/
/
/
/

ها قد مضت نحو ستة شهور على البدايات الأولى لتفشي وباء كورونا " كوفيد / 19 " عالمياً  ، ومازال  يفجر كلما اشتدت تداعياته وآثاره المدمرة على مختلف الأصعدة معارك سياسية واقتصادية واجتماعية حامية الوطيس ، هي أشبه بعصر الحرب  الباردة التي كانت سائدة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي ، بل إن هذا الأخير والذي مازال محتفظاً بحلفه العدواني " الناتو " لم تتعرَ أخلاقه الإيديولوجية والإنسانية في ذلك العصر كما تتعرَ الآن أمام البشرية بأجمعها تحت المجهر العالمي في عصرنا الراهن عصر ال "  سوشيل ميديا "  ، حتى أصبحت الرأسمالية  الأميركية ممثلة في إدارة دونالد ترامب ، النموذج الأكثر تجسيداً -بلا رتوش - لكل موبقات الرأسمالية العالمية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في ظل المحنة الوبائية المريرة الحالية،  كما تجلى الأمر كذلك في تجردها من الضمير الإنساني بالتخلي عن القيام بأدنى واجباتها لحماية شعوبها من شر الوباء" و في غياب تكافؤ العدالة الاجتماعية والفرص بين القادرين بأموالهم على التمتع بالضمان الصحي والطبي وغير القادرين الذين تُركوا باستخفاف مريع  يواجهون مصائرهم بأنفسهم ليس أمامهم سوى الهلاك  ، لا بل أن الرأسمالية لم تتورع  عن اللهث أيضاً نحو استغلال أجواء الأزمة الصحية العالمية الراهنة  -داخلياً وخارجياً - لمراكمة الأرباح من خلال  المتاجرة في الوباء  العالمي بغية الحصول على قصب السبق في حق ملكية اختراع هذا اللقاح أو ذاك اللقاح حتى لو تطلب الأمر شراء براءة اختراعه خارجياً كما فعل ترامب في فضيحته مع حليفة بلاده ألمانيا التي تصدت لهذه المحاولة ورفضتها  ، فضلاً عن سائر عن محاولة الرأسمالية المتاجرة أيضاً في الأدوية العلاجية المكملة ذات العلاقة بالوقاية أو الاستشفاء  من الفيروس ، ناهيك عن الترويج و المتاجرة في لقاحات ناجعة ضد فيروسات سابقة لم يثبت علمياً جدواها في صد فيروس " كوفيد- 19 "  ، ومنها أدوية مخصصة ضد أوبئة سابقة  غير كورونا ، علاوةً على وسائل الوقاية التقليدية  الاخرى التي تمت مضاعفة أسعارها في الأسواق العالمية مرات ومرات ، ولا سيما الكمامات وعبوات التعقيم المطهرة وخلافها . 

والحال لم يكن هذا الامتحان هو الأول من نوعه - تاريخياً - لأخلاق الرأسمالية، فقد اُمتحنت هذه الأخلاق منذ بروزها كطبقة استغلالية غداة تفجر الثورة العلمية الصناعية الأولى، ثم اُمتحنت عالمياً إثر تحولها بعدئذ إلى مرحلة الامبريالية، وصولاً إلى طور الرأسمالية المتوحشة الراهن. وفي بدايات صعودها تجلى امتحانها - كما نعلم - في مظاهر استغلال الطبقة العاملة البشع من خلال منحها أجور زهيدة وبلا إجازات نظير ساعات عمل طويلة كانت تصل إلى أكثر من ضعف ساعات العمل الحالية المتعارف عليها في تشريعات العمل الدولي إلى درجة افتقارها الحد الأدنى من ساعات النوم الكافية، وعدم التردد عن رميها على رصيف الفاقة تسريحاً من العمل.  كما اُمتحنت أخلاقها أيضاً من خلال ما يمكننا أن نسميه مجازاً  بالقتل غير المباشر لأفراد الطبقة العاملة المستضعفة المستغَلة جراء اللامبالاة بأهمية توفير بيئة العمل الصحية وذات السلامة المهنية ، فكم من عمال ذهبوا قتلى  ، أو مرضى ومعوقين بتشوهات خلقية مستديمة لسبب انعدام مثل تلك البيئة في منشآت وشركات أرباب العمل ، ثم جاء أخطر أشكال الاستغلال الذي تذهب ضحيته ،ليس الشغيلة وحدها أو وسائر الكادحين فحسب ، بل شعبها وشعوب العالم بأكملها ، والمتمثل في شن الحروب الاستعمارية والامبريالية فيما بينها في الصراع على تقاسم مناطق النفوذ أو الاستئثار بها بغية نهب ثروات شعوب البلدان التي تستعمرها بالقوة اغتصاباً ، بدءاً من الحرب العالمية الأولى ، ومروراً بالحرب العالمية الثانية ، وليس انتهاءً بعدئذ  بحروب التدخل الامبريالية التي ما برحت تشنها ضد الدول التي تستهدفها والتي لا تسير مطواعة في ركابها حتى وقتنا الراهن.  

على أن الحديث عن استغلال الرأسمالية للطبقة العاملة - منذ صعود الأولى - استغلالاً لا إنسانياً لا يقتصر على عدم منحها الحد الأدنى من الأجور المعقولة معيشياً، ولا على انعدام توفير لها بيئة العمل الصحية المناسبة فحسب، بل أن أخطر أنواع الاستغلال المالي يتمثل في عملية” فائض القيمة” كما نظّرها عن عبقرية فذة صائبة المفكر كارل ماركس وغير المعترف بنظريته حتى الآن في علم الإقتصاد الرأسمالي وتشريعات العمل الدولية. وثمة  مسألة اخرى نحسبها على درجة من  الأهمية في تعرية أخلاق الرأسمالية الإنسانية المزيفة ، ألا هي عدم تورعها عن  توظيف التطور العلمي أو الثورة  العلمية ليس لغاية  سعادة شعبها أو أي  شعب من الشعوب التي تدعي مساعدته على " التنمية المستدامة " ، بل من أجل فقط مصالحها الأنانية الضيقة ، وبالتحديد لحساب فئة  محدودة من الأثرياء بين الغالبية العظمى من أفراد شعبها والتي تشكل أقل من 5% من شعبها في أحسن الأحوال بينما يتجمع في أيديها أكثر من 95% من ثروة شعبها ، دع عنك ثروات شعوبها العالم المنهوبة خلال الحقبة الاستعمارية ثم في ظل الاستعمار الجديد والحروب والجوائح  العالمية التي مر ويمر بها العالم . وكلنا نعلم ما ارتكبته الرأسمالية الأميركية من أهوال للشعب الياباني نهاية الحرب العالمية الثانية على إثر توصلها لاختراع السلاح النووي، ولم تكن أبحاثها العلمية ونجاحاتها الفضائية إلا على خلفية تطلعات عسكرية حربية وإن كان ظاهرها علمي مجرد.  

* كاتب بحريني.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل