/
/
/
/

من بين المعارك التي قادتها الموجة النسوية الثانية على الوضع السائد آنذاك، بدءاً من حقوق الإنجاب ووصولاً إلى المساواة في الأجر وتعليم الفتيات، شكّل الكفاح من أجل المصادقة على “قانون المساواة في الحقوق” بالولايات المتحدة أحد أكثر المعارك المثقلة بالصراع. وإلى ذلك الحد وصل مستوى التوتر والانفعال لدى طرفي الجدل. وقد جرى تحويل المعركة من أجل ذلك القانون إلى مسلسل درامي تبثه قناة “بي بي سي” يثبت أنه يماثل تقريباً ذلك التوتر والإثارة للانقسام نفسهما التي مثلتها تلك اللحظة التي يُنظَر إليها بوصفها لحظة أصلية في التاريخ.
تقدّم الدراما التاريخية “سيدة أميركا” Mrs America التي كتبها دافي فولر مؤلف ومنتج مسلسل “رجال مجانين”، تقدّم رائدات حركة تحرير المرأة، وهنَّ بيتي فريدان (تؤدي شخصيتها الممثلة تريسي أولمان)، وغلوريا شتاينم (الممثلة روز بايرن)، وشيرلي تشيزولم (الممثلة أوزو أدوبا)، وبيلا آبزوغ (الممثلة مارغو مارتنديل)، إضافة إلى عدوتهن فيليس شيلافلاي (الممثلة كيت بلانشيت)، التي أسهمت في إعاقة تمرير قانون المساواة في الحقوق، في نهاية المطاف.
شكّل ذلك القانون مقترحاً بإدخال تعديل في دستور الولايات المتحدة، يتضمن إنهاء التمييز على أساس الجنس. قُدّم إلى الكونغرس للمرة الأولى في وقت مبكر من 1923 في أعقاب حصول المرأة على حق التصويت، لكن مجلس الشيوخ لم يوافق عليه حتى عام 1972. ونتيجة للمعارضة الشرسة من قبل الناشطة المحافظة شيلافلاي، جرى تعطيل التعديل في نهاية المطاف.
لا بدّ من الإشارة إلى أن شتاينم وصفت “السيدة أميركا” بأنه “مسلسل ليس جيداً جداً”. وفي حديثها إلى الصحافية لورا بيتس في مهرجان “هاي” الافتراضي هذه السنة، ذكرت شتاينم أن “المسلسل يجعل الأمر يبدو كأن النساء كن أسوأ أعدائنا، وذلك ما يمنعنا من معرفة ألد أعدائنا”، وزعمت أن العمل أعطى بشكل خاطئ، مساحة كبيرة لتأثير منازعتها اليمينية.
وأضافت شتاينم، “تلك هي مشكلة ذلك العمل التلفزيوني. أنا واثقة بأن الممثلات في العمل على مستوى رفيع، لكن المشكلة تقتصر حصراً على محتوى القصة”.
في المقابل، ثمة ما لا يمكن إنكاره، ويتمثل في أن كل النساء اللواتي صورهن مسلسل “سيدة أميركا” تركن تأثيراً هائلاً في سياسات الولايات المتحدة وحقوق المرأة، بغض النظر عن الجانب الذي اتخذنه في ذلك الجدل.

بيتي فريدان (4 شباط 1921 -4 شباط 2006)

يرجع الفضل في إشعال الموجة الثانية من الحركة النسائية على نطاق واسع إلى البيان الهائل الذي كتبته بيتي فريدان في 1963 تحت عنوان “الغموض الأنثوي”. وقد ولد الكتاب من مقال مقترح رفضته مجلات عدّة.
ويشرع البيان في التحقيق في ما سمّته فريدان “المشكلة التي ليس لها اسم”، وهي لعنة تدجين الحياة المنزلية. وخطرت الفكرة لـفريدان بعد فترة وجيزة من طردها من وظيفتها بسبب حملها، ولم يعد لديها خيار آخر سوى أن تصبح ربة منزل. وانطلاقاً من اقتناعها بأنها لم تكن الوحيدة المستاءة من المتاعب المنزلية والقيود المفروضة عليها والإناث المعاصرات لها، أجرت فريدان دراسة استقصائية على زميلاتها المتخرجات في الكليات، وتأكدت شكوكها.
أدى ذلك المسح الأولي وكذلك عدد من استطلاعات الرأي اللاحقة التي أجرتها فريدان بين الشابات، إلى تأسيس بيان “الغموض الأنثوي” الذي أوضح التمييز المنتشر الذي تواجهه النساء كل يوم. وبفضل التعبير عن تلك الإحباطات التي لم يجرِ التطرق إليها سابقاً، أطلقت فريدان شرارة حركة، وأشعلت النار في صدور النساء في أنحاء أميركا كافة. وليصبح كتابها من بين المؤلفات الأكثر مبيعاً.
حملت فريدان اسم بيتي نعومي غولدشتاين عند ولادتها يوم الرابع من فبراير (شباط) 1921 في “إيلينوي” من أم صحافية وأب يعمل صائغاً للذهب. واختارت دراسة علم النفس في “كلية سميث”، وأصبحت رئيسة تحرير الصحيفة الطلابية فيها، قبل مواصلة دراستها في “بيركلي”. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، انخرطت فريدان في الأوساط الماركسية، وانسحبت من “بيركلي”، كي تتابع عملها صحافية في الصحيفة الاتحادية “فديريتد برس” ، ومن ثم في الصحيفة اليسارية “يو إي نيوز”.
في 1947، تزوّجت من المنتج المسرحي كارك فريدمان الذي أنجبت منه طفلاً واحداً قبل طردها من “يو إي نيوز” إبّان حملها بمولودها الثاني. ولاحقاً، عملت على تغيير كنيتها وحذفت حرف الـ”إم” منها، بالتالي حذفت كلمة “رجل” (تبدأ بالإنجليزية بذلك الحرف في كلمة “مان” M) من اسمها.
بعد النجاح الكبير لـ”الغموض الأنثوي”، أضحت فريدان ناشطة نسوية. وفي 1966، أسهمت في تأسيس “المنظمة الوطنية للنساء”. وخاضت تلك المجموعة المدافعة عن الحقوق المدنية معارك من أجل حقوق الإنجاب، وزيادة تمثيل النساء في السياسة، والمساواة في الأجور، وإجازات الأمومة وتحسين رعاية الأطفال، من بين قضايا أخرى.
في 1968، كانت فريدان من العضوات المؤسسات لـ”المؤتمر الوطني لإلغاء قوانين الإجهاض”. وفي 1971، أسهمت في تأسيس “التجمع الوطني السياسي للمرأة”.
تعرّضت فيريدان، على غرار الموجة النسوية الثانية، للانتقاد بسبب تركيزها على العرق الأبيض والطبقة المتوسطة، إضافة إلى الجدل المثار حول علاقتها المتوترة بـغلوريا شتاينم.
ليس من دون مواجهة مشكلات، شكّل نهج فريدان أمراً محورياً في التقدم الذي أحرزته حركة تحرير المرأة خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. وتابعت عملها فألفت خمسة كتب نسوية أخرى. وظلت نشطة سياسياً حتى وفاتها في 2006 تماماً يوم عيد ميلادها الخامس والثمانين.

شيرلي تشيزولم (30 تشرين الثاني 1924 -1 كانون الثانير 2005)

حازت شيرلي تشيزولم قصب السبق في أمور عدة. وسجلت أنها أول امرأة سوداء تنتخب إلى الكونغرس، وأول شخص أسود يخوض سباق الرئاسة في الولايات المتحدة، وأول امرأة تتقدم لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأميركية.
تشيزولم المولودة في بروكلين، نيويورك في الـ 30 من تشرين الثاني 1924 باسم شيرلي أنتيا سانت هيل، ما وضعها في الجيل الثاني من المهاجرين كونها ابنة عامل مصنع من جزر “غويانا” وأم خياطة من جزيرة “باربادوس”. وكانت الكبرى بين البنات الأربع لتلك العائلة. وقد قضت جزءاً من طفولتها في “باربادوس” قبل أن تعود إلى “بروكلين” في سن التاسعة.
بعد تخرجها بتفوق في “كلية بروكلين” 1946، أصبحت تشيزولم مدرّسة لصفوف الحضانة، قبل أن تتابع تعلمها للحصول على شهادة ماجستير في تعليم الأطفال من المراحل الأولى، وقد نالتها من “جامعة كولومبيا” في 1951. مع حلول ستينيات القرن الماضي، باتت مديرة في حضانات عدة، وأصبحت مستشارة قسم الحضانات في نيويورك.
أدركت تشيزولم بشكل مثير للدهشة تقاطع التمييز الذي واجهته، كونها امرأة وسوداء، الأمر الذي وصفته بـ”التعويق المزدوج” ، وحاربته بشغف. في الستينيات، أصبحت عضوة في “الجمعية الوطنية لتقدم الأشخاص الملونين” و”رابطة الناخبات”. وفي 1964، نقلت تطلعاتها كناشطة إلى مستوى جديد، إذ نجحت في الترشح لمجلس ولاية نيويورك.
وفي سياق عملها السياسي، أدارت تشيزولم حملات من أجل المساواة في العرق والهوية الجنسية والعدالة الاجتماعية، إضافة إلى إصلاح التعليم وحقوق المهاجرين.
في 1968، أصبحت تشيزولم أول عضوة سوداء في الكونغرس. وقد عُرفت بخطاباتها المؤثرة وبراعتها الحادة في النقاش. رفعت في حملتها شعار “غير مشتراة وغير مرؤوسة” ، واستمرت لتقضي سبع فترات في مجلس النواب، وقدمت أكثر من 50 مادة تشريعية. وأصبحت عضوة مؤسسة في “التجمع الوطني السياسي للمرأة” إلى جانب بيتي فريدان وغلوريا شتاينم في 1971.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“اندبندنت عربية” 25 تموز 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل