الحقبة فلن يجد المرء مثل ما جاء في  اعلان وزار ة الدفاع بخصوص الدورة والموافقة على قبول طلاب الدورة ( 111 ) في الكلية العسكرية الرستمية بتاريخ 26 / كانون الأول / 2020 وموافقة وزير الدفاع  جمعة عناد سعدون على الطلاب الذي سجل امام كل اسم من الأسماء المذهب الطائفي ، ( شيعي ، سني ) ولا يوجد فيهم أي مكون عراقي آخر وهو امر غاية في الغرابة، ولم يحدث على امتداد الحكومات العراقية المتعاقبة بعد تأسيس الدولة العراقية الذي نختلف معها مثلما ذكرنا في الكثير من القضايا  الفكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وانما قول الحقيقة لا غير ...الخ، ولا نريد الخوض في التفاصيل الكثيرة التي خرقها نظام المحاصصة الطائفية بقيادة الأحزاب الدينية الطائفية المتنفذة ولدينا مثال حسن وهو تكوين الميليشيات والحشد الشعبي ليس على أساس المواطنة بل على أساس مكون واحد تقريباً وهو معروف.

ان الطائفية اتجاه لنهج ديني متطرف وباطني ومعادي للعرف الإنساني الذي يحمل مفهوما انسانياً واسعاً في الرؤيا للجنس البشري وليس في الدين المعين فحسب، لأن الطائفية وفلسفتها الحزبية الطائفية المذهبية عنصرية ضيقة الفكر تحمل الكراهية والانغلاق والتحزب الأعمى والشقاق والنفاق قابضة على صرح معين تاريخي او ديني ولتأخذ منه "رباً " تعبده بطريقة خاصة تفبرك به بطانيتها لكنها في الوقت نفسه تعلن عن شكل غير حقيقتها لكي تتقبلها جماهير ذات الطيف المذهبي الواحد الذي تعمل من اجل زرع وعي وهمي في تحركها العلني لتبدو اكثر انفتاحاً باتجاه تسويق افكارها ومعتقداتها وهي تمارس أي شيء من اجل التعتيم والباطنية على توجهاتها الهادفة للهيمنة والتسلط.

ان الباحثين يلاحظون اثناء تكوين الطائفية بحدودها الفكرية كانت تنظم من قبل دعاة لهم مكانة دينية وسياسية ولهم تأثيرات عائلية ووراثية وبقت في هذه الحدود الى ان باتت ضرورة وجود أحزاب سياسية تنظيمية لقيادة البعض من النشاطات الى جانب الدعاة المسؤولين طائفياً ودينيا في الطائفة لا بل مازالت الأحزاب هذه تستند الى مرجعيات من هذا النوع لاستغلالها ولتستمد منها التأثير الروحي والتراثي والجماهيري لاستخدامها سياسياً في الكسب التنظيمي والجماهيري وعلى ما يظهر في الواقع ان هذا الامر لم يبقى محصورا في حزب طائفي معين يمثل الطائفة انما تجاوز هذه الحدود بسبب تعدد رسائل الدعاة المؤثرين والصراع الطبقي  في المجتمع الطبقي ولم تنحصر المهمات بحدود دينية طائفية بل تغلغلت المناهج السياسية المغلفة بالدعوات الدينية والطائفية معاً .

ان المحاصصة الطائفية التي نشطت بعد الاحتلال والسقوط عام 2003 ضربت اطنابها بأكثرية مفاصل الدولة والحكومات المتعاقبة وأثرت على القوانين ومنها قانون الانتخابات والمفوضية العليا للانتخابات كما تغلغلت في مجلس الحكم ودوائر الدولة ورئاسة الوزراء والوزارات ومجلس النواب ومجالس المحافظات والمحكمة الاتحادية وعلى المؤسسات الأمنية الجيش والشرطة الاتحادية وتشكيل الحشد الشعبي  والهيئات الدبلوماسية  وكافة المرافق الأخرى في الدولة وأصبحت الأحزاب الطائفية الدينية السياسية وحلفائها يتقاسمون النفوذ والمناصب والمصادر المالية والعلاقات مع دول الجوار وتأثير هذه الأخيرة طائفيا على سياسة وتوجهات هذه الأحزاب التي لا يحد من نشاطها المنفلت قانون أحزاب يمارس رقابته القانونية والتنظيمية والحزبية عليها وها هي على الرغم من  المظاهرات والاحتجاجات واستشهاد حوالي( 800) والازمات المتلاحقة وضياع البلاد والتدخل في شؤونها الداخلية وتخريب القطاعات الصناعية والزراعية والاجتماعية والثقافية والصحية والتعليمية والخدمات العامة  تقريباً وما نتج من كوارث وفواجع وشبه دمار في اكثر من موقع  فهذه الأحزاب باقية تتصارع  للبقاء بواسطة قانون انتخابي يخدمهم ولهذا فهم يتمسكون به حتى الموت، والذي قال عنه رائد فهمي سكرتير الحزب الشيوعي " ان قانون الانتخابات الجديد يحدد ويضيق كثيرا من تطبيق مبدأ المشاركة وضمان تمثيل التنوع القومي والديني والمذهبي والفكري-السياسي في المجتمع الذي ينص عليه الدستور" وتابع فهمي كاشفاً سلبيات القانون الحالي  بالقول مؤكداً " تقليص القاعدة الاجتماعية للتمثيل النيابي اذ  يمكن ان يفوز نائب بنسبة لا تزيد عن ٢٠ او ٣٠ بالمائة من المصوتين، ونسبة أقل من اجمالي  الناخبين في حال تعدد المرشحين للمقعد النيابي الواحد، وهو الامر المرجح، اي ان ٧٠ بالمائة من الناخبين سيكونون بدون تمثيل" هذا غيض من فيض حول الطائفية ومحاصصتها واحزابها وهناك أكثر من ذلك بكثير ولن ينجو العراق الا بالتخلص منها ومن رموزها المؤذية فحسب.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل