/
/
/
/

تتعرف الشعوب على طاقاتها الفعلية، وكنوزها المعنوية، ومخزونها الحضاري لدى وقوع الكوارث الكبرى، ولا تتوفر لها مثل هذه المعرفة في الأوقات العادية التي يسيَّرها الروتين اليومي والتفاصيل كبيرها وصغيرها مشفوعة غالباً باللهاث وراء الرزق، والبحث المضني عن طرائق لمواصلة العيش بكرامة، والتطلع إلى الستر، وذلك كله يتم في ظروف صعبة تواجه الطبقات الشعبية، وبالأخص الأسر كبيرة العدد وشحيحة الموارد .

وحين تقع الكوارث من زلازل وبراكين، أو فيضانات كاسحة أو حرائق كبيرة، أو أي شكل من أشكال غضب الطبيعة العاتي، أو انتشار فيروس تعجز البشرية عن مواجهته كما هو حالنا الآن مع فيروس كورونا … حين يحدث ذلك يبادر الوعي الجمعي للمواطنين إلى إجراء ما يشابه رد الفعل التلقائي فيعيد ترتيب الأولويات الحياتية ليتقدمها إدراك الخطر على المصير المشترك للشعب، وتتولد في هذا السياق عملية استنهاض جماعي للهمم، إستنهاض يساوي الشعور بالخطر الذي يهدد بتدمير كل شيء في طريقه، وهو يكشف أولاً بأول عن تداعيات الهيمنة على الثروة والسلطة، والشكل الأبرز لها، وهو احتكار النجاة في حالة الكوارث، وهو ما يثير غضب الجماهير التي استيقظت .

ومن أبرز ما يحدث من تداعيات الكوارث لجوء ملايين البشر إلى دور العبادة من مساجد وكنائس، وهو ما يؤدي عادة إلى مضاعفة نشاط وعمل الجماعات المتاجرة بالدين، والتي تسارع إلى نشر تأويلاتها لأسباب الكارثة، وغالباً ما تلعب على الشعور بالذنب لدى المواطنين البسطاء حين تبرر لهم ما حدث بسبب ابتعادهم عن الدين .

ويتذكر جيلي كيف أن هذه الجماعات ضاعفت من نشاطها وفتاواها بعد هزيمة 1967، وكيف وجدت استجابة واسعة من جماهير مصدومة بعد انهيار حلمها، وتصدع أركان عالمها الذي كان مستقراً .

وفي المقابل تتقدم الجمعيات الخيرية والأهلية لتسهم في تضميد الجراح، وهي تسعى إلى شغل الفراغات التي تتركها الدولة لأي سبب، ويسعى بعضها أيضاً لإزاحة التراب الذي عفرت القوى الرجعية به وجهها أي وجه هذه الجمعيات طعنا في مصداقيتها ومصادر تمويلها وتوجهاتها الفكرية .

ويبقى أن التضامن الجماهيري الواسع هو من أهم الإيجابيات التي تنتجها الكوارث، فالتضامن هو القيمة العليا الأساسية التي تكسبها الجماهير في هذه الحالات، وهي أيضاً تعبير عن التوجه الجمعي، والوعي العام حين يكتشف المواطنون ما هو مخفي وكامن من مواهبهم ومشاعرهم وإمكانياتهم المخزونة.

ويقدم لنا آلاف المتطوعين الشباب والشابات من اللبنانيين بعد الكارثة التي وقعت في مدينتهم الجميلة بيروت ـ نموذجا ـ ساطعاً لقوة وفعالية وتلقائية هذا التضامن، وهو ما كذب الصورة الرائجة عن الشباب اللبناني اللاهي المشغول بنفسه واللامبالي، وهم يعملون الآن يحدوهم شعور قوى بالمسؤولية لا فحسب تجاه أسرهم، وأنما أيضا بل ربما أساسا تجاه وطنهم المنكوب .

ويبعث مشهد الشابات والشبان وهم يزيلون أنقاض إنفجار بيروت بحماس ودأب على الاطمئنان والفرح رغم الأهوال، إذ اننا نكتشف في الواقع العملي حقيقة ما رددناه دائماً من أن البشر هم أثمن ثروات الشعوب، وتتجلى هذه الحقيقة عند الملمات .

وبوسع المهتمين بهذا الموضوع أن يجدوا مادة خصبة بلا حد من الوقائع التي تبين عمق وجمال استجابة الجماهير لنداء التضامن .

فمن ذا ياترى يتذكر تفاصيل ماحدث لدى وقوع الزلزال في مصر في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين استضافت أسر بسيطة أسراً إنهارت منازلها وأصبحت عرضة للتشرد.

وقبل ذلك بعقود أثناء حرب الاستنزاف ضد العدو الصهيوني حين جرى إخلاء مدن القناة الثلاث التي كانت عرضة للقصف الإسرائيلي، واستقبلت الدلتا مئات الآلاف من سكانها حتى قامت حرب 1973، وهناك مئات الحكايات المشرفة عن استقبال هؤلاء تحتاج إلى توثيق، توثيق يذكر المصريين بعطائهم ويُنعش أرواحهم .

أعرف جيدا هذا الاتهام الجاهز بأن من يفرحون بفضائل الشعب هم جماعة من الرومانسيين الذين يتجاهلون الجانب المظلم من القمر، وهناك رد جاهز أيضا على هؤلاء يرى أن فضائل الشعب هي الأقوى والأبقى في زمن الملمات دون إنكار لوجود الجزء المعتم في سيكولوجية الجماهير يستقوى به الظالمون .

فلو إنتقلنا من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي سوف نجد أمامنا النماذج المضيئة لما أنجزه التضامن الشعبي العالمي مع الشعوب المكافحة من أجل حريتها وإستقلالها ضد الاستعمار والإمبريالية والعنصرية .

ولعل الالتفاف العالمي في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي حول نضال الشعب ” الفيتنامي ” ضد الإمبريالية الأمريكية أن يكون هو الدرس الملحمي الأبرز لفعالية مثل هذا التضامن العالمي، الذي برز مرة أخرى ضد عنصرية نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا وحرر” نيلسون مانديلا ” أيقونة هذا الكفاح من سجن طويل .

ولم يبق في العالم الآن إلا إحتلال واحد تمارسه “إسرائيل” الصهيونية ضد الشعبين الفلسطيني والسوري، وإن كنا نحن العرب لم ننجح بعد في توظيف التضامن العالمي الواسع مع قضايانا .

وعلينا أن نتعرف جيدا على الشروط التي ينبغي توافرها لكي نواصل السير على طريق الأمل، والانتصار، ومن المؤكد أننا سوف نتوقف أمام الشرط الديموقراطي الذي يؤدي تغييبه إلى طمس معالم المخزون الحضاري والكنوز المعنوية التي تمتلكها الجماهير لتواصل عبر إطلاقها مسيرة التحرر من قيود التبعية والاستغلال.

ـــــــــــــــــ

“الأهالي” 19 آب 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل