/
/
/
/

يتذكر أفراد عائلتي واصحابنا المقربون، في فترة سبعينات القرن الماضي، ونحن في مقتبل العمر على مقاعد الدراسة الاعدادية، كيف ان أحد اقاربي التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية، وفي أول إجازة له، وفي أي حديث أصبح يقسم بشرفه العسكري! أثار أيامها بيننا موجة من التعليقات الطريفة، وتحول الامر الى شيء من نكتة في جلساتنا الصداقية والعائلية، إلا ان أهل العقل افهمونا، بضرورة عدم الاستخفاف بمفاهيم لها معنى جليل، وشرحوا لنا بان "الشرف العسكري"، يعني الشجاعة والشهامة والالتزام بالوعد وحماية ظهر الصديق والحفاظ على عرض الناس، وهو مفهوم انساني أكبر من البدلة الخاكي وان كان يرتبط بها بشكل ما.

مرت السنوات، وسارت من تحت جسور الحياة الكثير من المياه المخضبة بدماء ضحايا حروب داخلية وخارجية، فقد فيها الجيش العراقي شخصيته الأساسية، كسور للوطن وحامي للشعب ومفجر لثورة 14 تموز 1958، وأصبح أداة بيد ديكتاتور فاشي ومخبول، منح نفسه أعلى الرتب العسكرية، وجاء بسقط المتاع لينصبهم جنرالات وقادة. ليستبيح بهم جنوب وشمال العراق بحروب داخلية سفح فيها دماء الأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ، بسرف الدبابات وغازات الخردل، واقتحم أراضي الجيران في حروب عدوانية، لا ناقة ولا جمل للشعب العراقي بها. وإذ برزت بالمثل النوايا التوسعية عند الحكومة الإيرانية الإسلامية، تحولت الحرب الى عدوانية من الطرفين لتسحق ملايين الضحايا وتخلف لنا جيشا من المعوقين والارامل، وبعد قمع انتفاضة اذار 1991، تحول العراق الى مزرعة للمقابر الجماعية.

أين كان جنرالات الجيش من كل ذلك؟

سيبرز من يقول بأنهم يطيعون الأوامر العليا، أوامر القادة! لكن ماذا عن الشرف العسكري؟

لقد تبخر عند البعض منهم، مع التماهي بشخصية الجلاد والتحول الى نسخة مصغرة منه، والتمتع بالامتيازات وحصة من السلطة في التحكم برقاب وحيوات بسطاء الناس،  وفي اسوأ الأحوال اصبحوا عبارة عن إمعات يحركهم الديكتاتور وفق رغباته المجنونة.

هكذا نفذت عمليات جرف الاهوار في الجنوب، وهكذا نفذت عمليات الانفال في كردستان في كل فصولها الوحشية والقذرة، وهكذا ...

في واحدة من سنوات الحرب الصدامية ـ الخمينية ــ ولا أقول العراقية الإيرانية، لأنها لم تكن برغبة الشعوب ــ كنت شخصيا ومجموعة من المقاتلين الشيوعيين، المقاومين للنظام الفاشي الصدامي الدموي، نتوسد صخور جبل سورين، ونلتحف السماء، في ريف السليمانية، حين وصلنا خبر هروب اربعة من الجنود من أحد معسكرات الجيش في مدينة كركوك، وحظهم العاثر جعلهم يقعون بيد الانضباط العسكري. صدر الأمر مباشرة بإعدامهم، أراد الجنرال هناك، ان يلقن الجنود وعموم الناس درسا مهما، فأختار مجموعة عشوائية لتنفيذ حكم الإعدام علنا، وجمع اهل المدينة ونصبوا صلبان الإعدام في الساحة العامة. أحد الجنود المكلفين بتنفيذ الإعدام، رفض الرضوخ للإمر. فهددوه بأنه سيعدم معهم. وهذا الذي حصل. آبى ان يساهم بإعدام أصحابه وزملائه الذين سبق وتقاسم معهم الهموم والقلق والجوع وضحكات فرح ربما قليلة. هذا الجندي، الذي الهمني شخصيا يومها للكتابة عنه في كتابي "عراقيون" ـ صدر 1985ـ ، كان مفعما بالإنسانية أكثر من كل الجنرالات الإمعات ، وأمينا لشرفه العسكري، حد انه دفع حياته ثمنا لذلك !

 

19 تموز 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل