/
/
/
/

مشهد بيروت، “المكسور خاطرها”، كان السبب الذي أتي بكل العالم إليها، لكن ليس حباً بها ولا انتصاراً لها؛ لقد جاؤوها بأساطيلهم مراراً وتكراراً، لتنفيذ مخططات السيطرة الغربية، واستكمالها بنزع صفة عاصمة العروبة عنها أولاً، وعاصمة المقاومة ومطلقتها ثانياً، وفروا منها مهزومين. وهم يعاودون الكرّة اليوم، وفي جعبتهم المزيد من التآمر، لنزع صفة المواجهة عن بلد أثبت نجاعة خيار المقاومة فيه بتحرير الأرض وتثبيت المعادلات وفرض المسارات ...
لم تأت أساطيلهم وجيوشهم وحاشيتهم وقادتهم ومندوبوهم كي يثأروا من قاتل مشتبه به، بل أتوا وعلى رؤوس الأشهاد، لبث الفتنة وتأليب الرأي العام، ولنقل الأزمة من مستوى السمسرة السياسية التي يقومون بها إلى مستوى النفاق السياسي الواضح والمعلن: لا يا سيد ماكرون، لست من يأمر وينهى في لبنان، ولست في موقع فرض الرأي أو الموقف أو حتى إسداء النصح، فيا حبذا لو تستمع لأصحاب السترات الصفر في بلدك، فهذا ربما سيكون أجدى لك ولهم، لقد ولى زمن الانتداب إلى غير رجعة. لا يا سيد هيل، أنت وسفيرة الفتنة التابعة لكم، نذكّركم بفرار المارينز من بيروت إلى عرض البحر مهزومين مرتين، وهم يجرّون أذنابهم وراءهم، وأنت أيضاً لست في موقع من يسدي النصائح ويعطي الأوامر ويحدد شكل الحكومة اللبنانية ... وللاثنين معاً نقول: لو أن ثمة جزءاً من منظومة سياسية متوارثة في لبنان تجد فيكم الأمل، فيا ليت تأخذونها معكم وأنتم في طريق عودتكم إلى بلادكم لقد عجز الطائف بتركيبته السياسية والاقتصادية ورعاته الخارجيين عن إدارة البلد. لقد انفجرت تلك التركيبة وكادت تطيح بالمنظومة وبالبلد مرات عديدة، إلّا أن التدخل الخارجي، المتبدلة طبيعته ودوله، كان يدفع باتجاه إحياء التسويات الموقتة، والتي ما كادت تصمد، أو تقف على رجليها، حتى تترنح من جديد. لقد سقط ذلك الطائف بسلطته ومشروعه ومنظومته، وما يجري اليوم، في السلطة وفي الشارع ما هو إلّا الإعلان الصريح عن ذلك السقوط. لقد فشل نظام القرن من الزمن في البناء والمحافظة على الكيان، وهذا طبيعي، فالذي أنتجه الاستعمار كان نمطاً تابعاً وبوظائف محددة، واللاعبون المحليون لم يكونوا إلّا الأدوات فيه. وعليه، لماذا لا نطرح، نحن الذين خارج تلك المنظومة، مسألة استلام السلطة والسعي لذلك بكل جدّية؟ إن شروط السلطة وآليات استلامها منوطة بركائز يفترض تأمينها. وكي لا نقع في فخ التعميم أو ردة الفعل على فعل قائم يجب تحديد تلك الركائز، والتي بجوهرها يجب أن تكون من الموقع النقيض للسائد:
-
فك التبعية وكسر الهيمنة: مصطلحان أساسيان يلخصان مساراً مؤسِّساً لبناء ركائز ثابتة لنظام سياسي، لا بدّ منهما لرسم مساره، وببعديه السياسي والاقتصادي. فلا قيام لدولة حقيقية من دون كسر منطق الارتهان، بمفاعليه الخارجية وأدواته الداخلية. فالربط بين الأمرين مسلك إجباري وليس اختيارياً أو وجهة نظر، وأيضاً برفض التدخل الخارجي وكسر مشاريعه. وما تلك الأساطيل والجيوش التي ترابط اليوم في البر والبحر اللبنانيين إلّا الصورة الواضحة لمستوى منسوب هذا الاستجلاب السافر لذلك العامل وجعله لاعباً مؤثراً ويكاد يكون وحيداً، في التركيبة الداخلية، لمصلحة مشاريعه الاستعمارية في المنطقة، ولمصلحة أدواته الداخلية.
-
التموضع السياسي: وهو المرتبط بالخيار الأول والناتج من مفاعيل فك الارتباط والتحرر من شروط الهيمنة ومستلزماتها؛ فبناء المشروع السياسي الواضح الأبعاد والقائم على بناء مواجهة مزدوجة بين تدخلات الخارج وتبعية النظام له تصبح منوطة بقوى ثورية لا تلتبس عليها موجبات ذلك الصراع ولا قواه، والتي تؤمن المظلة الداخلية لحماية الخيارات المتخذة في مختلف القضايا والأمور. وعلى ذلك يُبنى المشروع السياسي الواضح؛ من جهة بوجه التدخل وكسر العدوان ومن جهة أخرى من خلال تأمين مصالح أكثرية شعبية مسحوقة بفضل سياسة الريع والاستلاب والاستعباد، التي تمارسها سلطتا رأس المال والمذاهب. إن تثبيت موازين القوى في ذلك الاتجاه يصبح الضمانة، المتكئة على أكثرية شعبية، واضحة وقادرة، والتي ستؤمن الاستمرارية وتضمن الاستقرار. - بناء الأسس الضامنة: والتي هي البنيان الذي يضمن إدارة نشطة وحيوية لمرافق أساسية في الدولة تضمن نوعاً من الاستقرار طويل الأمد، يرتبط بصيرورة إدارية مرنة ومتطورة، من خارج المصالح الضيقة والزبائنية. هو ذلك المسار الذي ينتظم حوله الحقل العام بكل شروطه ومتطلباته وإمكانيات تطوره وتحديثه، واقتصاد مرن في طبيعته الإنتاجية القائمة على تأمين مستلزمات الحياة الأساسية ومنفتح على الفضاءات القائمة على التكامل مع الدول العربية والصديقة، وتبادل المنافع المشتركة.
مرحلة الفراغ السياسي التي نعيشها اليوم ستطول، وستطول معها معاناة اللبنانيين؛ فبين الانهيار المالي والاقتصادي، والكورونا والانفجار الأخير، واستقالة الحكومة وانسداد الأفق السياسي، وزحمة الخارج وتدخلاته، وإعادة إحياء التوتر الداخلي والاصطفافات السياسية المستحدثة، والفرز الوقح واستغلال المآسي الإنسانية للاستخدام السياسي والمذهبي المشتبه به... إلى آخر إبداعات أهل النظام، أليس ذلك وحده كفيل بفرز الشارع وبوضوح، بين أصحاب المصلحة الحقيقيين وبين متسلقي القضايا من صبيان المنظومة ورعاتها؟ هو سؤال مفتوح على الجميع: النهار يوضح بشمسه الرؤية ويحدد الاتجاهات، فلماذا الإصرار دوماً على اجترار القواعد ذاتها لبناء حالة الاعتراض كي تقدم نفسها ومن موقعها غير الملتبس باتجاه استلام السلطة من موقع مختلف في جذريته وبرنامج بديل في طروحاته؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
عضو المكتب السياسي، مسؤول العلاقات السياسية
في الحزب الشيوعي اللبناني
النداء” 21 آب 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل