/
/
/
/

على الرغم من استمرار انتشار جائحة كورونا على نطاق واسع في العالم، من دون أن تُعرف طبيعة التداعيات الخطيرة التي ستتركها، بعد القضاء عليها، على الأصعدة كافة، فإن التفكير في تحديد ملامح “عالم ما بعد كورونا” ما زال يشغل العديد من الباحثين والمفكرين؛ إذ قرأت البارحة مقالاً مطولاً بعنوان: “سيناريوهات أربعة للهيمنة السياسية على عالم ما بعد كورونا”، أعده فابيان إسكالونا، الأستاذ في معهد العلوم السياسية في مدينة غرونوبل الفرنسية، وروماريك غودان، الكاتب والصحافي المختص بالشؤون الاقتصادية، ونشر في 23 أيار/مايو 2020 على موقع ميديا بارت، وهو يبدأ بالسؤال التالي: “ما هي المخارج السياسية للأزمة الصحية ولمجمل الكوارث الاجتماعية المقبلة” الناجمة عن جائحة كورونا؟
وفي جوابهما عن هذا السؤال، يكتب الكاتبان: “في السياسة، لا يكفي أن يمتلك المرء الحق. من الصحيح أن تعبيرات اليسار التي فضحت النيوليبرالية وتحوّلت نحو الإيكولوجيا يمكنها أن تستخلص من الوضعية الراهنة شعوراً بالارتياح الثقافي، على اعتبار أن الجائحة بيّنت الطابع غير المحتمل لنمط التنمية المتبع، بيد أن احتمالات الحفاظ على الاقتصاد السياسي السائد، وربما القيام بعملية هروب إلى الأمام من جانب الدول وأوساط رجال الأعمال هي أيضاً احتمالات ذات مصداقية، وربما أكثر من حدوث تحول ديمقراطي وإيكولوجي ومساواتي لمجتمعاتنا”.
ثم يطرح الكاتبان سيناريوهات أربعة محتملة للهيمنة السياسية على العالم الذي سيتبلور بعد القضاء على هذه الجائحة، وهي: أولاً، سيناريو محافظ، هو ترميم “النيوليبرالية المتوحشة” بقيادة يمين نخبوي؛ وثانياً، سيناريو يقوم على انكفاء موجّه ومناهض للأجانب يضطلع به يمين تسلطي؛ وثالثاً، سيناريو نهضة اشتراكية-ديمقراطية تكلل جهود يسار نخبوي؛ ورابعاً، سيناريو ما بعد رأسمالي وإيكولوجي متوافق مع انتصار يسار شعبي.

السيناريو الأول: ترميم النيوليبرالية:

يبدو في الظاهر أن النيوليبرالية، كما يرى الكاتبان، كانت واحدة من ضحايا فيروس كورونا. فجميع أسسها، من التقشف في الموازنات إلى التبادل الحر مروراً بتحديد الأجور من خلال السوق، جرى التشكيك بها من قبل زعماء اكتشفوا فجأة فضائل دولة الرفاه والضبط الاقتصادي. بيد أن الساعة ليست لبناء نظام جديد، وإنما لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام القائم، وذلك عبر اللجوء إلى شكل من الترميم بالمعنى السياسي للكلمة. وتملك النيوليبرالية إمكانيات تحقيق ذلك. فهي تمثل النظام القائم، وهي شكل التحقق الراهن للرأسمالية، ذلك لأن الكلمات الدارجة الآن، مثل “الدولة”، و”الإنعاش الاقتصادي”، و”الحماية”، و”السيادة” ليست غريبة على النيوليبرالية، ويمكنها أن تلجأ إلى هذه الكلمات للدفاع عن المصالح نفسها التي كانت لها في الماضي. فمن أجل إنقاذ السوق والقطاع الخاص، يصبح من واجب الدولة أن تتدخل، كي تساهم في إطلاق الإنعاش الاقتصادي وتطوير تيمة “الحماية”، وخصوصاً للوظائف والأشغال. كما يمكنها الاعتماد على “رقمنة” الاقتصاد، الذي اكتسب خبرات خلال الحجر المنزلي، وهو ما سيقلص قدرات عالم العمل على المقاومة. وفي مرحلة ثانية، وما أن تستقر الأوضاع، حتى تصبح سياسات التقشف أمراً لا بدّ منه، وتغدو السياسات المتبعة أشد عنفاً، بحيث تعزز النيوليبرالية وظيفتها القمعية لإضعاف أشكال المقاومة لسياستها وإخفاء تناقضاتها الداخلية.
ويقدّر الكاتبان أن هذا السيناريو هو الأكثر احتمالاً من بين السيناريوهات الأربعة، لكنه يتضمن نقاط ضعف، إذ هو يفترض، في المقام الأول، أن تنسي الأزمة الاقتصادية الناس دروس الأزمة الصحية، ومن غير المؤكد أن يقبل الرأي العام مرة جديدة، كما في سنة 2008، العودة إلى الوصفات القديمة باسم “الاقتصاد”.

السيناريو الثاني: “نيو-لا ليبرالية” أكثر، أو بالأحرى انكفاء قومي خالص

يقدّر الكاتبان أنه عندما تضيّق طوباوية السوق الخناق على المجتمع، يصبح هذا المجتمع مؤهلاً للتحرك كي يدافع عن نفسه؛ وهذه “الحركة المضادة” لا تسير بالضرورة في اتجاه تحرري. وكان الاقتصادي كارل بولاني (1886-1964)، قد تطرق إلى “الحل الفاشي للمأزق الذي واجهته الرأسمالية الليبرالية” في الربع الأول من القرن العشرين، مؤكداً “طابعه التدميري”. فازدهار الفاشيات، والأنظمة التسلطية والرجعية عقب الحرب العالمية الأولى، وتفكك النسق الاقتصادي الدولي، أظهرا أن العولمة الرأسمالية يمكن التراجع عنها، كما أن الديمقراطية والحريات الدستورية يمكن القضاء عليها. ومنذ أربعة عقود، تتطور قوى سياسية قومية تقف على يمين الخارطة السياسية في بلدان عدة، وتدعو إلى رفض الهجرة والتعددية الثقافية، وتعتبر أن الأمم تفقد “جوهرها” بفعل العولمة. وقد يكون في إمكان هذه القوى الاستناد إلى الجائحة وما يرافقها من مآسٍ اقتصادية واجتماعية كي تقترح قيام دولة قوية، تعيد إلى البلد مؤسساته الصناعية التي نقلت إلى الخارج، وتشتري ولاء الأوساط الشعبية عبر إعادة توزيع نسبي للثروة، وتوجّه نقمتها نحو العناصر الأكثر هشاشة في المجتمع. بيد أن الضعف الكبير لهذا السيناريو يكمن، في نظر الكاتبين، في أننا لا نعيش من جديد سنوات الثلاثينيات. إذ أن سكان الفضاء الأوروبي- الأطلسي تأثروا بحركة قوية لإضفاء طابع فردي على القيم لا ينسجم مع إعادة إنتاج فصل فاشي جديد في التاريخ، ولا مع قيام أنظمة قومية- إكليريكية، خصوصاً وأن تعبيرات اليمين القومي الراهنة لا تمتلك أي مشروع تحويل راديكالي للنظام الاجتماعي: فآيديولجيتها موجهة نحو معايير ثقافية نابعة من الماضي وليس نحو مستقبل “إنسان جديد” يتوجب تشكيله. وكما يرى الفيلسوف جاك بيديه، “فباستثناء النزعة المعادية للأجانب والنزعة التسلطية، فإن اليمين القومي الشعبوي لا يمتلك سياسة خاصة به يطرحها في مواجهة الليبرالية”، وهو إذ يعجز عن أن يتجسد في فاشية جديدة، سيكون مصيره الالتحاق باليمين التقليدي، عبر تجديد وتجذير طاقته المتطرفة.
ــــــــــــــــــــــ
موقع “حزب الشعب الفلسطيني” 10 تموز 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل