/
/
/
/

رغم مضي نحو نصف العام على بدايات تفشي وباء كورونا “كوفيد – 19” عالمياً، فإنه مازال يفجر أزمات دولية متعاقبة على المستويين الداخلي والداخلي لمعظم دول العالم، ولا سيما الرأسمالية منها والتابعة لها على السواء. و إذ يبدو محور هذه الأزمات المجال الطبي في مواجهة الوباء، إلا أن هذا المجال وثيق الترابط والتشابك مع مجالات متعددة؛ علمية واقتصادية واجتماعية وثقافية تعكس جميعها الايديولوجية الطبقية السائدة للأنظمة الرأسمالية. ولا شك بأن هذه الأزمات فضحت الطابع الأخلاقي اللاإنساني الذي اتسمت به مسلكيات تلك الأنظمة في مواحهة الوباء؛ وعلى الأخص كما تجسده مواقف وسياسات النظام الرأسمالي الأميركي ممثلة في الإدارة الحالية للرئيس دونالد ترامب.

ولما كان تغييب المساواة الاجتماعية بين طبقات المجتمع، ولو بشروطها الدنيا، هو طابع أصيل من أبرز سمات الرأسمالية، فإن ذلك ترك ويترك أثره حتماً في تفشي الوباء وتفاقم أعداد قتلاه في صفوف الطبقات الفقيرة والوسطى والتي تشكل الغالبية العظمى من المجتمع؛ حيث نجد الأثرياء والميسورين هم وحدهم القادرون على التمتع بالضمان الصحي والطبي الذي يقيهم من الوباء أو العلاج منه.

لم يكن امتحان الكورونا هو الأول من نوعه الذي تُمتحن فيه أخلاق الرأسمالية على المحك ؛ إذ برز الامتحان منذ بروزها طابعها الاستغلالي بجلاء على أرض الواقع غداة الثورة الصناعية أواخر القرن الثامن عشر، وعلى الأخص إثر تحولها بعدئذ إلى مرحلة الامبريالية مطلع القرن العشرين، وصولاً إلى طورها الحالي المتوحش حيث تعرضت لإمتحانات عديدة.

على أن الحديث عن استغلال الطبقة الرأسمالية للطبقة العاملة – منذ صعود الطبقة الأولى – استغلالاً لا إنسانياً دون منحها الحد الأدنى من حقوقها في الأجور المعقولة معيشياً وبيئة العمل الصحية، ناهيك عن مراكمتها الأرباح من خلال عملية “فائض القيمة” الأخطر استغلالاً؛ وغير المعترف بصحتها حتى الآن كنظرية في علم الإقتصاد الرأسمالي وتشريعات العمل الدولية؛ نقول إن هذا الحديث يجرنا بدوره إلى مسألة اخرى، أحسبها في غاية الأهمية، ألا هي توظيف التطور العلمي ليس لصالح سعادة وتنمية شعبها كما يشيع الإعلام الرأسمالي؛ ولا لأي شعب من شعوب العالم برمتها، بل من أجل مصالح أنانية ضيقة لفئة محدودة من المجتمع تنحصر في كبار المليارديرية الأثرياء الذين يشكلون الأقلية بين الغالبية العظمى من أفراد شعبها، وهذا بالضبط ما تمظهر لنا جلياً في مسلكيات هذه الفئة الرأسمالية الأنانية.

ولعل أخطر الحروب تدميراً التي تتحمل الإمبريالية وزرها، الحربان العالميتان الأولى والثانية، والتي كان لنسختها الفاشية في الأخيرة دور محوري في إشعالها؛ وحيث ألقت خلالها الولايات المتحدة أول قنبلة ذرية في التاريخ على مدينتي هيروشيما وتجازاكي اليابانيتين فأزهقت أرواح ما يقرب من مئتي وعشرين ألف شخص؛ ناهيك عن القتلى قتلاً بطيئاً جراء الصدمات والحروق الاشعاعية والتسمم الإشعاعي وسرطان الدم الذي ذهب ضحيتىه أغلب القتلى. وما كانت للدول الرأسمالية – وعلى رأسها الولايات المتحدة – أن تتوصل إلى أسلحة الدمار الشامل لولا توظيفها العلم وشراء العلماء بشتى الأغراءات للوصول إلى أسلحة فتاكة بالغة التطور لاستخدامها في حروبها العدوانية التي تخدم مصالحها الاقتصادية من خلال الهيمنة والتوسع في العالم.

بيد أن السلاح النووي ليس سوى رأس “جبل اللهيب البركاني”، إن جاز لنا التعبير، من سلسلة المساعي المحمومة في توظيف العلم لخدمة الشر والدمار البشري والعمراني؛ فقد سبقه منذ مطالع القرن الماضي عدد من أسلحة الدمار الأخرى، كان أبرزها الأسلحة الكيميائية التي استخدمت على نطاق واسع في الحرب العالمية الأولى، والأسلحة البيولوجية. ومن المفارقات الغريبة الصارخة أنه في الوقت الذي ندم فيه عدد من مخترعي أشهر الأسلحة في العالم على قيامهم باختراعها ، كما فعل مخترع المسدس صمويل كولت الأميركي الذي نُقل عنه قوله: “الآن يتساوى القوي والجبان”، ومخترع الديناميت ألفرد نوبل الذي شاء أن يكفّر عن خطيئته بتخصيص معظم ثروته لأشهر جائزة دولية عرفت بإسمه “جائزة نوبل” تمنح في الأساس سنوياً لواحد من الذين يبذلون جهوداً مضنية خلاقة من أجل السلام واطفاء نيران الحروب المشتعلة والنزاعات المحلية والأقليمية، كما تُمنح لعدد من الرواد العالميين في مجالات العلوم والمعرفة الأخرى. كما أبدى حزنه وألمه الشديدين مخائيل كلاشنكوف مخترع الرشاش المعروف بإسمه إبان الحرب العالمية الثانية حيث عانت بلاده إثر هجوم الجيش النازي المباغت عليها؛ وقال ما معناه في سني حياته الأخيرة: بقدر اعتزازي وبكل فخر لاختراع هذا السلاح دفاعاً عن وطني بقدر ألمي بوقوعه في أيدي المجرمين ومشعلي الحروب غير العادلة في العالم.

وأخيراً فقد أبدى ندمه أيضاً العالم الألماني اينشتاين على الرسالة التي أرسلها إلى روزفلت رئيس الولايات المتحدة عن وشوك توصل بلده إلى اختراع السلاح الذري بعدما طورته وصنعته الأخيرة واستخدمته في نهاية الحرب العالمية الثانية 1945.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موقع “المنبر التقدمي” في البحرين – 3 تموز 2020 (مقتطفات)

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل