/
/
/
/

لربما تشكل جائحة فيروس الكورونا مناسبة إضافية لنقد الرأسمالية والعمل على بناء البديل الماركسي لها. فالأزمة التي تضرب نظامها العالمي الآن هي الأكبر منذ نشوئها والثانية من حيث حجمها في العقد الأخير بعد أزمة 2008-2009 التي ضربت المنظومة المالية العالمية وما سمي الفقاعة المالية.
"سوف تشفي الماركسية المرضى" هي أحد الرسومات الأخيرة للرسامة المكسيكية المعروفة فريدا كالو عام 1954.
وتشكل الظروف الحالية للإنسانية جمعاء مناسبة للتوقف امام هذا العمل الفني وإحياء ذكرى هذه الفنانة التي كان آخر ظهور لها قبل وفاتها المبكرة في آب من نفس العام، في مظاهرة ضد تدخل وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية في غواتيمالا. إن التوقف أمام هذه اللوحة يستدعي فهم حياة الفنانة نفسها وفهم دوافعها والسياقات النفسية والجسدية المتراكمة في نسيج اللوحة ذاتها والرسالة الأخيرة للفنانة.
ولدت فريدا كالو في آب عام 1907 ثلاث سنوات قبل بدء أحداث الثورة المكسيكية الدموية، في انتفاضة ضد اضطهاد طبقة الفلاحين ومن أجل الاصلاح الزراعي والتأميم. رفض المنتفضون أيضا أسلوب الحياة الأوروبي المعتمد، داعين الى احياء حضارة السكان الأصليين. لقد شكلت هذه المطالب ليس فقط وعي فريدا كالو السياسي بل وأيضا توجهاتها واساليبها الفنية. في السادسة من عمرها، أصيبت بشلل الأطفال الذي تركها بساق مريضة نحيفة. لكن والدها شجعها على الدراسة وتحصيل الثقافة موفرا لها المصادر الملائمة، وأثناء الثورة صار من حق النساء دخول المدارس.
التحقت كالو بكلية اعدادية لدراسة الطب واثناء هذه الفترة التحقت بمجموعة من الفتية (Cachuchas) ذوي الميول الوطنية والتوجهات اليسارية للفلسفة والتاريخ فتعرفت على الفكر الماركسي. في عامها الثامن عشر تعرضت الحافلة التي تقلها لحادثة سير مأساوية أصيبت خلالها فريدا كالو بالعديد من الكسور في عظام جسدها الرقيق وبجروح خطيرة أصابت بيت الرحم وشلت قدرتها على الإنجاب، وقضت على مخططها دراسة الطب وتركتها أسيرة الألم بقية حياتها. استفاقت فريدا كالو بعد ثلاثة أسابيع من الغيبوبة ضاربة عرض الحائط بتوقعات الأطباء المشؤومة لها. وخلال هذه الفترة لم يبرح والدها سريرها أما أمها المتدينة الكاثوليكية المتزمتة والتي تعود بأصولها الى سكان أمريكا اللاتينية الأصليين فلم تزرها قط.
بعد انضمامها للحزب الشيوعي المكسيكي توطدت علاقتها السابقة بالفنان دييغو ريفرا والذي كان عضوا في لجنته المركزية (طرد منه لاحقا لعلاقته بليون تروتسكي)، تزوج الاثنان بما سمي زواج الحمامة والفيل (لرقة جسمها وضخامة جسمه) ورغم أن حياتهما لم تكن مثالية ورغم اصاباتها العديدة لم تتوقف فريدا كالو عن حلمها إنجاب طفل، الا انها لم تتمكن من معايشة تجربة الأمومة وبعد محاولاتها المتكررة التي باءت بالإجهاض وخسارتها المتتالية، حملت فرشاتها ورسمت لوحتها "مستشفى هنري فورد" (1932) لوحة لأطفال موتى وأجنة في الرحم.(هنري فورد في إشارة غير مباشرة لحادثة السير ومصانع السيارات والحافلات).
إن صاحبة لوحة "الغزال الجريح" (1944) غالبا ما تعد على السوريالية فتوضع مقابل سلفادور دالي في الموقع الآخر الكبير النسوي. لفتت أعمال فريدا كالو نظر أندريه بريتون (كاتب وشاعر فرنسي أحد مؤسسي السريالية وقائدها ومنظّرها الرئيسي، مؤلف "البيان السوريالي") وعلى وجه الخصوص لوحة "ما أعطتني إياه المياه - (1938 والتي كانت بالنسبة له عملا نموذجيا للسوريالية واصفا إياه بأنه "وعود الخيال المليئة بروعة أكبر من الواقع نفسه".
تشكل لوحة "ما أعطتني إياه المياه" سردا ذاتيا خصبا لحياة الفنانة أو نوعا من المذكرات التي خُطت بريشة الرسم؛ حوض استحمام وأجزاء من قدمين منعكستين في الماء، أجساد، جزيرة وبركان ثورتها الدائمة وناطحة سحاب تنفجر، طائر نقار الخشب ميتا وهيكل عظمي، حبال مشدودة، جسد امرأة عائم مثل أوفيليا عروس هاملت المرتقبة التي يقودها الجنون الى الغرق، يشدها رجل مجهول الهوية بحبل يلتف حول عنقها، زوجان يشبهان والديها، ثوب امرأة مكسيكي يطفو دون جسد وأصداف يخترقها الرصاص. تعود بنا موضوعات اللوحة الى رسومات أيقونية قديمة وأساطير ورموز ونباتات تشدنا الى الماضي الما قبل كولونيالي لموطنها، والى الصراع الدائم للجديد والقديم حيث تختلط تقنيات الرسم الحديثة بالقديمة في أشلاء صور الحياة والموت، الراحة المؤقتة والخسارات الدائمة، آلام الجسد وآلام الروح. في هذه اللوحة نتعرف على الفنانة "التي ولدت نفسها" كما قالت. وفيها تنتفي المسافة القائمة بين الفنان والمشاهد، بين الذات والآخر، حيث يقوم الفنان "بفضح" ذاته المشوهة أمامه بكامل عريها. إنها من خلال أسلوبها في التصوير البصري الفظ تنقل صدمة وجودها، فتقدم نفسها لمحكمة التاريخ في نفس الوقت الذي تبني فيه فنها العظيم. إنها من خلال تقديم ذاتها على سرير التشريح تنتقل من وعي الذات المنصب على ذاته الى وعي أعلى للذات في الوجود الرافض لهذا العالم على شكل بركان يفجر ما تحضره ناطحات السحاب.
وعلى أساس هذه اللوحة تم اعتبارها فنانة سوريالية، الا انها طوال حياتها رفضت أن يتم الصاق هذا الوصف بها قائلة بأن أساس عملها ليست الرؤى سريعة الزوال لانتظام الألوان والاشكال المتناقضة في لعبة الظل والضوء، بل معاناة الجسد الواقعي وآلام الخيبة والخيانة، الفراق والوحدة. ووراء الملابس الانيقة والعبارات الفخمة أخفت فريدا كالو روحها المشلولة وجسدها الغض الذي تعرض الى ما لا يقل عن 30 عملية جراحية والذي لن يظهر الا على رقعة قماش الرسم.
لكنها ولدت لتحيا وتناضل. وأمام اعاقتها الجسدية والتوقعات الجنسانية لعصرها كافحت برياضة الملاكمة ضعفها الناشئ عن المرض والذي بالإضافة لحادث السرير الكارثي شكل ينبوعا لتجربتها الفنية ومناسبة لصياغة شخصيتها ومعتقداتها. لقد شكلت قدرتها المتكررة على النهوض من أعماق الإعاقة موضوعات وزخارف داخل العديد من أعمالها الفنية، ورباطا وجدانيا بينها وبين أولئك الذين يكافحون من أجل البقاء.
إن الاستعارة المجازية في لوحة "سوف تشفي الماركسية المرضى" بين معاناة واعاقة فريدا كالو وانتمائها الفكري واضحة تماما. تضع الفنانة نفسها داخل المشد الجلدي الذي يعينها على الوقوف والحركة وتحمل الألم كتجسيد لمعاناة الجماهير أمام قوى الاستغلال الرأسمالي والامريكي خاصة، تلفها يدا ماركس الذي يطل من الأفق الأزرق، برفق مطمئن ولتتمكن من التخلص من عكازتيها. الصورة الايقونية الإنجيلية واضحة تماما في اشارتها للقدرة العلاجية للماركسية للمجتمع.
توزيع وحضور الرموز والطابع الايقوني للوحة يمنحانها طابع الملصق السياسي المباشر. تحضر في اللوحة ثنائية الخير والشر، الحرب والسلام، ماركس القديس واليانكي الشرير، الحمامة البيضاء والنسر الى جانب فستانها الشعبي بألوانه البسيطة وزخرفاته الساذجة الذي يستحضر الترويج لحركة النهضة المكسيكية وللهوية الثقافية التي حررتها الثورة.
فريدا كالو كانت المرأة التي تحدت التوقعات الجندرية كمكسيكية، والناجية من الصدمة والواقفة رغم الإعاقة، عرفت جيدا معنى النضال من أجل الحرية وهو مثال كانت تتصوره في الماركسية.
ومع أن الطابع الغالب لأعمالها الرائدة هي اللوحات الشخصية (بورتريه) ذات الطابع النسوي المتحدي للأعراف الجمالية السائدة والمتفحص للحدود الجسدية والطبيعة المكسيكية وثقافة البلاد الشعبية في محاولة لاستكشاف أسئلة الهوية وما بعد الاستعمار والجنس والطبقة والعرق، الا أنها في هذه اللوحة تعبر عن موقف سياسي مباشر وصريح يذكرنا بلوحة أخرى لها وهي "بورتريه على حدود المكسيك والولايات المتحدة" (1932) تنتصب فيه فريدا كالو ذاتا ما بعد كولونيالية في فستانها الزاهي على الحدود، مدافعة عن حضارة السكان الأصلانيين في وجه حضارة أمريكا الشمالية.
في أيامها الأخيرة ورغم بتر ساقها واصلت نشاطها السياسي فتظاهرت ضد الإمبريالية الأمريكية على كرسيها المتحرك. توفيت فريدا كالو عام 1954 تاركة لوحتها غير مكتملة. وفي جنازة الفنانة انشدت الجوقة نشيد الأممية ولف نعشها بالعلم الأحمر المزين بالمطرقة والمنجل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الحوار المتمدن – 7 حزيران 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل