/
/
/
/

لا أدري لماذا يغرد من حوّل حياة العراقيين ومنذ ١٧ عام إلى جحيم لا يطاق، وأغرق محافظات العراق بموجات عتاة الإرهابيين، ونشر العصابات المسلحة في أزقة وشوارع المدن والقصبات، ووزع السلاح على العشائر الموالية، لماذا يطالب هؤلاء من السيد الكاظمي "إعادة هيبة الدولة"؟ هل المقصود من هذا المطلب موافقتهم على مبدا حصر السلاح بيد الدولة وكبح العصابات المسلحة والميليشيات العميلة؟ أشك كثيرا بذلك.. ترى هل يريدون أن يعودوا بنا إلى "نعيم" سنوات الجمر التي اكتوينا بها عندما كانوا يقتلون على الهوية وبنفس الوقت يغرفون بنهم وشراهة من ميزانية الدولة دون وجه حق ويبيضون ما سرقوه إلى الخارج؟ أم أن ما يخيفهم هو جذوة ولهيب انتفاضه تشرين الباسلة؟ فهم مرة يطالبون الكاظمي بعدم المساس بالعناصر الأمنية التي ارتكبت الجرائم بحق المنتفضين، وفي أحيان أخرى يطلق صقور الفساد صفة الفوضى عندما يشيرون للانتفاضة، وعندما ترشق بعض العصابات المنفلتة الكاتيوشا على المطار والمنطقة الخضراء، نجدهم يتسارعون للدفاع عما يسموه كذبا " مقاومة", والغرض منه طبعا هو خلط الأوراق.

 يبدو أن تلك الكتل التي ورثت منها حكومة السيد الكاظمي ميزانية فارغة وميليشيات وأمن منفلت، وجماهير رافضة لنهج الحكم الطائفي والعرقي، قد أصابها الهلع من جبروت الانتفاضة وعمقها المجتمعي وشعاراتها المدنية. وفي ظل انتصاراتها التي تجلت في أولا إجبار السيد عادل عبد المهدي على الاستقالة، وثانيا رفض المحاصصة الطائفية والعرقية، وإعلاء مبدا المواطنة من خلال شعارها (نريد وطن)، وثالثا فرض الانتخابات المبكرة، أخذت تلك النجاحات تؤرق مضاجع الفاسدين الذين بدأوا، ونتيجة خوفهم من أمواج الجماهير الرافضة لحكمهم بمحاولة ترميم بيتهم من خلال عقد اللقاءات التي بادرت بها دولة القانون (لقائهم بالسيد أحمد الجبوري، ومؤخرا بالتيار الصدري في البصرة) .. فأنا لا أحسد هذه الكتل على أرقها وهي تواجه موجات من النقد اللاذع لكنه مستحق على سوء إدارتها، ودعمها للميليشيات المنفلتة التي تعبث بأمن المواطنين وتقتل وتغيّب وتخطف دون وازع من ضمير، إضافة إلى فسادها الذي يزكم الأنوف. لذا فإن هلعها من الانتخابات المبكرة وضغط الشارع المنتفض مبرر جدا.. فخياراتها أصبحت قليلة في ظل توازن القوى الحالي الذي بدأ يميل لصالح التغيير خاصة وإن السيد الكاظمي ورغم أنه حتى اللحظة لم يكشف عن قتلة المتظاهرين كما وعد، ولم يقدم أحد من حيتان الفساد إلى العدالة، وفشل في ردع الميليشيات المنفلتة، إلا أنه وتحت الضغط الشعبي استجاب لتشكيل لجنة تحقيقية لمكافحة الفساد مرتبطة بالعسكر، قد تنفع نتائج ما ستكشفه تلك اللجنة قبل الانتخابات المبكرة للتخلص من منافسين له سيما وأنه يحاول تأسيس حزب سياسي مع السيد برهم صالح يعتمد على عناصر محسوبة على التيار المدني!

إذن أن على الحركة الاحتجاجية تصعيد الضغط الشعبي وزيادة زخمه من أجل فرض "إعادة هيبة الدولة" والذي يعني حرفيا نزع سلاح الميليشيات والعصابات المنفلتة، وسلاح العشائر وحصر السلاح بيد الدولة، هذا أولا، وثانيا تقديم حيتان الفساد إلى العدالة، وثالثا تطويق تفشي وباء كورونا. إن كل هذه الإجراءات لو اعتمدت من قبل حكومة الكاظمي ستدفع بالعملية السياسية نحو الإصلاح، وتعيد هيبة الدولة التي تذرف تماسيح الفساد الدموع عليها. ولكي تستمر عملية الإصلاح وتتجه بنجاح صوب التغيير الشامل، ينبغي على المنتفضين توحيد كلمتهم وإيجاد صيغ تنسيقية بين اللجان المتعددة، وصولا لدفع العناصر الوطنية الواعية للترشيح في الانتخابات المبكرة، حيث تعمل وتراهن القوى المعرقلة للتغيير زرع الفرقة بين المنتفضين، أو محاولة البعض ركوب موجتها وتغيير وجهتها السلمية وأخيرا محاولة هزيمتها. لذلك فإنه من الضروري الاستمرار في الضغط على السلطات الثلاث عبر الاحتجاجات السلمية والتأكيد خاصة على المطالب الأساسية، وتلك المرتبطة بالانتخابات المبكرة كتطبيق فاعل لجميع بنود قانون الأحزاب، وإقرار قانون انتخابي عادل، وتشكيل مفوضية مستقلة فعلا للانتخابات، وإشراف أممي فعال على سير الانتخابات من أولها حتى ظهور النتائج.

وأخيرا فإن تجميع القوى المدنية ومن ضمنها ثوار الانتفاضة وتعبئة جهود الجميع سيعزز من فرص هزيمة الفاسدين وخلق أرضية ملائمة للتغيير الذي تنشده الجماهير.  

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل