/
/
/
/

عرّت الكورونا جوهر الرأسمالية المتفوّقة صناعياً وتكنولوجياً واقتصادياً، وأزاحت عنها تلك المساحيق التي طالما أصبغت وجهها بها، وكشفت عن أنانيتها التي تقطر دماً من أجساد البائسين الفقراء.

سقطت تلك الأيقونات الوهمية المعلّقة على صدر الرأسمالية، سقطت حقوق الإنسان ومجتمع الرفاه، والديمقراطية المقننة للقلّة المتحكمة، سقطت قدسية الحرية الفردية، وسقطت تلك المساحيق أمام امتحان الكورونا القاتل، وها هي الرأسمالية بكل جبروتها وقوّتها وثرواتها فوق الخيالية، تعجز عن مطاردة هذا القاتل المنفلت، وتستغيث طالبة النجدة من بعضها. لقد انكشفت قدرتها المحدودة على توفير أبسط المستلزمات الإنسانية الطبية لمواجهة هذا الوباء الذي يجتاح العالم ويتخطى حدود القوميات والدول باحثاً عن ضحاياه دون أن يلقى قوة ذلك الجبروت الرأسمالي العلمي والتكنولوجي، هذا الجبروت الذي كان حاضراً دوماً في إشعال الحروب، وقتل الشعوب وابتداع أحدث الأسلحة في تدميرها ونهب خيرات بلادها.

إن العالم اليوم يعيش أزمة فريدة في وصفها، استثنائية في تبعاتها وتأثيراتها، شاملة في ضحاياها وجغرافيتها، ليس بسبب ظهور وباء الكورونا فحسب، إنما بسبب ذلك الإخفاق الكبير الذي واجه الرأسمالية المتوحشة في محاربتها لهذا الوباء.

إننا نتحدث عن مظهر عالمي "أزموي" ليس له مثيل في التاريخ، الكرة الأرضية تلبس قناع الوقاية، والعالم يحتجب عن فضائه، والشعوب تنزوي في منازلها، تفقد هوايتها في السير على الطرقات، والتنزّه في الحدائق، وممارسة الرياضة في الهواء الطلق، تفقد هوايتها في التمتع بالمسرح والسينما والفن، تتوقف تظاهراتها واحتجاجاتها في الشوارع ضد أنظمتها وعسفها، مدن خالية من الإنسان، مدن أشباح قد يظن البعض أن الإنسان لم يطأها من قبل، كيف فقدت الشعوب لذة الحياة الاجتماعية، كيف ابتعدت عن ضوء شمسها، وأقفلت فاهها حتى لا تستنشق أوكسجين الحياة والحرّية، تلك هي الأزمة الاجتماعية، أهي فيلم سينمائي من الخيال العلمي، أم هي حرب جنودها من كوكب آخر؟ أم هي بروفه لأزمات تالية ومتلاحقة من صنع البشر؟

تلك هي الأزمة على حقيقتها، بانوراما سوداء في زمن الكورونا، كيف بدأت الأزمة؟ وكيف توسّعت دائرتها؟ وتحوّلت إلى أزمة عميقة اقتصادية واجتماعية وسياسية وعلمية وثقافية قلّ نظيرها على مدى قرون من الزمن؟ وهل يمكن فصل أزمة كورونا بالمعنى الضيّق عن أزمة الرأسمالية والسياسة الدولية؟

الرأسمالية متهمة، ولم تثبت براءتها.

من غير المنطقي ومن غير العلمية في شيء أن يتم الفصل بين الأزمتين، فهما أزمتان متفاعلتان متداخلتان في السبب والنتيجة، ولا يمكن فهم ما يجري اليوم على مستوى الكرة الأرضية من التدابير الاحترازية والإجراءات العملية في مواجهة وباء سريع الانتشار، والتبعات الاقتصادية والاجتماعية، دون التعمق في الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي أوصلت العالم إلى هذا النفق المظلم والمرعب.

لا يمكن اختزال كل الأسئلة الصعبة في سؤال نمطي يتداوله عامة الناس، من هو وراء فيروس كورونا؟ بيد أن السؤال الصعب يتمحور حول. هل قامت الرأسمالية ممثلة بدولها ومؤسساتها الفائقة الحداثة والتطوّر والتكنولوجيا بما يكفي لمواجهة هذا الفيروس؟ ما هو السر وراء تلكؤ دول الغرب الرأسمالي في مواجهة الفيروس مبكراً؟ ولماذا لجأت الرأسمالية إلى العلاج السهل والطبيعي للإفلات من الفيروس غير الطبيعي عبر دعوة الناس إلى الاختباء في المنازل، كي يرحل الفيروس القاتل طوعاً!؟

إن إخفاق الدول الرأسمالية في محاصرة الوباء الكوروني، أمر لا يمكن المرور عليه بدون البحث عن الأسباب والأهداف، مما يدفع المرء الى التساؤل " لماذا نادى سياسيو الرأسمالية بنظرية مناعة القطيع؟ قبل أن يستفحل الفيروس في بلدانهم؟

هل كانت الرأسمالية ممثّلة بدولها المختلفة عاجزة عن إنتاج وتوفير الوسائل والإمكانيات والمعدّات الصحية اللازمة لمواجهة الفيروس وهي التي تتمتع بأعلى مستويات التقدم العلمي والتكنولوجي والبيولوجي أم أنها كرأسمالية متوحشة لم تكن معنية بالأساس بتطوير المنظومات الصحية لأجل حماية الإنسان، ومحاربة الأوبئة والكوارث الطبيعية والصناعية؟

لقد عملت كارثة النيوليبرالية الاقتصادية على تدمير القيم الإنسانية لدى الكثير من الدول. لقد دمرت أحلام الناس في الحرية للجميع، والطعام للجميع، والتعليم للجميع، والصحة للجميع.

إن زمن الكورونا هو امتداد لزمن الكوليرا القريب والبعيد، ومثال هاييتي في الذاكرة حيث طالت 5% من سكان الشعب الهاييتي، وأخفق الغرب وأخفقت الأمم المتحدة في حل مشكلة الكوليرا في هاييتي، بل ساومت ورفضت تحمل المسؤولية عن موت الآلاف من الشعب الهاييتي.

منذ عقود والرأسمالية تعيد الاعتبار لشعار "دعه يعمل... دعه يمر" كمبدأ اقتصادي يمنع كل أشكال الرقابة الحكومية والقانونية في قطاع الاقتصاد الخاص وشركاته على اعتبار أن قوى العرض والطلب في السوق تسمح بتنظيم وتصحيح أي خلل في الأسعار والأجور والعمال بشكل تلقائي! هذا المبدأ الذي تتبناه قوى الرأسمالية النيوليبرالية والترامبية اليوم، فاقم من أزمة الرأسمالية وسمح للقلة القليلة أن تتملك الثروات الخيالية التي تجاوزت كثيراً موازنات الدولة ذاتها، الأمر الذي أوجد نظام المصاهرة بين الرأسمالية وأقطاب ومؤسسات الدولة، وأتاح لهما أن يمتلكا كل شيء، وترك الأغلبية الساحقة من السكان عرضة لأزمات دورية تأكل ثرواتها وأجورها ومدخراتها المتواضعة، وإفقارها لصالح تلك الفئة القليلة المتحكمة.

غير أن محرك عقل الرأسمالية هو عامل الربح ومراكمة رأس المال في المقام الأول والأخير، وما الإنسان إلا ترس في الماكنة الصناعية والإنتاجية الرأسمالية، وهي قادرة على توفير أفضل وأحدث الأجهزة الطبية وأقنعة الوقاية، كما تفعل حين توفر لجنودها كل اسباب الحماية من الغازات الكيماوية والبارود وهي تحارب الشعوب وتنهب الخيرات.

إن النظام الصحي الرأسمالي ليس متخلفاً علمياً، إنما هو مبني ومؤسس على نظام السوق، حيث هناك فرق بين مستوى الخدمات التي تقدم، وبين طبيعة النظام غير العادل، فالخدمات مرهونة بمن يدفع أكثر كي يحصل على مزايا أفضل، في حين أن بنية النظام الصحي الرأسمالي لا توفر الخدمات الصحية المتطورة والشاملة لكافة شرائح المجتمع، ويفتقد النظام إلى الشمولية في الخدمات والعدالة والمساواة الاجتماعية، فهناك نسبة 80% من الأمريكيين يرون أن نظامهم الصحي لا يلبي حاجتهم العلاجية، وأنه يحتاج الى تغيير شامل في بنيته وأهدافه وأنظمته.

إن أزمة الكورونا سوف تترك ندوباً غير قليلة في المجتمع الأميركي، وستتحوّل إلى أوضاع اجتماعية واقتصادية تفاقم من أزمة الرأسمالية، فالمعطيات الأولية تتحدّث عن أن 80 مليون من الأميركيين سيواجهون صعوبة عالية في معيشتهم وحياتهم، وأنّ 60 مليون عامل سيعانون من الأزمة جرّاء تعاطيهم رواتب لا تزيد عن 500$ شهرياً!

إن خروج أميركا من إتفاقية "كيتو" للمناخ مع مجيء ترامب اعتراف وإصرار على دور أميركي كارثي للأرض والإنسان... والرأسمالية هي صانعة المعجزات لكنها صانعة الدمار والخراب بفعل عقيدتها في تأليه الربح وسطوة رأس المال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

"النداء"  19 حزيران 2020 (مقتطفات)

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل