/
/
/
/

لقد اثار انتباهي طلب أحد المعلقين “السياسيين” لجمع المتظاهرين والمنتفضين بأن يعدوا العدة ويشكلوا احزابهم أو تياراتهم لخوض الانتخابات التي يتوقعونها ان تكون في صيف ٢٠٢١ لكي يفوزوا في الانتخابات ويقضوا على الفساد والفاسدين. إن المتابع لهؤلاء “المعلقين السياسيين” يجدهم من صنف واحد وهو الصنف الذي تعودنا عليه “ مادحي الحاكم “، وبالتأكيد الحاكم يكفل حقوقهم الشرعية بما في ذلك الهبات المالية من “بيت المال”. هؤلاء المعلقون هدفهم واضح هو محاولة الالتفاف على الانتفاضة وتجريدها من محتواها وأهدافها وتحويلها الى مسألة تشكيل احزاب وكان تشكيل الأحزاب سوف ينهي الفساد، وهذا يناقض ما نحن عليه، حيث أن هذه الزيادة في الأحزاب والكتل والتيارات والقوائم والتجمعات والتوابع حصحصت الفساد وجعلته تدويرا ما بين هؤلاء، سواء بتوجهات دينية او قومية. ومن فهمي لما يدور في العراق ان من يدعوا لذلك يسير في اتجاه حرف الانتفاضة عن أهدافها.
ان الساحة العراقية وخاصة ساحات الانتفاضة “ حبلى”، وبإمكانها ان تلد المئات من هذه الأحزاب كما حصل منذ ٢٠٠٥، وهذا هو الغرض الأساس من هذه الدعوة. انه ليس من المنطق ولا الإمكانية ان تتشكل هذه الأحزاب وتحدد ممثليها وتدخل الانتخابات وتفوز بمقاعد برلمانية وتشكل حكومة وتقاضي الفساد والفاسدين. هذا في رأيي “طيف من الخيال”. فاذا تركنا الخيال جانبا ودخلنا في ساحات الانتفاضة نرى ان هذا الكم الهائل يتشارك في أهداف الانتفاضة من منظور العدالة الاجتماعية والحريات ومدنية الدولة والقضاء على الفساد. هذه الأهداف تحددهم بالطرف الوطني مقابل الطرف الآخر ولنحدده ب “لا وطني”. فمن هي القوى “ غير الوطنية”؟ تسهيلا وتحديدا هي الأحزاب والقوى التي اختارت طريق الفساد والكسب على حساب “المال العام”، وهذه القوى من بينها أحزاب بتوجهات إسلامية وقومية وخاصة تلك التي سرقت المال العام. هذا هو الطرف “غير الوطني”.
وهذا الطرف “غير الوطني”، يذكرني ب عام ١٩٦٣ عندما سقط حكم البعث الأول على أيدي بقية العصابات القومانية، حيث دخل العراق حقبة زمنية انتهت في بداية حكم البعث الثاني ١٩٦٨. في تلك الحقبة تم تحاصص الحكم في العراق ما بين الذين بدلوا مساراتهم البعثية ليصبحوا قوميين. تلك الحقبة تشابه حقبة ٢٠٠٥ ليومنا هذا حيث تحاصص الحاكمون على سرقة العراق بالكامل. والربط هنا انهم ذاتهم منذ ١٩٦٣ ليومنا هذا يتبادلون المراكز والمواقع والسلطة، وأن أية عملية انتخابية لن تتكلل بالنجاح لأن هؤلاء حسموا الأمور لصالحهم، وأي حزب او حركة لا تتفق مع مسيرتهم إما ان يبتلعونها او يصبون حروبهم ضدها، وسوف يستمرون على هذا المنوال الى ان يتبلور التنسيق السياسي للوصول الى حركه سياسية مدنية يقودها الحزب الشيوعي العراقي، وتلتزم تنظيميا وتنسيقيا مع الحزب الشيوعي العراق، كما هو الآن داخل حزب العمال البريطاني. وكما قاد الحزب الشيوعي الفيتنامي القوى الوطنية حتى الانتصار.

ان قناعتي بهذا الاختيار مبنية على نقطتين أساسيتين:

أولهما انحيازي الكامل وثقتي الكاملة ببرامج الحزب الشيوعي العراقي المطروحة لبناء الدولة المدنية.
وثانيهما لا توجد قوه ملتزمة ومنظمة بإمكانها ان تغير ميزان القوى لصالح الطرف الوطني ويعود ذلك لتشتتها وتعدد مسمياتها وصغرها العددي وعمرها وخبرتها التفاوضية والسياسية.
الآلاف من الشباب المنتفض تحرك وكأن المرتزقة الفاسدين سيركبون عجلاتهم ويتجهون صوب اسيادهم خارج الحدود. والعديد منهم كان يتخيل ان عسكريا ما سوف يتحرك بوحداته المدججة بالسلاح لنصرتهم وإصدار “بيان رقم١” سيء الصيت الذي تعودت عليه إذاعة بغداد.
إلا أن الانتفاضة سقت حدائق العراق بمياه غزيرة سواء من دجلة او الفرات او التفرعات الثانوية وسلطت أعمدة مياه عالية لتزيل حاجزا عاليا وشامخا لمعظم المنتفضين وعموم العراقيين هو “حاجز الخوف”، الذي تم بناؤه من قبل البعث الفاشي في شباط الأسود ١٩٦٣، وحجم هذا الحاجز الحركة الوطنية للأساليب اللاإنسانية واللاأخلاقية التي مارسها هذا الحزب واتباعه ومن تبعه، وهذا في القاموس السياسي نصر كبير. لقد عانينا من هذا الحاجز لعقود من السنين، واعتبره النصر الأساسي الذي حققته الانتفاضة ليومنا هذا.
كذلك عمقت الانتفاضة الحس الوطني والتعاون المجتمعي ودفعت المئات من الشباب باتجاه مواجهة العنف، وفي كثير من هذه المواجهات تراجع حرس “الحكام” تحت زخم المقاومة الشعبية بسلاحها البسيط وزخمها الكبير وتزايد عدد المنتفضين والمناصرين والمؤيدين له ليصل الى رقم عال مقارنة بالماضي القريب، كما في احتجاجات ٢٠١١، ٢٠١٣، ٢٠١٥، ٢٠١٧، ومازالت هذه الاحتجاجات والاعتصامات مستمرة ليومنا هذا بأشكال عديده.
انا على قناعة كامله ان تنسيق وبناء “الطرف الوطني” كقوة ذات الأهداف الوطنية المعلنة ستكسب العداء من جانب دول الجوار بمجموعهم وكل من له مصلحه بتمزيق العراق كما فعلوا في ١٩٥٨. كذلك ستلاقي العداء من قبل القوى السوداء التي أصبحت طرفا مستفيدا من عذابات العراقيين، واقصد هنا “ادعياء الدين الفاسدين”. في الطرف الثاني للمعادلة ستلاقي الدعم والإسناد الشعبي من أبناء العراق المتضررين أساسا مما يجري في العراق وخاصة أبناء المناطق والمحافظات الفقيرة، والتي عانت الإهمال منذ تأسيس الدولة العراقية. انا لا ادعو هنا الى اسقاط النظام السياسي وانما لتغيير وتعديل البنود والاتفاقات الدستورية وقانون الانتخابات ومفوضية الانتخابات بما يضمن حقوق المواطن العراقي.
كل هذا يتطلب منا جميعا واقصد هنا ب “جميعا” مساندي ومؤيدي “الطرف الوطني”، ان نعمل من اجل تقريب وجهات النظر المتعددة والمختلفة لمجموع (القوى والأشخاص والحركات والأحزاب والنقابات المهنية والتجمعات المدنية والاتحادات الشبابية والطلابية وغيرهم)، من خلال العلاقات الشخصية ووسائل الاتصال الجماهيرية والنشر والتعميم، وأي من الأساليب الممكنة لبناء الطرف الوطني من أجل ان نغير ميزان القوى داخل البرلمان، ومن ثم اجراء التغييرات في بنية النظام السياسي، لما فيه خير العراق وأبنائه الذين عانوا ويعانون من الفقر والبطالة وانعدام الحريات منذ قرون من السنين.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل