/
/
/
/

أجرى الحوار: سوران قحطان

الدكتور صلاح نوري خلف حاصل على شهادة الدكتوراه في المحاسبة القانونية من جامعة بغداد عام 2004. محاضر في المعهد العالي للدراسات المحاسبية والمالية/جامعة بغداد، كما عمل محاضرا في المعهد العربي للمحاسبين القانونين. عمل د. صلاح مدة لا تقل عن 40 سنة في ديوان الرقابة المالية. ترأس ديوان الرقابة منذ عام 2016 ، وحتى احالته على التقاعد في مستهل عام 2020. اصبح رئيسا بالوكالة لهيئة النزاهة عام 2019. كما كلف برئاسة هيئة الأوراق المالية من العام 2016 حتى العام 2018.

وقد كان للثقافة الجديدة الحوار التالي مع الدكتور صلاح:

الثقافة الجديدة: لا نريد ان ندخل جدلا لا طائل تحته، عن ماهية الفساد ومديّات واسباب انتشاره في العراق، فالفساد بتجلياته المتنوعة صار وباءا مستشريا، يستشعر العراقيون بوطأته على كل مفاصل من مفاصل حياتهم اليومية. غير ان هذا لا يمنعنا من ان نتساءل بلسان المواطنين، لماذا مع وجود كل تلك الاجهزة الرقابية العاملة سواء منها القديم او المستحدث: ديوان الرقابة المالية، هيئة النزاهة، مكاتب المفتشين العموميين الملغاة، دوائر التدقيق الداخلي، نجد ان الخطوات الفعلية للتصدي لآفة الفساد ما تزال متواضعة ولا ترقى بأي شكل كان الى جسامة التحدي الذي يمثله.

وهذا يحيلنا الى اسئلة اعمق واكثر جوهرية: هل ان معرقلات مكافحة الفساد هي صعوبات اجرائية فقط أم هي عوائق سياسية؟ وهل تعدد الجهات الرقابية ضرورة فنية وتقنية ام مجرد حلقات بيروقراطية اضافية؟ 

 د. صلاح: يمكن بيان معرقلات مكافحة الفساد من الوجهين، فهناك معرقات اجرائية  كما ان هناك معرقلات سياسية. بالنسبة للمعرقلات الإجرائية فهي كثيرة ومن وأبرزها تماهلالمؤسسات الحكومية في تنفيذ البرامج والمهام المتعلقة بتبسيط إجراءات تقديم الخدمة للمواطنين، على سبيل المثال: التهاون في تفعيل تطبيق الحكومة الالكترونية والنافذة الشخصية التي تتيح تقديم الخدمات للمواطنين دون الاحتكاك بالموظفين وتبسيط الإجراءات، لتلافي الابتزاز وتعاطي الرشوة، إذ بدأت عملية تبسيط الإجراءات منذ عام 2013 من قبل عمل مشترك بين الأمانة العامة لمجلس الوزراء وديوان الرقابة المالية الإتحادي، ونفذ في حينها على دوائر (المرور، والجوازات، والجنسية) وتوقف برنامج تبسيط الإجراءات. وكذلك التأخر في استحداث برامج الدفع الالكتروني للأجور والرسوم والرواتب، وقد بدأ دفع الرواتب عام 2019 ولم يكتمل بالشكل النهائي الذي يقضي على الموظفين الوهميين. ومن العقبات الاجرائية في مكافحة الفساد عدم تفعيل عمل مجلس الخدمة الإتحادي بالنسبة للتعيينات في الوظائف الحكومية. وكذلك عدم إبرام اتفاقيات دولية ثنائية لتسليم المتهمين واسترداد الأموال المنهوبة.

    دون ان نتغافل عن تأخير إنجاز التحقيق في قضايا الفساد من قبل هيئة النزاهة الاتحادية، وذلك بسبب قلة عدد المحققين، والحاجة إلى تطوير مهارات التحقيق إزاء قضايا الفساد الكبرى والمعقدة، وقد سبق أن تمت الاستعانة بالخبراء الدوليين في فترة السيد رئيس الوزراء الأسبق ثم وتوقف المشروع.

ومن أمثلة حالات الفساد الكبرى التي اكتشفها الديوان واحالها إلى هيئة النزاهة الاتحادية منذ عام 2019، وبقيت ما بين النزاهة والقضاء، ولم تحسم لغاية السنة الحالية هي ملف النازحين، إذ اكتشف الديوان الحالات الآتية في تقرير منحة المليون دينار نقداً للنازحين:

5610 حالة بصمة متشابهة واحدة تأييداً بإستلام المنحة بدلاً عن النازحين؛

4235 حالة تكرار في صرف منحة المليون دينار؛

36765 حالة بصمة غير واضحة المعالم؛

حالة بمبلغ مقداره (51647) مليون دينار (واحد وخمسون مليار وستمائة وسبعة وأربعون مليون دينار)؛

فضلاً عن تقاريره عن الفساد المالي بشراء وتوزيع السلة الغذائية والخيم للنازحين.

     كما يلاحظ ان هناك توقف في متابعة ومعرفة نتائج القضايا التي تحال إلى القضاء، إذ أحالت هيئة النزاهة الاتحادية إلى القضاء (2600) قضية إلى الادعاء العام عام 2019، ومن أبرز ما قام به الديوان في تقريره عن مخالفات إشغال عقارات الدولة في المنطقة الخضراء ومناطق أخرى عام 2019، ولم يتمكن من متابعة الموضوع وما هي القضايا التي حُسمت.

     أما بالسبة للمعرقلات السياسية فهي متعدد  وكثيرة ايضا. من بينها إن العمل بالعرف السياسي أو ما يسمى المحاصصة الحزبية في توزيع الوزارات والوظائف القيادية فيها والذي جرى إعطائه السند القانوني بموجب القرار التشريعي رقم (44) لسنة 2008، الفقرة (6) منه والتي نصت على (تنفيذ المتفق عليه من مطالب القوائم والكتل السياسية وفق إستحقاقها في أجهزة الدولة لمناصب وكلاء الوزارات ورؤساء الهيئات والمؤسسات والدرجات الخاصة، وعلى مجلس النواب الإسراع في المصادقة على الدرجات الخاصة). ونشر هذا القرار في الوقائع العراقية بالعدد (4102) في 2/12/2008 بعد مصادقة مجلس رئاسة الجمهورية.

إن هذا العرف السياسي ومن ثم القرار التشريعي المذكور ظهرت تداعياته على جانبين مهمين: الأول، تولي الوظائف القيادية والخاصة وحتى المتوسطة أشخاص لا تتوفر فيهم (الكفاءة، المهنية، الحيادية، تغليب المصلحة العامة) والعمل على وفق القوانين والتعليمات النافذة، مما أدى إلى إرتكاب الأخطاء والمخالفات المالية الجسيمة واستغلال الوظيفة العامة للمصالح الشخصية في أغلب المؤسسات الحكومية. والجانب الثاني هو التعاقدات الحكومية، فنتيجة ما ورد في أعلاه، احيلت التعاقدات الحكومية (عقود التجهيز، إنشاء المشاريع الإستثمارية) إلى شركات غير رصينة وبمبالغ مغالى بها، وإن ديوان الرقابة المالية الإتحادي أصدر مئات التقارير عن تنفيذ المشاريع، وشخَّص العديد من المخالفات المالية، وانتهاك التعليمات، والتلكؤ في إنجاز المشاريع فيما يخص الوزارات الاتحادية والحكومات المحلية في المحافظات وإبلاغ السادة الوزراء والمحافظين بالمخالفات، ومكاتب المفتشين العموميين بالتحقيق بمئات المخالفات.

وقد لاحظ الديوان تكرار المخالفات المالية في تنفيذ التعاقدات، فقدم تقريرا ملخصا عن نتائج تدقيق التعاقدات للسنوات (2014- 2017) إلى السيد رئيس الوزراء الأسبق (د.حيدر العبادي) عام 2017، وتم تشكيل لجنة من هيئة المستشارين في مكتب رئيس الوزراء، لدراسة التقرير، وقدمت اللجنة مجموعة توصيات لتلافي جوانب الخلل والمخالفات في التعاقدات مع التركيز على مشاريع الطاقة، وحصلت موافقة السيد رئيس الوزراء على التوصيات، إلا انها لم تنفذ من قبل الوزارات المختصة.

وهناك تداعيات مالية كبيرة تنتج عن إحالة المشاريع الاستثمارية إلى شركات غير رصينة حيث لم تسترد مبالغ السلف عندما تلكأت عمليات انجاز المشاريع، حيث يدفع للشركات المنفذة عند ابرام العقد سلف بقيمة 20% من مبلغ العقد الكلي. وقد بلغت نسبة السلف غير المطفأة (غير المستردة) الممنوحة للشركات 50% من إجمالي السلف غير المطفأة بكل أنواعها والبالغة بحدود (100) ترليون دينار للسنوات (2007- 2018)، أي بمبلغ بحدود (50) ترليون دينار.

من جهة اخرى، يضاف إلى ما أنفق على المشاريع الإستثمارية لمختلف الوزارات ضمن الموازنة الإستثمارية، صرفت مبالغ من الإقتراض الخارجي، على أغلب المشاريع المتلكئة في الإنجاز، التي تعود إلى (الكهرباء، الري، الموانئ، الطرق والجسور، الماء، الصرف الصحي، الصحة، التربية، الاتصالات، اقليم كوردستان، إعادة اعمار المناطق المحررة) وبمبالغ بالدولار واليورو والين الياباني لغاية 2018، وكما يأتي: 7183 مليون دولار (سبعة مليار ومائة وثلاثة وثمانون مليون دولار)، 646 مليون يورو (ستمائة وستة وأربعون مليون يورو)، و 309971 مليون ين ياباني (ثلاثمائة وتسعة مليار وتسعمائة وواحد وسبعون مليون ين).

بالإضافة إلى ما ذكر من سلف غير مطفأة، واقتراض خارجي، صرف فعليا على مشاريع الموازنة الاستثمارية لكل الوزارات والحكومات المحلية للفترة (2007-2018) وهي بمعظمها مشاريع متلكئة مبلغاً مقداره (248241) مليار دينار (مائتان وثمانية وأربعون ترليون ومائتان وواحد وأربعون مليار دينار)، بموجب سجلات وزارة المالية والمذكورة في تقرير الديوان (نتائج تنفيذ الموازنة العامة لجمهورية العراق للموازنتين الجارية والاستثمارية للسنوات (2004-2018) والموزع على كل اللجان النيابية، منذ عام 2019.

من المهم جدا العمل على تطبيق قرار المحكمة الاتحادية (العدد: 89/ اتحادية/ 2019) القاضي بعدم دستورية الفقرة (6) من القرار التشريعي (44) لسنة 2008.  ان هذا القرار يؤشر بصورة واضحة على عدم شرعية ترسيخ المحاصصة السياسية (الحزبية) بواسطة القوانين.

اما فيما يخص تعدد الأجهزة الرقابية، فإن إنشاء جهاز رقابي يستند بالأساس إلى الحاجة في معالجة  ظواهر الفساد والحد من انتشارها، فكما يعلم الجميع بأن الفساد له صور متعددة ولا يمكن لجهاز رقابي واحد يقوم بالوقاية والكشف عن الفساد ومحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، لذا اقتضت المصلحة إنشاء عدة أجهزة رقابية ولكل جهاز دوره في مراقبة وكشف حالات الفساد، شريطة أن تعمل تلك الأجهزة بشكل تكاملي.

الثقافة الجديدة: بالرغم من جميع العقبات القانونية والسياسية، كان ديوان الرقابة المالية وما زال يعتبر اعرق مؤسسات الدولة الرقابية، وأحد الأجهزة الرائدة في الكشف عن حالات الغش والتلاعب ومكافحة الفساد المالي والإداري.  وقد ترأستم ديوان الرقابة المالية لمدة ليست بالقصيرة، يضاف لها خبرة 40 سنة من العمل المستمر  في ذات الديوان، فهل يا ترى، ما زال الديوان قادرا على النهوض بدوره الرقابي الذي حدده له القانون، في ظل التحديات الكبيرة والمختلفة القائمة ؟ وهل ساهمت الاطر الرقابية الجديدة في تطوير النشاط الرقابي للديوان ام عملت على تقييّده او على الاقل تعقيده؟

على سبيل المثال لا الحصر، كان الديوان قد حذر نهاية العام الماضي الى تعرضه إلى اختلال نوعي وكمي في كوادره المتقدمة، ومن مختلف الاختصاصات إثر التعديل الاخير لقانون التقاعد، مشيراً إلى أن الديوان لم يتعرض إلى مثل هذه الحالة منذ تأسس عام 1927.

 مؤخرا اصبح ديوان الرقابة قادرا على احالة الدعاوى مباشرة الى الادعاء العام وهي فقرة كانت معطلة تقريبا من قانونه. حيث ان اغلب تقارير المراقبين الماليين كانت ترفع الى مكاتب المفتشين العموميين الملغاة او الى النزاهة. وقد درّب الديوان عددا من كوادره على التدقيق القضائي. واصبح الاخير قادرا بعد  ان يتوصل الى الادلة الجنائية ثم يحيلها الى المدعي العام دون ان تمر بأية جهة.

بالمقابل، لم تفعل لحد اللحظة فقرات المادة 5 من قانون الادعاء العام  رقم 49 لسنة 2017 والمتعلقة بتشكيل دائرة في رئاسة الادعاء العام تسمى دائرة المدعي العام الإداري والمالي، تشرف على   مكاتب للادعاء العام المالي والاداري التي تشكل في دوائر الدولة. فكيف يا ترى سيؤثر هذا على عمل المدقق القضائي؟

 من جهة اخرى، لماذا مازالت المادة 15 من قانون ديوان الرقابة المالية (31) لسنة 2011 شبه معطلة؟ هذه المادي التي تعطي  لرئيس الديوان الحق في ان يطلب من الوزير او من رئيس الجهة الخاضعة للرقابة بإحالة الموظف المسؤول عن المخالفة الى التحقيق او سحب يده، وإقامة الدعوى المدنية حول الاضرار التي تلحق بالدولة جراء المخالفات المالية، واخيرا تضمين الموظف هذه الاضرار.

 د. صلاح: يتمتع ديوان الرقابة المالية الاتحادي بخاصية مهمة وهي العمل المؤسسي، وهو ما جعله مؤسسة مهنية وحيادية وموضوعية في عمله، طوال تاريخه، ولم يتأثر بالتغيرات السياسية، إذ إن القيم المؤسسية (الحياد والاستقلال والالتزام بقواعد السلوك المهني، وتطوير القدرات المستمر) هي ثقافة هذه المؤسسة، وانعكست على موظفيه إبتداءً من التعيينات بانتقائية مهنية، والتدريب المستمر، والحصول على الشهادات العليا المتخصصة، والأهم الحفاظ على الاستقلال والحياد من التأثيرات السياسية، وحظيت هذه الاستقلالية والحيادية باحترام السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية.

وبسبب طابع عمله المؤسسي هذا حافظ الديوان على رأس المال الفكري، وبالتالي فهو قادر على أداء دوره الرقابي في ظل التحديات الداخلية والخارجية. لكن مستوى الدور الرقابي للديوان حالياً قد تراجع بعد تنفيذ قانون التقاعد رقم (26) لسنة 2019 الذي أدى بشكل سريع ومفاجئ إفراغه من الملاك المتقدم والخبراء وبالتالي سيتأثر دون شك، وهذا ما بيناه في تقريرنا الموجه إلى السيد رئيس مجلس النواب بالعدد (29983) في11/12/2019.

    إن الأطر الرقابية الجديدة التي نفذها الديوان قد أسهمت في تحسين جودة التدقيق. وهذ الاطر هي : التدقيق المستند إلى المخاطر، تقويم أداء البرامج والسياسات، التدقيق التخصصي، التدقيق القضائي. فيما يخص التدقيق المستند إلى المخاطر وتقويم أداء البرامج والسياسات والتدقيق التخصصي فقد ارتقى العمل به وأصدر مئات التقارير، وخصوصاً تقويم أداء البرامج والسياسات للوزارات الاتحادية، والحكومات المحلية، وكل ما ذكر فإن التقارير منشورة على الموقع الالكتروني للديوان ، اما التدقيق القضائي فإن نتائجه متواضعة، بسبب ان اكتساب مهارات التدقيق القضائي يختلف عن التدقيق المالي، وقد استغرقت عمليات التدريب مدة سنتين (2017، 2018) بالتعاون مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، كما تم الاطلاع على تجربة كوريا الجنوبية وجمهورية مصر العربية. وقد أرسلت العديد من التقارير إلى المدعي العام، طبقاً للمادة (16) من قانون الديوان، والعمل والتطوير في هذا المجال مستمر.

    أما التحديات في تطبيق إجراءات التحقيق من قبل الديوان وفقاً للمادة (16) البند (خامساً) التي نصها (إجراء التحقيق الإداري في الأمور التي يطلب مجلس النواب إجراء التحقيق فيها) فهي لم تنفذ لوجود تعارض تشريعي مع قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم (14) لسنة 1991 (المعدل)، إذ إن التحقيق الإداري يجري في الوزارة أو الجهة غير المرتبطة بوزارة، وصلاحية الوزير المختص بالمصادقة على توصيات لجنة التحقيق الإداري، وبالتالي لا توجد صلاحية لرئيس الديوان بالمصادقة على توصيات لجنة التحقيق الإداري وفقاً للمادة المذكورة أعلاه.  

    وفيما يخص تفعيل المادة (5) من قانون الادعاء العام رقم (49) لسنة 2017، فقد تم تفعيل المادة المذكورة عام 2019 على وزارتي (الكهرباء والصحة)، إذ جرى تعيين مدعي عام مع فريق عمل من هيئة النزاهة الاتحادية وديوان الرقابة المالية الاتحادي. إن فتح مكاتب الادعاء العام في الوزارات يسهل في توصيل نتائج التدقيق القضائي بالإحالة مباشرةً إلى المدعي العام المختص بالوزارة المعنية، والتنسيق بين الديوان والمدعي العام أفضل وأسرع، ولنجاح هذه التجربة، ينبغي عقد لقاءات دورية بين الديوان والمدعي العام ومكاتب في الوزارات، لتذليل الصعاب، وزيادة الفهم المشترك بين عمل الديوان ومتطلبات عمل المدعي العام.  

 الثقافة الجديدة: شرّع مجلس النواب العراقي بتاريخ  8/10/2019 ، قانون رقم (24 ) لسنة 2019، حلَّ بموجبه مكاتب المفتشين العمومين وذلك  بإلغاء امر سلطة الاحتلال رقم (57) لسنة 2004. وقد اثار هذا القانون جدلا كبيرا. فمن جهة، يرى مؤيدوه ان مكاتب المفتشين العموميين اصبحت ادوات روتين وعرقلة، دون ان تسطيع القيام بواجبها الرقابي الحقيقي، بل مرتعا خصبا للخروقات والفساد واهدار المال العام. وان قسماً من هذه المكاتب اصبحت "وزارة" داخل وزارة، وبالتالي تخضع  لنفس شروط ونهج المحاصصة. بالمقابل، كان معارضو الغاء مكاتب المفتشين العموميين، يقترحون اصلاحها ودعمها وتوفير متطلبات استقلالها، وهذا لا يتحقق إلا عن طريق فك جهة ارتباطها  بالوزارة، وتحويله الى جهة اخرى. 

    من جهة أخرى، ان نص القانون اثار جدلا من نوع آخر، فهو قد حدد ان كافة الوثائق والاوليات والملفات في هذه المكاتب تؤول الى هيئة النزاهة. بينما كانت النسخة القديمة لمقترح القانون عام 2017، قد حددت ان الموجودات بما فيها السجلات والاضابير والبيانات والقضايا كافة تؤول إلى دائرة المدعى العام الاداري والمالي المنصوص عليها في قانون الادعاء العام رقم (49) لسنة 2017، وذلك بغية تفعيل دور الادعاء العام والسلطة القضائية في ممارسة مهامهم الرقابية.  حيث ان قانون الادعاء العام الجديد رقم (49) لسنة 2017، منح جهاز الادعاء العام سلطات واسعة في مكافحة الفساد والتحقيق الإداري واتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها محاربة الفساد، اذا فعل البند 14 من المادة 5 من قانون الادعاء العام.

ما هي وجهة نظركم بمسالة ألغاء مكاتب المفتشين العموميين وكذلك بالجهة التي آلت لها وثائق واضابير وموجودات هذه المكاتب؟ وهل من تعليقات اضافية تساهم في اضاءة هذه القضايا؟

 د. صلاح: إن مكاتب المفتشين العموميين جهاز رقابي جديد أنشأ بعد عام 2003. وقد اصطدم عملها بالعديد من العقبات والمشاكل ذات طبيعة تشريعية او إجرائية، وقد اثرت كل هذه الاشكاليات بشكل كبير على أداء المهام المنوطة به. وقد حقق في بعض الوزارات نجاحاً ملموساً وأسهم بالكشف عن ملفات فساد كبيرة، في حين نجد في وزارات أخرى أخفاق في القيام بواجبه الرقابي والتحقيقي. وقد كانت رؤيتنا أن يتم إصلاح ذلك الجهاز سواء من حيث التشريع وتوفير متطلبات الإستقلالية لما لتلك المكاتب من أهمية، كونها تعمل داخل الوزارة وانها الأقرب في الكشف عن حالات التبذير والهدر بالمال العام، بما تجريه من تحقيقات إدارية، إلا أن القرار النهائي للسلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب، والذي شرع الغاء مكاتب المفتشين العموميين وإحالة كافة الوثائق والأوليات إلى هيئة النزاهة الاتحادية. والكمية الهائلة لتلك الوثائق شكلت عبئاً على الهيئة، حيث بادرت الى تشكيل لجان متخصصة لفرز تلك الوثائق وتحديد أولوياتها بعد جردها بالكامل مع مكاتب المفتشين العموميين الملغاة.

إن الغاء مكاتب المفتشين العموميين أحدث فجوة في الجهاز الرقابي، وما زالت الهيئة تعاني من تلك الفجوة، وخصوصاً موضوع التحقيقات الإدارية التي كان يجريها مكتب المفتش العام والتي تعتبر إحدى الركائز الأساسية في عمل الهيئة، وتحاول الهيئة معالجة تلك الثغرة من خلال تشكيل فرق ولجان من المحققين إضافةً إلى مهامهم بموجب القانون لتكون بديلاً عن التحقيقات الإدارية، لكن لا يخلو هذا الإجراء من صعوبة لقلة ملاك الهيئة التحقيقي مقارنةً بأعداد الموظفين في مكاتب المفتشين العموميين الملغاة.

  الثقافة الجديدة: بعمرها القصير تمكنت هيئة النزاهة من أن تكون من اهم اعمدة منع ومكافحة الفساد. حيث اعتبرها المشرّع الجهة المنوط بها التحقيق في قضايا الفساد. وفي سبيل تعزيز امكانيات الهيئة وجهودها للكشف عن حالات الفساد  شرّع القانون رقم (30) لسنة 2019 والذي تضمن تعديلا لقانون الهيئة رقم (30) لسنة 2011  حيث وسّعت دائرة المشمولين  بكشف الذمة المالية ومصادر التمويل. لكن الهيئة ما زالت تواجه العديد من التحديات والعقبات في عملها. فرغم جميع قصص النجاح، لم يكن للهيئة أي دور ملموس في الحد من ظواهر الكسب غير المشروع وتضخم الاموال، وكذلك من ناحية استعادة الاموال المهربة، وتسلم الهاربين. 

    كما ان حل مكاتب المفتشين العموميين قد اضاف اعباء جديدة على عاتق الهيئة ، حين احال لهم كافة وثائق وملفات هذه المكاتب، تبدو وفق واقعها الحالي، خصوصا لجهة قلة المختصين، غير قادرة على النهوض بذلك. 

ترى هل هذه الصعوبات ذات طبيعة اجرائية قانونية، ام هي صعوبات ذات مضامين سياسية؟

هل من افكار اضافية تؤشر على ابرز هذه المسائل؟

 د. صلاح: في البدء من المفيد التعرف على الهيكل الاداري لهيئة النزاهة الاتحادية، ومن ثم التطرق الى التحديات التي تواجهها. تتكون الهيئة من (9) دوائر عامة، هي: دائرة التحقيقات، الدائرة القانونية، دائرة الوقاية، دائرة التعليم والعلاقات العامة ، دائرة العلاقات مع المنظمات غير الحكومية، الدائرة الادارية والمالية، دائرة البحوث والدراسات، دائرة الاسترداد، واخيرا الاكاديمية العراقية لمكافحة الفساد.

هذه الدوائر مرتبطة بالهيئة مباشرة، ويوجد صندوق استرداد أموال العراق بموجب القانون رقم (7) لسنة 2019 المعدل، وللصندوق مجلس ادارة يراسه رئيس هيئة النزاهة ونائبه مدير عام دائرة الاسترداد وممثلين عن وزارات وجهات  غير مرتبطة بوزارة.

     فيما يخص مهام مكافحة الفساد والكشف عن الكسب غير المشروع واسترداد الاموال العامة المهربة والمتهمين بها، فان الدوائر العامة المختصة بهذه المهام هي:-

  • دائرة التحقيقات: تتولى القيام بواجبات التحري والتحقيق في قضايا الفساد، وفقا لأحكام قانون النزاهة رقم (30) لسنة 2019 المعدل، وقانون اصول المحاكمات الجزائية.
  • دائرة الوقاية: تتولى القيام بالواجبات اللازمة لملاحقة وتقديم تقارير الكشف عن الذمة المالية، ومراقبة سلامة وصحة المعلومات المقدمة فيها، وتدقيق تضخم اموال المكلفين بتقديمها بما لا يتناسب مع مواردهم، واعداد لائحة السلوك.
  • دائرة الاسترداد: تتولى مسؤولية جمع المعلومات ومتابعة المتهمين المطلوبين للهيئة خارج العراق، واسترداد اموال الفساد المهربة للخارج، بالتعاون والتنسيق مع الجهات المعنية.
  • صندوق استرداد اموال العراق: يتولى استرداد الاموال العامة المنهوبة والمهربة بعد 2003 والصادر بموجب القانون (7) لسنة 2019.

     إن المحور القانوني لهيئة النزاهة العامة قد تحقق لإنجاز مهامها بإصدار قانون رقم (30) لسنة 2019 المعدل، اذ زادت صلاحيات دائرة الوقاية المسؤولية عن مراقبة تضخم الاموال، وجمع المعلومات عن كشف الذمة المالية، وهذا ما لم يكن في القانون رقم (30) لسنة2011، كما زادت صلاحية دائرة الوقاية بشمول أي من الفئات بكشف الذمة المالية ومراقبة تضخم  الاموال من غير الفئات المشمولين اصلا بالقانون.

ولكن التحدي هو في الجانب الاجرائي المتمثل بالاتي:

  • شمول عدد كبير من المكلفين المشمولين بالكشف عن ذممهم المالية، لا يتناسب مع عدد الموظفين المكلفين بالمهمة.
  • صعوبة التحري عن ممتلكات المشمولين بالكشف عن الذمة المالية وخصوصا ممتلكاتهم خارج العراق.
  • الحاجة الى عقد اتفاقيات ثنائية مع بعض الدول التي تتيح المعلومات المطلوبة عن حالة المكلف المالية في تلك الدول.
  • البطء في حصول الهيئة على المعلومات العقارية الخاصة بالمكلف لعدم وجود قاعدة بيانات لدى التسجيل العقاري تؤمن هذه المعلومات عد الطلب.
  • عدم تحديد معيار لتضخم الاموال بموجب قانون النزاهة رقم (30) لسنة 2011، مما جعل العمل يعتمد على الاجتهاد الشخصي فالهيئة لها اجتهادها وقد يكون للقضاء راي آخر.

       إلا ان القانون رقم (30) لسنة 2019 المعدل، قد عالج موضوع معيار قياس تضخم الاموال غير المشروع، اذ عُرِّف الكسب غير المشروع هو كل زيادة بنسبة (20%) سنويا عن اموال المكلف او اموال الزوجه او الاولاد، لا تتناسب مع مواردهم الاعتيادية، ولم يثبت المكلف سببا مشروعا لهذه الزيادة، يعد كسبا غير مشروع للأموال، والذي يثبت ذلك بقرار قضائي.

    إن ما ذكر آنفا من تحديات اجرائية حالت دون احراز نتائج مرضية في موضوع الحد من ظواهر الكسب غير المشروع.

    أما ما يخص استرداد الاموال العامة المهربة قبل عام 2003 والذي من اختصاص دائرة الاسترداد فإن النتائج ايضا متواضعة للأسباب الاتية:

  • ينبغي وجود اتفاقيات ثنائية مع الدول التي توجد فيها الاموال المهربة.
  • توافر الادلة الجنائية والقرارات القضائية التي تثبت بأن الاموال هي اموال عامة مهربة، ووان المتهمين بموجب قرارات قضائية، ومع ذلك قناعة الدولة المعنية بالقرارات القضائية. اذ ان العديد من الاشخاص قد حصلوا على لجوء سياسي او انساني ولديهم حصانة.

     بالنسبة لاسترداد الاموال العامة المهربة بعد عام 2003 وهي من اختصاص صندوق استرداد اموال العراق ايضا فالنتائج متدنية ولنفس الاسباب. فضلا عن سبب آخر مهم هو قناعة الدولة التي توجد فيها الاموال العامة المهربة والاشخاص المتهمين بان دوافع المطالبة باسترداد المتهمين غير سياسية، وانما جنائية بحتة.

 الثقافة الجديدة:  لم يتم اشراك ديوان الرقابة المالية بدراسة عقود جولات التراخيص، ولم يطلع على صياغتها، بل اقتصر دوره لاحقا على تدقيق مخرجات تلك العقود، وتفحص جولات التراخيص الخمسة، ورفعَ تقاريره الى رئاسة الوزراء. لكن جولات التراخيص هذه اثارت وما زالت تثير الكثير من التساؤلات، خصوصا لجهة ان العقود صيغت دون امكانية تعديل لتحقق مصالح الشركات. بعضها يخص النفقات المُبالغ بها والتي جرى تحميلها للعراق. والبعض الآخر يتعلق ببنود تعاقدية، تلتزم فيها الشركات بمستويات معينة من الانتاج وزيادته وتفرض على الطرف العراقي تقديم تعويضات للشركات في حال مطالبة الشركات بخفض انتاجها، كما هو الظرف الراهن.

هل يقوم ديوان الرقابة المالية بتدقيق حسابات الشركات النفطية وتطبيق عقود جولات التراخيص؟ وهل يواجه ايه اعاقات في هذا الشأن؟ وما هي ابرز المخالفات والهدر المالي التي شخصها الديوان؟ وهل تكمن الاسباب في نصوص العقود ام في الممارسات وضعف الكفاءة الادارية والفساد ؟ ما هي مقترحات الديوان لمعالجة هذه المشاكل ؟

 د. صلاح: في البدء نود توضيح ماهية عقود جولات التراخيص والحقول النفطية المشمولة. إن جولات التراخيص هي عبارة عن مجموعة عقود خدمية نفطية ضمن جولة واحدة، فعدد جولات التراخيص لغاية عام 2019 بلغ خمس جولات، وعدد العقود (24) عقداً، وبدأ العمل بها منذ عام 2009، ويمكن بيان طبيعة العقود ومددها بحسب الجولات:

  • الجولة الأولى: أربعة عقود للخدمة الفنية، تراوحت من (20-30) سنة، في حقول الرميلة، الزبير، غرب القرنة/1 في حقول ميسان (البزركان، الفكة، ابو غراب)، تاريخ التعاقد 2009- 2010.
  • الجولة الثانية: سبعة عقود خدمة تطوير وإنتاج تراوحت من (20-25) سنة، في حقول مجنون، غرب القرنة/2، الغراف، الحلفاية، بدرة، القيارة، نجمة، تاريخ التعاقد عام 2010.
  • الجولة الثالثة: ثلاثة عقود خدمة تطوير وإنتاج الغاز، لمدة 20 سنة، في حقول السيبة، المنصورية، عكاس، تاريخ التعاقد 2011.
  • الجولة الرابعة: أربعة عقود خدمة استكشاف وتطوير وإنتاج تراوحت من (30-40) سنة للرقع الجغرافية في المحافظات (ديالى، واسط، ذي قار، المثنى، النجف)، تاريخ التعاقد 2012-2013.
  • الجولة الخامسة: ستة عقود خدمة استكشاف وتطوير وإنتاج تراوحت من (20-25) سنة في حقول كلابات، قمر، نشم الأحمر، انجانة، خضر الماء، نفط خانة، الحويزة، السندباد.

     إن التفاوض وإبرام عقود جولات التراخيص انفردت بها وزارة النفط/ دائرة العقود والتراخيص. بينما إدارة عمليات العقود، فهي إدارة مشتركة بين الجانب الحكومي المتمثل بإحدى شركات وزارة النفط مع الشريك الأجنبي شركة واحدة أو ائتلاف شركات وتسمى إدارة العمليات المشتركة، مستقلة مالياً وإدارياً.

بالنسبة لتدقيق حسابات الشركات الأجنبية فتدقق من قبل مدقق دولي بالشراكة مع مراقب حسابات عراقي، مجاز من قبل مجلس مهنة مراقبة وتدقيق الحسابات، وهذا منصوص عليه في بنود العقود المبرمة، ولا تخضع حسابات الشركات الأجنبية بشكل منفرد لتدقيق ديوان الرقابة المالية الاتحادي.

ان ديوان الرقابة يدقق مصاريف هيئة التشغيل المشترك التي تمثل الجانب الحكومي الشركات الاستخراجية العراقية والجانب الأجنبي الشركة الأجنبية أو ائتلاف الشركات الأجنبية. وقد أصدر عدة تقارير عن مصاريف هيئة التشغيل المشترك لعدد من العقود، وشخص العديد من الملاحظات الرقابية. ومن أبرز تقارير الديوان تقريره ذي العدد (18662) في  5/9/2018 عن نتائج تدقيق عقود الخدمة النفطية لجولات التراخيص وموجه إلى مكتب رئيس الوزراء، تضمن العديد من الملاحظات في الجانب القانوني والفني والمالي، ومقارنة حصة الشريك الحكومي مع حصة الشريك الأجنبي من عوائد إنتاج النفط والغاز، ويمكن بيان أبرز الملاحظات المشخصة من قبل الديوان:

  • لا يوجد قانون خاص في العراق لغاية الوقت الحاضر ينظم استغلال الثروة الهيدروكربونية، خلافاً للمادة (112/ أولاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
  • عدم وجود قانون ينظم عقود الخدمة النفطية لجولات التراخيص أسوة بالعقود الأخرى (عقود الأشغال العامة، عقود تجهيز السلع والخدمات، العقود الاستشارية) التي نظمها قانون العقود الحكومية العامة رقم (87) لسنة 2004، وتعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة 2008، ورقم (2) لسنة 2014.
  • تمت المصادقة على عقود الخدمة النفطية من قبل مجلس الوزراء، إستناداً إلى المادة (39) من عقود جولات التراخيص، خلافاً للمادة (80) من الدستور، التي حددت صلاحية مجلس الوزراء ولم تكن صلاحية المصادقة على العقود النفطية من ضمن الصلاحيات، ويرى الديوان إن هذه الصلاحية لمجلس النواب وفقاً لما جاء في المادة (111) من الدستور، التي قضت بأن النفط والغاز ملك الشعب العراقي في الاقاليم والمحافظات.
  • تم إجراء عدة تعديلات على عقود الخدمة النفطية من قبل وزارة النفط بعد استحصال موافقة لجنة الطاقة الوزارية، ويرى الديوان ليس من صلاحية هذه اللجنة الموافقة على التعديلات وانما هي من صلاحية مجلس الوزراء الذي وافق على عقود الخدمة الأساسية.
  • تم تشكيل شركة التشغيل المشترك، وهي شركة أحد أطرافها إحدى شركات وزارة النفط والطرف الثاني الشركة الأجنبية أو ائتلاف شركات أجنبية، تدير العمليات الفنية والمالية، ويرى الديوان انه لا يوجد سند قانوني يسمح للشركات أو الأشخاص (أجانب أم عراقيين) بتأسيس شركات تعمل في مجال استخراج النفط والغاز.
  • تمديد مدة إنتاج الذروة وتخفيض هدف إنتاج الذروة لبعض العقود، على الرغم من عدم تحقيق الشركات مستويات الإنتاج المحددة سابقاً، التي اعتمدت كأساس للمنافسة وترسية العقود.
  • من الناحية المالية تخفيض حصة الشريك الحكومي لحقول (الحلفاية، الرميلة، الزبير، غرب القرنة/1) يقابلها زيادة حصة الشريك الأجنبي، نتيجة تمديد مدة إنتاج الذروة وتخفيض هدف إنتاج الذروة، إذ إزدادت نسبة الشريك الأجنبي من الربحية من 75% إلى 90% وزيادة أجر الربحية دولار/ برميل من (0,28 – 1,4) .
  • دخول وخروج الشركات الأجنبية المتعاقدة فضلاً عن وجود حالات تنازل عن الحصص بين الشركات المتعاقدة دون وجود نصوص أو ضوابط عقدية تنظم ذلك.
  • انحسار عمل الشركات العالمية مثل (برتش بتروليوم، أكسن موبيل، شل)، في حقلي (الرميلة وغرب القرنة/1)، والشركة الروسية (لوك أويل، باش نفط) في حقل غرب القرنة/2 والرقعة الجغرافية (10)، (12) من الجولة الرابعة، اما بقية التعاقدات فكانت للائتلافات (الصينية، التركية، الماليزية، الفرنسية، الكويتية، الانغولية، الهيئة المصرية للبترول، الباكستانية، التركمانستانية، الإمارتية).

 وقد اصدر ديوان الرقابة المالية (22) تقريرا عن تدقيق مصاريف شركة التشغيل المشترك، شخص فيها العديد من الملاحظات. أبرزها ما يتعلق بتحميل كلف إنتاج النفط بالمصاريف الإدارية وغير المباشرة للشركات الأجنبية، التي ليست لها علاقة بكلف الإنتاج، فضلاً عن أن الشركات الاستخراجية العراقية تبالغ في كلف إنتاج النفط، لغرض الحوافز، إذ تحتسب الحوافز للعاملين بنسبة 20% من كلف إنتاج النفط في شركة استخراج النفط وهي تمثل شريك حكومي في شركة التشغيل المشترك.

فيما يخص معوقات عمل الديوان في هذا المجال فهي عديدة ، ومن ابرزها:

  • عدم توفير مستندات مصاريف الشريك الأجنبي، التي تؤيد صحة الصرف والخاصة على سبيل المثال رواتب العاملين الأجانب والحوافز، رواتب الخبراء، بدل استئجار سكن الخبراء خارج العراق، مصاريف السفر بالطائرات ومصاريف العلاج، ومصاريف الشركات الأمنية، وكل المصاريف الإدارية، فضلاً عن المصاريف التشغيلية المتعلقة بالإنتاج، إذ تحفظ المستندات خارج العراق في مقر الشركة الأم، وبهذا لا يستطيع الديوان التحقق من صحة هذه المصاريف الضخمة.
  • صعوبة وصول الرقباء الماليين إلى أماكن العمل في الحقول النفطية، وعدم السماح في أحيان أخرى من قبل الشركات الأمنية المتعاقدة معها الشركات الأجنبية، بدلاً من توفير الحماية من الجانب العراقي، مما يصعب التحقق ميدانياً من الموجودات الثابتة والمخزنية وتواجد الخبراء في حقل العمل الذين يتقاضون رواتب عالية، فضلاً عن عدد العاملين الأجانب.
  • قلة عدد الرقباء الماليين لتغطية نشاط كل إدارات التشغيل المشترك لعقود الخدمة النفطية، فضلاً عن المتخصصين في المجال الفني النفطي.

  وقد قدم الديوان العديد من المقترحات للتغلب على هذه الاشكاليات ومن اهمها :

  • إعادة النظر بعقود الخدمة النفطية وملاحق التعديلات من حيث تقليل المصاريف الإدارية للشركات الأجنبية.
  • توفير المستندات التي تثبت مصاريف الشركات الأجنبية والسماح للرقباء الماليين بالزيارات الميدانية في مواقع العمل فيما يخص أعمال التدقيق.
  • إعادة طريقة احتساب حصص الشركات الأجنبية والشريك العراقي لضمان مصلحة الجانب العراقي المنصفة، إذ كما تم ذكره آنفاً في بعض العقود حصة الشريك الأجنبي 90% والمتبقي حصة الشريك الحكومي.
  • تلافي الجوانب القانونية المذكورة آنفاً.
  • تقييم مستوى نقل الخبرة والتكنولوجيا للجانب العراقي من هذه العقود.
  • تقييم مستوى إسهام الشركات الأجنبية في الحفاظ على البيئة.
  • تقييم مستوى تحسين نوعية النفط (التنقية من الشوائب).
  • تقييم مستوى العمل على تلافي الهدر بالغاز المصاحب والغاز الحر، وتحديد أقرب مدة زمنية للاستفادة منه محلياً والاستغناء عن الاستيراد.

  الثقافة الجديدة: لا تزال الحسابات الختامية لعدد من السنوات غير مكتملة ويقوم مجلس النواب بمناقشة الموازنات العامة واقرارها من دون الاطلاع على الحسابات الختامية خلافا لما ينص عليه الدستور. لماذا هذا التأخر في اعداد الحسابات الختامية وما هي المعوقات الرئيسية؟

           فبحسب المعلومات المتوفرة فان الحسابات الختامية متوفرة لحد عام ٢٠١٣ على الاقل، ولكن لم نلمس الاستفادة منها في المناقشات البرلمانية والاقتصادية بصورة أعم، فهل يُعزى ذلك الى النشر المحدود لها؟ أم لطريقة عرضها بشكل تفصيلي من دون خلاصات واستنتاجات عامة ؟ أم لأسباب اخرى غير معروفة لحد الان؟

           وما هي الخطوات والاجراءات التي يمكن ان يتخذها الديوان لضمان الاستخدام الافضل لها وتسليط الاهتمام على ما تكشفه هذه الحسابات بالنسبة للأداء الحكومي ؟

 د. صلاح: من المفيد التطرق إلى الجدول الزمني لإعداد الموازنة وإقرار قانون الموازنة العامة الإتحادية، ومن ثم تنفيذ الموازنة وإعداد الحساب الختامي، الذي ورد في قانون الإدارة المالية والدين العام رقم (94) لسنة 2004، النافذ لغاية عام 2019.

اولا/ إعداد الموازنة: أشار القسم السادس من القانون المذكور الى خطوات ومراحل إعداد الموازنة وكما يأتي:

  • خلال شهر ايار من كل عام يصدر وزير المالية تقريرا عن أولويات السياسة المالية للسنة التالية وبالتشاور مع وزير التخطيط، ويقدم إلى مجلس الوزراء ويرفق معه مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية.
  • خلال شهر حزيران من كل عام تعمم لوائح داخلية وأهداف السياسة المالية على وحدات الإنفاق العام، لغرض إعداد تقديرات موازناتها.
  • في شهر تموز من كل عام تقدم وحدات الإنفاق العام تقديرات موازناتها إلى وزارة المالية، وتقوم الوزارة بمناقشة تقديرات الموازنة مع وحدات الإنفاق العام.
  • في شهر أيلول من كل عام يقدم وزير المالية مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية إلى مجلس الوزراء للمصادقة عليه.
  • يقدم مجلس الوزراء مشروع القانون إلى مجلس النواب بتاريخ 10/ تشرين الأول لغرض اقرار القانون.

  ثانيا/  تنفيذ الموازنة:

  • في 15/ نيسان من السنة التالية يقوم وزير المالية بإعداد الحساب الختامي للدولة، ويقدمه إلى ديوان الرقابة المالية الإتحادي.
  • يقدم ديوان الرقابة المالية الإتحادي تقريره عن الحساب الختامي للدولة في 15/ حزيران إلى مجلس الوزراء.
  • يقدم مجلس الوزراء الحساب الختامي مع تقرير الديوان في 30/ حزيران إلى مجلس النواب.

 يلحظ ان على وزير المالية أن يقدم الحساب الختامي للدولة في 15/ نيسان، لكن من الناحية الواقعية لم تتمكن وزارة المالية من الإلتزام بهذا التاريخ، على مدى السنوات كلها منذ 2004 ولغاية السنة الحالية 2020، وذلك للأسباب الآتية:

 أولاً- تأخر إقرار الموازنة العامة الاتحادية من قبل مجلس النواب، إذ غالباً يجري إقرار القانون خلال الربع الأول من السنة، وبالتالي ضياع فرصة التنفيذ، وشخَّص الديوان ذلك وذكره في تقاريره للسنوات السابقة جميعاً.

 ثانياً- إن تواريخ تنفيذ الموازنة على مستوى وحدات الإنفاق المنتشرة في محافظات العراق، وتوحيدها في وزارة المالية، وإعداد الحساب الختامي للدولة في 15/ نيسان يمكن تنفيذه في حالة أتمته العمليات المالية بشكل كامل في وحدات الإنفاق وربطها بشبكة الانترنت مع وزارة المالية، لكن استحالة التنفيذ بهذه التواريخ اعتمادا على السجلات والعمل اليدوي، وإرسالها إلى وزارة المالية عن طريق موظفي وحدات الإنفاق.

 ثالثاً- التأخر في إعداد الحسابات من قبل وحدات الإنفاق وإرسالها إلى وزارة المالية في موعد أقصاه نهاية شهر آذار من كل عام، لغرض توحيدها من قبل وزارة المالية بتاريخ 15/4، وقد تتعدى إعداد الحسابات من قبل وحدات الإنفاق لعدة أشهر بسبب (ضعف الملاك الحسابي، والتأخر في التنفيذ الفعلي للمعاملات المالية وإجراء التسويات اللازمة لحساب السلف).

 رابعاً- يجري إعادة فتح الحساب الختامي بعد غلق الحسابات من قبل وزارة المالية، بناءً على طلب بعض الوزارات لإجراء التسويات والتي ينبغي إجرائها في فترة (التسويات الحسابية) المسموح بها في القانون وهي شهر/ كانون الثاني من السنة التالية.

 خامساً- إعادة الحساب الختامي من قبل ديوان الرقابة المالية الإتحادي إلى وزارة المالية ولأكثر من مرة لوجود نواقص في المتطلبات وقد يستغرق وقتاً غير قليل لإكمال المتطلبات وإعادته إلى الديوان.

     بناءً إلى ما تقدم، فقد يتأخر تقديم الحساب الختامي للدولة أكثر من سنة إلى الديوان، ومثال ذلك لم يقدم الحساب الختامي بشكله النهائي من قبل وزارة المالية إلى الديوان لغاية السنة الحالية (2015، 2016، 2017، 2018، 2019).

    أما بالنسبة للحساب الختامي للسنوات (2012، 2013، 2014) فقد قدم الديوان تقريريه عن الحساب الختامي للسنتين (2012، 2013) إلى مجلس الوزراء في عام 2015 لغرض دراسته وإحالته الى مجلس النواب، ولم يحدث ذلك. اما بخصوص تدقيق الحساب الختامي لسنة 2014، فإن الديوان قد أنجز تدقيقه عام 2017 إلا انه تريّث بتقديمه إلى مجلس الوزراء بسبب عدم إصدار قانون الموازنة للسنة المذكورة من قبل مجلس النواب ولغاية الوقت الحاضر. فقد تم الاتفاق على مقترح الديوان أن يعد مشروع قانون الموازنة لسنة 2014 بشكل مختصر واعتماد ما تم صرفه فعلاً هي التخصيصات التي يقرها مجلس النواب، وبغض النظر عن الصيغة القانونية لإصدار قانون الموازنة بعد ثلاث سنوات من انتهاء السنة المعنية، والإنفاق الفعلي، فقد قدم الديوان تقريره عن المصروفات الفعلية للموازنتين (الجارية والاستثمارية) إلى مجلس الوزراء عام 2019، مع العلم انه تم إنجاز التدقيق وإعداد التقرير عام 2017.

اما بالنسبة للحساب الختامي للسنة 2015 فقد قُدم من طرف وزارة المالية إلى الديوان في 22/12/2019، و لوجود نواقص فقد أعيد إلى الوزارة بتاريخ 27/1/2020.

وقُدم الحساب الختامي للسنة 2016 من قبل وزارة المالية بتاريخ9/1/2020، وأعيد اليها لوجود نواقص بتاريخ12/3/2020.

     وأؤكد في ظل العمل اليدوي ومستوى الملاك الحسابي للمؤسسات الحكومية استحالة إعداد الحساب الختامي للدولة من قبل وزارة المالية في 15/ نيسان من السنة التالية لتنفيذ الموازنة العامة للدولة.

وأود التنويه بصدد قانون الإدارة المالية رقم (6) لسنة 2019 الذي الغى القانون رقم (94) لسنة 2004، ويسري على الحساب الختامي لسنة 2019، واشارت المادة (34) البند (ثالثاً/ أ) يقدم وزير المالية البيانات المالية الاتحادية إلى الديوان في موعد أقصاه نهاية شهر آذار من السنة اللاحقة، والبند (ثالثاً/ ب) يعد الديوان تقريره في موعد أقصاه 15/9 ويقدم إلى وزير المالية وبدوره الأخير إلى مجلس النواب لمناقشته وإقراره.

اما بالنسبة لمناقشة الحساب الختامي للدولة وتقرير الديوان، فلم يجري مناقشة الحساب الختامي للدولة وتقرير الديوان للسنوات 2005-2012 بجلسة مناقشة علنية، وإطلاع السلطة التنفيذية والجمهور ومن ثم الإستفادة منها، لعدم ورود نص في قانون الإدارة المالية رقم (94) لسنة 2004، وانما ورد في الفقرة (8) من القسم (11)، (الموافقة على الحسابات السنوية النهائية من قبل الجهة التي ستكون السلطة التشريعية الوطنية نشر الحساب الختامي في جريدة رسمية (الوقائع العراقية) ويتاح للجمهور للإطلاع عليه).

اما في قانون الإدارة المالية رقم (6) لسنة 2019، فقد ورد في المادة (34) الفقرة (ثالثاً- أ) مناقشة الحساب الختامي وإقراره.

     وفيما يخص المقترحات فنقترح ما يأتي:

  • إعداد الموازنة: إعتماد موازنة البرامج والأداء بدلاً عن موازنة البنود، حيث بدأت مبادرة الأمانة العامة لمجلس الوزراء منذ عام 2009.
  • مناقشة الحساب الختامي للدولة في جلسة علنية في مجلس النواب بحضور ديوان الرقابة المالية الإتحادي، ووزارة المالية، وبعض الوزراء الذين يختارهم مجلس النواب.

 * تنتهز (الثقافة الجديدة) هذه الفرصة لتعبر للدكتور صلاح نوري خلف عن خالص اعتزازها وتقديرها لما قدمه من جهد كبير للاجابة على اسئلتنا واستفساراتنا عن عمل المؤسسة التي كان يقف على رأسها لعدة سنوات وكان متعاونا ومتفهما وصبورا الى أبعد الحدود لتوضيح الكثير من القضايا والإشكاليات التي تقع في صلب عمله وعمل ديوان الرقابة المالية مما يسمح لقراء مجلتنا وللباحثين والمهتمين بقضايا الرقابة المالية بان يكونوا على دراية افضل وفهما اعمق بها.

نكرر شكرنا الخالص للاستاذ د.صلاح على حرصه وصراحته وكرمه اللامحدود في الاجابة على اسئلتنا واستفساررنا مقرونا بتمنياتنا له بالصحة والعافية والعمر المديد.

الثقافة الجديدة العدد 415 ايلول 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل