/
/
/
/

تمر هذه الأيام الذكرى الثالثة لرحيل الدكتور رفعت السعيد ، الرجل الذي أحبه وأقدره وأعتبره معلماً .
تكوين وسمات د. رفعت شديدة الخصوصية والإنفراد .. ماركسي لكن يتميز عن أقرانه الشيوعيين بأشياء كثيرة . فالشخصيات الماركسية وصلت إلى معتقدها الأخير بعد تردد كثير على منابر المعرفة في التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وأصبحوا منغلقين عن المجتمع معتبرين أنفسهم من جنس آخر أرقى من الباقين .. لكن د. رفعت رغم عراقته وتوغله في الفكر الماركسي تجده إنسانا على استعداد أن يستمع ويناقش ( بعيدا عن الخلافات الإدارية داخل الحزب ) رغم أنه من أساطين (حدتو) والتنظيم الطليعي .. أقول ذلك لتجربتي الشخصية المتواضعة. فأنا لم أكن يوماً ضمن التنظيمات الشيوعية أو السرية وأيضاً لم أعتقل. كان من الممكن أن يتعامل معي بإستعلاء فهو جزء من حركة التاريخ المصرية المعاصرة. وتتجلى قدرة السعيد على الاحتواء، فإننا نرى أن حزب التجمع كان يضم أربعة أجنحة : قومية، ناصرية، ماركسية، وإسلامية .. ترى الرجل رئيس الحزب يعادي أحد أجنحة الحزب (الاخوان) ويصفهم بالمتأسلمين. وعندما رشح لرئاسة الحزب الثانية بعد التجربة الأولى كان البعض يصرح قائلا: لا أريد أن أنتخب هذا الرجل .. لكن سأنتخبه.


وكان دكتور رفعت السعيد يقدس ”إعمال الفكر” .. فيكتب في مقدمة كتاب د. مراد وهبة (مصر التنوير عبر ثقب إبرة): كلما زاد عدد المحرمات ازداد تخلف المجتمع .. التخلف الحضاري ، فالجرأة فى إعمال العقل في جميع المجالات هي الكفيل بتخطي حاجز الخرافة والاسطورة والقفز فوق خمسة قرون من التخلف.
نفس روح وكلمات كتبها في مقدمة كتابي ”الجذور التاريخية للصراعات” المعاصرة في منطقة الشرق الأوسط .. كتب: … فالدكتور عادل وديع أعمل العقل في ما قرأ وفي ما كتب .. كانت نتيجة الغوامض الإيمان بالسحر والخرافات والأساطير .. (جاءت الديانات فقدمت لنا العزاء وأعلنت أن هذا الكون يوجد له محرك لكل هذه الظواهر .. وكما قال جمال الدين الأفغاني
إن الله يجل عن مخالفة العلم وإذا وجدت المخالفة وجد تأويلاً لها”. هذا العقل الفاعل لعله عذب دكتور عادل وديع فلسطين عذابا شديداً لكنه نجح في نهاية الأمر في أن يفرض سلطان العقل الفاعل على كتابه وأن يتخلص من الفكر الأسطوري والحكايات غير قابلة للتصديق وهذه هي القيمة الأساسية للكتابة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأهالي” 25 آب 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل