/
/
/
/

في الخامس والعشرين من أيار من عام 2011 اعتزلت نجمة الحوارات الأميركية الشهيرة أوبرا وينفري، وغادرت برنامجها الذي حمل اسمها لنحو عقدين من الزمان، قدمت خلالهما روائع يتذكرها المشاهد الأميركي على نحو خاص، والعالم بوجه عام.

عودة تلفزيونية مسيّسة

في أواخر تموز الماضي أعلنت أوبرا أنها ستعود إلى برنامج حواري جديد سيبث عبر منصة “أبل تي في بلس”، ولعل ما أكسب هذا الإعلان زخماً من نوع خاص، المسحة السياسية التي رافقته، إذ أشارت إلى أن أول حلقة ستتحدث فيها عن العنصرية في الولايات المتحدة، وذلك عقب الاحتجاجات الغامضة التي انطلقت فيها، على خلفية مقتل الشاب الأميركي من أصول أفريقية “جورج فلويد”.
الظهور الجديد لأوبرا سيكون على منصة “أبل ووينفري”، وسيحمل عنوان “الحوار مع أوبرا”، ومن غير جدول زمني محدد، غير أنه من الواضح أن طروحات أوبرا هذه المرة، ستكون مختلفة عما اعتادت تقديمه للعالم من قبل، إذ ستبحث في أطر معينة، غالبها موضوعات مؤثرة وذات صلة بالأوضاع العالمية الراهنة، من خلال استضافة قادة فكر وصفتهم بـ”الرائعين من جميع أنحاء العالم”.

الإعلام أفضل من السياسية

التماس بين دائرتي الإعلام والسياسة واجب الوجود، كما تقول جماعة الفلاسفة، وعلى المرء أن يختار مقعد القيادة، من البيت الأبيض أو شاشات التلفزة.
لم تكن أوبرا يوماً بعيدة عن أطر الحياة السياسية الأميركية، فالذين قُدِّر لهم أن يتابعوا ليلة إعلان فوز باراك أوباما، شاهدوها والدموع تملأ عينيها، وهي تستند إلى القس جيسي جاكسون، الذي خاض من قبل غمار السياسة بدوره.
كانت أوبرا من الذين ساندوا أوباما مالياً ودعائياً، ما مكنه من الدخول إلى البيت الأبيض، فقد تحدثت على سبيل المثال أمام 18 ألف شخص في ولاية أيوا لإظهار الدعم للشاب الأسمر الذي تجرأ على الأمل، وفي تلك الليلة تحدثت أوبرا للحشد الكبير بالقول، “إنها المرة الأولى في حياتي التي أشعر فيها أنني مضطرة إلى أن أقف، وأعلن تأييدي للرجل الذي أعتقد أنه يملك رؤية جديدة لأميركا” .
تكرر المشهد عينه مرة أخرى أمام 29 ألف أميركي في مدينة كولومبيا بولاية ميزوري، ففي حشد أغلبه من الأميركيين الأفارقة قالت أوبرا، “إن حلم مارتن لوثر قد وقف عند حدود الحلم، أما نحن فلا يجب علينا الاكتفاء بالحلم فقط، علينا أن نحول الحلم إلى واقع”.

أوبرا قريبة من الناس

ما الذي جعل أوبرا وينفري محببة إلى قلوب الملايين من الأميركيين من السود والبيض، ديمقراطيين وجمهوريين، لاتينيين وآسيويين؟
يمكن القطع بأن لأوبرا ملكة غير مسبوقة في التنقل ما بين الفرح والترح، تأخذك إلى عالم الأغنياء فتبهرك، وتجول بك في دنيا الفقراء فتبكيك.
الذين كتبوا سيرة الفتاة الفقيرة، التي بلغت أوج المجد لاحقاً، يتوقفون كثيراً أمام أدوارها الخيرية، وهي التي تألمت كثيراً جداً في طفولتها، ما حفر في ذاكرتها أحداثاً لا تمحى، ولهذا رأيناها تقف بقوة وراء تجريم التعرض للأطفال والتحرش بهم، ففي العام 1991 أطلقت أوبرا حملة تأسيسية لإعداد قاعدة بيانات وطنية عن أسماء المدانين بتهمة التحرش بالأطفال، مدفوعة بمرارة طفولتها، حيث قدمت شهادة أمام اللجنة القضائية لمجلس الشيوخ دفاعاً عن قانون حماية الأطفال، وقام الرئيس بوش الأب وقتها بالمصادقة على مشروع قانون أوبرا، الذي اعتُمِد في عهد بيل كلينتون عام 1993، وبذلك كانت حجر الأساس في الدفاع عن حقوق الطفل الأميركي لجهة جرائم التحرش والاعتداء، وهو ما يذكره الأميركيون لها بكثير من الفخار.
ينظر الملايين من الأميركيين أيضا لأوبرا نظرة ذات موثوقية ومصداقية، لا سيما حين تتناول شأن العدالة الاجتماعية، والاهتمام بالفقراء والمهمشين في ذلك البلد الرأسمالي بامتياز.
يراهن الذين يقفون خلف برنامج أوبرا الجديد، على أن نفوذها الإيجابي والخلاّق، سوف يتجاوز حدود أميركا الجغرافية، إلى بقية أرجاء العالم، في محاولة لا تخطئها العين في الطريق إلى إعادة ملامح، ومعالم “الحلم الأميركي” الذي بدأ في الأفول.
لعبت أوبرا دوراً مادياً ومعنوياً بالغ التأثير في مساندة ضحايا الأعاصير، التي ضربت أكثر من دولة حول العالم، وذلك من خلال تلك الشبكة، شبكة الملائكة، التي هدفت إلى تشجيع العمل التطوعي.
هل يمكن لأوبرا عبر البرنامج الحواري الجديد أن تضحي حلقة وصل جيدة مع كل أصحاب البشرة السمراء داخل أميركا وخارجها؟
أغلب الظن أنه كذلك قولاً وفعلاً، ففيما جسور مودتها موصولة بأبناء جلدتها عبر الولايات الأميركية من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، نجد نفوذها الأخلاقي وسمعتها الجيدة منتشرة في القارة السمراء بنوع خاص، فمن أهم أعمالها تبني أكثر من 50 ألف طفل أفريقي، وذلك من خلال توفير سبل الحياة اللازمة لهم من خلال مدارس ومكتبات ومنازل، وقد زارت أكثر من دولة أفريقية، وتركت هناك بصماتها الرائدة.
لم تكتف أوبرا بأفريقيا بل تخطتها إلى الهند، وهناك كفلت المئات من الفتيات الهنديات اللواتي أُصِبن بأمراض مؤلمة من جراء زواجهن المبكر.
تساءل الكثيرون عن سر تميز برامج أوبرا دون بقية برامج “التوك شو”، وقد أجابت عن هذا التساؤل أكثر من مرة، فقالت ذات مرة، “أعتقد أن الأمر مرتبط بذلك الخيط الذي يربط بين أذهان البشر وعقولهم، فكلنا نرغب في الأشياء نفسها وتجاربنا الإنسانية متشابهة إلى حد ما، ليس هذا فحسب، بل إن الشعور الذي تنقله إلى من تحاوره بأنه موازٍ لك، قريبٌ منك، وأنك لا تعدّ نفسك أعلى منزلة منه، أمرٌ يجعل الحوار أكثر تلقائية وراحة، لهذا فقد أضحى كثير من الذين حاورتهم أصدقائي ويدعونني لزيارة منازلهم وتناول الغذاء معهم” ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اندبندنت عربية” 25 آب 2020 (مقتطفات)

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل