/
/
/
/

عشية المؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي اللبناني يتذكر الشيوعيون، في هذا المناخ الثوري، المقولة اللينينية المبدعة: لا حركة ثورية من دون نظرية ثورية. مقولة أنتجها قائد ثورة أكتوبر في سياق ممارسته الثورية، ومفادها أن الممارسة الثورية لا تكون كذلك إلا إذا استندت الى نظرية ثورية. فالطابع الثوري للممارسة يكمن في فعاليتها والفعالية لا تتحقق إلا إذا استندت الممارسة الثورية إلى معرفة بالواقع المنوي تغييره. أما الطابع الثوري للنظرية فهو أن تكون معرفة علمية بقوانين التطوّر التاريخي للبنية الاجتماعية. باختصار، على ثورتنا أن تعتمد على العلم – علم التاريخ (التفسير والفهم المادي للتاريخ) وعلم الثورة (الصراع الطبقي). لكن النظرية ومهما علا شأن مستواها المعرفي فهي لا تنتج ثورة. فمن أجل أن تسهم في إنتاج الثورة ينبغي أن تتجسد في النضال الثوري: في برنامج وممارسة وتنظيم. فهذا النضال هو معيار صحتها كما أن النظرية قاعدة ثورية لهذا النضال. إذن، على النظرية أن تصبح سلاحاً فعالاً بيد الجماهير وأن تدخل في وعيها.
ونظريتنا الثورية هي الماركسية- اللينينية كمنظومة فكرية مفتوحة على التطور مع تطور الواقع الذي تعكسه. لها طابع كوني لأنها نظرية الانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية. ننهل من الماركسية الفهم (التفسير) المادي للتاريخ ونظرية الثورة والاقتصاد السياسي والديالكتيك المادي. يعني هي رؤيتنا للطبيعة والمجتمع والتفكير، بنشوئها وتطورها وتحولاتها. الماركسية – تراث فكري ونظري لماركس وآنجلس تجسد في منهج تفكير وبحث وبرنامج سياسي للتغيير وأدوات نضالية في القرن التاسع عشر وتضمن نبوءات ما زالت فاعلة في القرن الواحد والعشرين. وتُوّج هذا التراث في خلاصة عن حتمية إنهيار الرأسمالية كحقبة تاريخية عابرة والانتقال إلى الاشتراكية عبر ثورة يفرضها تفاقم التناقض الأساسي بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج. ولأن البلدان الرأسمالية في القرن التاسع عشر كانت على مستوى واحد من التطور الرأسمالي ونضج المشاكل، افترض ماركس أن الثورة الاشتراكية ستحدث في هذه البلدان مجتمعة أو في البلدان الأساسية منها في وقت واحد ...
اليوم في القرن الواحد والعشرين تشهد الرأسمالية تطوراً وتحولات تظهر فيها غير مشابهة ليس لرأسمالية المنافسة الحرة وإنما حتى لا تشبه الرأسمالية الاحتكارية للقرن العشرين. وهذه تغيرات تترك انعكاساتها على تطوّر العالم كله. وتشكّل هذه التغيرات مادة بحث وتحليل لدى العديد من الماركسيين تندرج نتائجها في تشكيل ماركسية القرن الواحد والعشرين أو ما يمكن تسميته ماركسية العولمة.
على هدى هذا التقليد الماركسي المبدع سار مهدي عامل، تقليد الإجتهاد في تمييز الماركسية – اللينينية وتوطينها في البنية الإجتماعية اللبنانية والعربية في مشروعه الفكري المبدع. فهو لم يكتف بالانتماء للماركسية وإعلانها نظرية ثورية صالحة في كلِّ زمان ومكان، لأن هذا الإعلان لا يشكل إضافة فكرية نضالية ولا تصير الماركسية كذلك بهذا الإعلان، بل قرر أن يبرهن على راهنية الماركسية أي إبراز حقيقة قدرتها أن تكون أيديولوجيا التحرر الوطني في بنية وبيئة تختلف عن البيئة التي ولدت فيها، وقرر أن يميّزها في البنية الاجتماعية اللبنانية والعربية، أي أن يميزها بتمييز الفهم (التفسير) المادي لواقعنا، بقراءة ماركسية لينينية تنطلق من الواقع الملموس وليس من الفكر المتشكل لكن الموجود كخلفية. وقد وشى الواقع أن بنيتنا رأسمالية في الأساس. لكن النظر إليها لا يوحي بوجود آلية تطوّر ونتائج تشبه التطور الرأسمالي الكلاسيكي. فانكب على دراسة هذه البنية حيث خرج بتشخيص لها يحدد نوعية هذه الرأسمالية المتميزة عن المركز، وهي الرأسمالية التبعية، المتميزة بشكل نشوئها وتطورها وقوانين فعلها وطبقاتها وصراعاتها ووجد قيود حركتها لا بل انسداد أفق تطوّرها إلى رأسمالية كلاسيكية. وكان الاستنتاج المنطقي من هذا التشخيص وجود آلية متميزة للانتقال من هذه الرأسمالية الى الإشتراكية تختلف عن الثورة الاشتراكية الكلاسيكية. فكان هذا الاستنتاج تأكيداً على استحالة تطور بلادنا في إطار انخراطها في الدورة الرأسمالية العالمي من موقع تابع وأن الضرورة تقضي بتحرير بلادنا من التبعية بحركة تحرر وطني تنجز عملية الانتقال من الرأسمالية الى الإشتراكية.
من أجل القيام بهذه المهمة الثورية كان عليه أن ينتج الأدوات الفكرية الضرورية، والمفاهيم التي تعكس الواقع وظواهره حيث عمل على اختبارها في أعماله المختلفة وبخاصة في الثلاثية الرائعة. وعاين مهدي واقع الصراع الطبقي في بلداننا العربية، وهو الصراع الذي يتّخذ شكل الصراع الوطني، فوجد أن حركة التحرّر الوطني العربية تعاني من أزمة هي أزمة قيادتها البرجوازية وأزمة البديل الثوري. هذه الأزمة هي انزياح التحرر الوطني في مجراه التاريخي عن واقعه النظري. ففي الواقع النظري التحرر الوطني عملية طويلة من الانعتاق من عوائق تطور شعوبنا المتمثلة في سيطرة الإمبريالية على بلادنا عن طريق فرض نمط من علاقات الإنتاج الرأسمالية التبعية التي تحاصر بها تطور قوانا المنتجة، وبوجود أنظمة سياسية تحمي هذه العلاقات وتجدد إنتاجها وبوجود الكيان الصهيوني حامي هذه التبعية وهذه الأنظمة وبسياسات الحصار والعقوبات والعدوان والاحتلال المباشر. وبذلك فالتحرر الوطني عملية تحويل لعلاقات الإنتاج الرأسمالية التبعية إلى علاقات إشتراكية، وهي إذن نضال للتحرر من الرأسمالية التبعية والتحرّر من الإمبريالية، إنها صراع طبقي مع البرجوازية المحلية التابعة ومع البرجوازية الإمبريالية. ولأن السلطة الفعلية في هذه المنظومة هي السلطة الإمبريالية؛ فإن هذا الصراع الطبقي يتخذ شكل الصراع الوطني لإسقاط سلطة البرجوازية التبعية وسلطة البرجوازية الإمبريالية. لكن المجرى التاريخي للصراع التحرري حمل في مرحلة أولى البرجوازية الكولونيالية (التابعة).. والبرجوازية الصغيرة والفئات الوسطى في مرحلة لاحقة إلى قيادة هذه الحركة. وهو أمر يناقض منطق التحرر الوطني إذ يستحيل على طبقة أو فئة، هي نتاج هذه العلاقات وصلت عبرها إلى قيادة الحركة، أن تسير بهذه العملية إلى نهايتها المنطقية. غير أن هذا لا ينفي وجود تناقضات بين هذه القيادة وبين الإمبريالية ولا يعني أن نضالها خارج عملية التحرر لا بل إنه التحرر بصيغته القومية المحدودة. لكن مصالحها وواقعها الطبقي دفعها لرفع لواء النضال ضد الإمبريالية للتخلص من سيطرتها ورفضت الخوض أو السماح بخوض صراع داخلي ضد الرأسمالية بحجة عدم إضعاف الوحدة القومية في مواجهة العدو الخارجي. ومارست بذلك فصلاً بين التحرر الإجتماعي والتحرر القومي رافضة الأول لصالح الثاني ...
إن أفكار مهدي عامل تعكس التقليد الثوري الذي أرسته مؤتمرات الحزب الشيوعي الثاني والثالث والرابع وهي المؤتمرات التي رسمت الحزب كحركة تحرر وطني. وجسدت ممارسته اللاحقة هذا التقليد. لكن ظروفا صعبة خارجية وداخلية، موضوعية وذاتية أدخلت الحزب في أزمة ما زالت مستمرة. وعليه فإن إحدى مهمات المؤتمر المنتظر القيام بجهد لوضع الحزب على سكة الخروج من أزمته. ففي ذلك إسهام لحل أزمة التحرر على الأقل في المجال اللبناني. وعليه يبرز سؤال ملح: ماذا على حزب ثوري كالحزب الشيوعي اللبناني يعيش في بلد مأزوم ومحاصر ويستعّد لعقد مؤتمره أن ينتج...؟ وأسارع للقول إن عليه أن ينتج نظرية (رؤية) تحرره. ولنا في تراث الحزب الفكري في تلك المؤتمرات وفكر قادته وبشكل خاص في فكر مهدي عامل “مرجع موثوق”.. لتطوير هذا التراث ولصياغة هذه الرؤية. وبما أن هذا التحرر هو صيغة الصراع الطبقي في بلادنا ستكون هذه الرؤية نظريتنا في الصراع الطبقي وممارساته المختلفة. وإسهامنا هذا، إن تحقق، هو تحويل للماركسية اللينينية إلى فكر للتحرر الوطني في بلادنا، ليس بإعلانها كذلك بل برهنتها.. أي بالبرهنة على قدرتها على الإحاطة بمشاكل بلادنا واختزانها الطاقة على إنتاج الأجوبة على أسئلة المرحلة ووضع حد للتشكيك بها، ليس بالإعلان عن التمسك بها وإعلان راهنيتها، بل بإثباتها أيديولوجياً، النضال ضد الإمبريالية وأيديولوجيا التحرر من الرأسمالية، وذلك بالصراع الطبقي للشيوعيين كمعيار وحيد لصحتها وراهنيتها. فراهنية القدرة التحليلية للواقع لا تحتاج لبرهنة، لكن راهنية البرنامج السياسي وسبل التغيير ماركسيا في بلادنا ليست معطىً مسبقاً وانما معطى ينبغي إثباته. فلنتسلّح بوهج فكر مهدي عامل ونحن نتصدى لهذه المَهمة ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة “النداء” 21 آب 2020 (مقتطفات)

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل