/
/
/
/

يمر العراق في هذا العام ازمة اقتصادية اجتماعية صحية مركبة تشكل في ثلاثيتها سببا ونتيجة، ولكنها بمفهومها الكلي تأتي نتيجة منطقية لمجمل السياسات الاقتصادية والمالية التي وضعتها الحكومات المتتالية خلال الأعوام السبعة عشر الماضية، وضعت العراق على نهايات شديدة الحراجة غير مألوفة منذ أكثر من قرن، حيث كان العراق عرضة لأكثر الامراض انتشار وفتكا بأرواح الناس.
وازاء هذه الازمة الخطيرة، اضطرت الحكومة الراهنة الى وضع العديد من الاجراءات للخروج من هذه الازمة الصحية، ومرر البرلمان مشروع قانون الاقتراض الداخلي والخارجي الذي عرضته الحكومة، رغم انه اختلف معها في مقدار هذا الاقتراض فخفضه من 43 مليار دولار الى 21 مليار دولار، وحسنا فعل، ومع ذلك فقد وقع في خطا مماثل من حيث النتيجة، فقد تم اقرار الاقتراض الداخلي ليكون 15 مليار دولار والباقي ومقداره 5 مليارات دولار من الخارج، مستندا الى قانون الادارة المالية والدين العام، وكان المفروض ان يقتصر الاقتراض من المصادر الداخلية لسببين اساسيين، الاول يتعلق بتأخر امكانية الحصول على القرض الخارجي ومن اطراف عدة، والثاني خضوع هذا النوع من الاقتراض على شروط سياسية واقتصادية فيها قدر من الضرر على مستقبل الاجيال القادمة.
وإذا اخذنا بعين الاعتبار تصريحات رئيس اللجنة البرلمانية، من ان مجموع ما تحتاجه البلاد خلال هذا العام ما مقداره 59 مليار دولار كنفقات تشغيلية، وأن ايرادات الحكومة المالية للفترة المتبقية ستبلغ 17 مليار دولار، فان العجز والحالة هذه سيكون 42 مليار دولار. فكيف سيتم تسديد هذا العجز واي نفق مظلم سيدخل فيه العراق.
وليس بدون فائدة الرجوع الى الأرقام المتوافرة عن الايرادات المالية الى دخلت الى العراق، لنستقي منها الدرس والعبرة، اذ كان مجموع الايرادات من العملة الاجنبية للفترة من عام 2005 ولغاية عام 2017، 706 مليار دولار، أنفق منها أكثر من 703 مليار دولار، والبقية تم تدويره الى رصيد افتتاحي لحساب وزارة المالية في بداية عام 2018، وكانت نسبة المنفق من الايرادات المالية الاجنبية 99،5 في المائة من حجم الايرادات الكلي، فضلا عن ذلك بلغ حجم التنفيذ المالي للموازنات السنوية 489 مليار دولار، اي ما نسبته 70 في المائة، ناهيك عن المنفق على الاستيرادات الحكومية وعقود التراخيص النفطية والمدفوعات العسكرية وخدمة الديون الاجنبية، هذا الكم الصادم من الإنفاق كل ذلك كان وليد جملة من الاسباب تقف في مقدمتها الزيادة في عرض النقد وسوء الادارة المالية والنقدية والمغالاة في الانفاق الاستهلاكي الحكومي والخاص وقلة الانفاق الاستثماري، ويقف على رأس كل هذه الاسباب عمليات الفساد التي تتسلل بين أوعية عمليات الانفاق الملغمة باللجان الاقتصادية للأحزاب النافذة.
ان الحكومة العراقية مدعوة لإعادة تقييم كافة السياسات السابقة سواء ما يتعلق بالسياسة المالية الانفاقية بما فيها ابواب الهدر والفساد ومصادر التمويل وامكانيات تعظيم الايرادات والدروس المستخلصة منها، مع ما تتطلب من خطط وتشريعات ملزمة وتنسيق كامل بين الاجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية والعمل كفريق واحد للخروج من هذه الازمة القاتلة، ونقترح في هذا المجال ما يلي:
• اعادة النظر في حجم الانفاق الحكومي وتخليصه من ابواب الهدر والى ادنى المستويات، والالتفات الى الانشطة التي تساهم في تنويع الاقتصاد وتوجيه الايرادات النفطية نحو قطاعات الانتاج، والابتعاد ما أمكن عن إنفاق القروض الاجنبية لأغراض الانفاق التشغيلي كي لا يكون عبئا على الاقتصاد الوطني والموازنات السنوية.
• توجيه الموارد الداخلية بما فيها القروض الداخلية نحو الانفاق التشغيلي، وبضمنها مصادر الدخل الاخرى كالمنافذ الحدودية والايرادات الضريبية بكل عناوينها بما فيها شركات الاتصال والضرائب المفروضة على عمليات شراء الدولار من نافذة البنك المركزي وشركات التامين وكافة الاوعية الضريبية الاخرى.
• نؤكد التشديد على تعبئة جهد وطني واسع وحقيقي متعدد الاطراف بما فيها الحركة الجماهيرية، لمكافحة الفساد داخل الجهاز الحكومي والتعبئة الرقابية لإبعاد الفاسدين وتنشيط حركة القضاء لاستعادة الاموال المنهوبة والاستعانة بالجهد الدولي لهذا الغرض.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل