/
/
/
/

بمناسبة مرور ثلاثة أرباع القرن على إلقاء الولايات المتحدة أول قنبلتين نوويتين في تاريخنا الحديث على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين ؛ أحيت الأحزاب والقوى المحبة للخير والديمقراطية والسلام في العالم هذه المناسبة وذكّرت  بأهمية استخلاص عبرها  ودروسها المغيبة حتى الآن .  وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي غداة الأحتفال بالذكرى الخمسين لهذه المناسبة قمت بزيارة عمل صحفية لليابان أمتدت ثلاثة أسابيع بدعوة من وزارة خارجيتها ؛ وجاء حصادها مثمراً ؛ ليس فقط للتعرف على ثقافة هذا البلد الآسيوي العريق حضارياً والمتفرد الوحيد  في الشرق بحضارته المعاصرة، بل وللتعرف على ثقافته السياسية وعاداته وتقاليده التي لم تحل دون تطوره الحضاري المذهل تطوراً يضاهي الدول الصناعية الغربية. وحينما وضع منسق الرحلة الدبلوماسي بالسفارة اليابانية في المنامة أمامي مسودة برنامجها؛ وترك لي حرية ما أود أن أضيفه إليها؛ لم أتردد على الفور من إضافة " هيروشيما ". وكانت الصورة المرتسمة في مخيلتي عن هيروشيما قبيل وصولي إليها مشاهد المدينة المحطمة المبادة بالحريق النووي في تلك الحرب ؛ وفور وصولي إليها هالني جمال المدينة الحديثة بعد إعادة إعمارها في فترة قياسية، ولفت نظري روعة تخطيطها ونظافتها وحيث الخضرة تتخلل بين جنباتها وطرقها، لكن لم يتبق من شواهد على جريمة الإبادة النووية  للمدينة بعد مرور نصف قرن وقت زيارتي  سوى هيكل قبة مبنى " المعرض التجاري " الذي كان ضمن محيط سقوط القنبلة ، وبجواره " حديقة السلام " حيث يقع " المتحف التذكاري للقنبلة "،

ويحتوي هذا المتحف على أوضح الصور المكبرة لحطام المدينة   غداة الانفجار؛ و ما تبقى من ملابس الضحايا، و صور ومقتنيات تخص عدداً من الناجين ؛ والأوضاع التي كان عليها بعضهم بُعيد الانفجار بثوان ، وهي مشاهد مروعة حقاً بفعل حريق الاشعاع النووي  . تدخل هذا المتحف وأنت رابط الجأش وبحالة شبه طبيعية ؛ لا تحمل مخيلتك  مسبقاً سوى ما قرأته من أوصاف مهولة لكارثة المدينة في ذلك اليوم المشئوم ؛ أوما شاهدته من صور صحفية مأساوية ، لكن ما أن تتجول بين مقتنياته بمصاحبة موسيقى حزينة مؤثرة حتى ينتابك إحساس بأنك تعيش أجواء حقيقية وقت وقوع  الكارثة للتو؛  رائحة الموت الأسود تملأ المكان وتزكم أنفك.. هنا دمعتان سالتهما مقلتاي؛ ورغم أني عاجلت بمسحها لكن لم تخفيا أمام مرافقي الاستاذ كيجي شنتاني . وفي سجل الزوار عند الخروج دوّنت إدانة شديدة لوجشية الامبريالية لارتكابها جريمة الإبادة الجماعية بدم بارد دون أن تعتذر عنها حتى يومنا ؛    وقد اعترتني حالة من الأسى الشديد الممزوج بغضب متفجر في عروقي من هول ما شاهدته في الداخل من آثار  الجريمة بحق 160 ألفاً من سكان المدينة الأبرياء الذين قضوا نحبهم بفعل المحرقة النووية في ثوان ودقائق معدودة  ؛ فيما أبادت بالموت البطيء بعدئذ عشرات الألوف الآخرين .

في خارج المتحف ثمة نصب تذكاري في ساحة الحديقة لضحايا القنبلة دونت بداخله أسماؤهم ، وسنوياً خلال الذكرى تُضاف أسماء جديدة لمن ماتوا بأمراضها . وهنالك في الحديقة أيضاً جرس خُصص ليُقرع مرة كل عام في يوم الذكرى يُعرف ب " جرس السلام " . وفي جانب آخر وعلى قمة برج خرساني عال شيّد تمثال برونزي تذكاري للطفلة " ساداكو " ذات العامين وقت المحرقة واُدخلت المستشفى في العاشرة من عمرها جراء لوكيميا الإشعاع النووي ،  ولها قصة مؤثرة  للغاية مشوقة لا يتسع المقام هنا لسردها .

وبعد ؛ فحينما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها اُعتبرت حينها الأعظم تاريخياً في فظائعها ، ومع  ذلك لم يكن كافياً لاتعاظ مشعليها- ضميرياً - من أهوالها  ؛ فما هي سوى 20 عاماً ونيفاً حتى تورط  معظمهم -وبالدرجة الأولى ألمانيا النازية  -  في إضرام نيران الحرب العالمية الثانية الأشد فتكاً وهولاً من الأولى في ضحاياها من السكان والعمران ، وختمتها الولايات المتحدة بجريمة الإبادة النووية بحق المدينتين اليابانيتين . واليوم إذ مضت ثلاثة أرباع القرن على أبشع جريمة إبادة جماعية عرفها  التاريخ الحديث، وإذ نجت البشرية  طوال هذه المدة بأعجوبة وسط تكديس  هائل وحثيث من مخزون شتى أنواع الأسلحة  النووية الذي تمتلكه الدول النووية ؛ وعلى رأسها الولايات المتحدة ، ويكفي هذا المخزون لإبادة كوكبنا مرات ومرات ، ووسط توتر دولي راهن غير مسبوق في خطورته  مقارنة بالتوتر الدولي الذي ساد المجتمع الدولي عشية ما قبل  الحربين العالميتين الأخيرتين على التوالي مما أفضى  إلى اشتعالهما ، فهل يبتسم الحظ للبشرية للنجاة  مجدداً من كابوس خطر حرب عالمية نووية بات يهدد اشتعالها هذه المرة كل أشكال الحياة على كوكبنا وفناء العالم  برمته ؟ نأمل ذلك لكن نعتقد أن نهاية سعيدة كهذه لن تعطي اعتباطاً   بالتمني ؛ بل لها شروطها الصعبة ؛ وهذه لها حديث آخر . 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل