/
/
/
/

 خلال منتصف أربعينيات القرن الماضي قدَّم أبرهام ماسلو ( 1908 ـ 1970 ) عالِم النفس الأميركي نظريّة التحفيز الأنساني والتي عرفت بهرم ماسلو للاحتياجات، وهي عبارة عن تسلسل هرمي للدوافع التي تحرك الإنسان في مختلف مراحل حياته. وقد شكل محتوى النظرية نقطة انطلاقة للعديد من الأبحاث العلمية في مجلات متنوعة كالطبّ، التدريس، الإدارة وفن التسويق وحتى في ازمان التراجع والأزمات المستفحلة. ويتجلى المدخل في هذا الهرم في أنّ أيّ حاجة عُليا لا يمكن تلبيتها إلا بعد تلبية الاحتياجات التي تقع أسفل منها في الترتيب. ما يعني أنّه يصعب على الفرد –على الرغم من أنه ليس مستحيلًا- إشباع حاجته في الحبّ/الانتماء على سبيل المثال إلا إذا استطاع أنْ يُشبع ويلبّي احتياجاته الفيسيولوجية والأمنية، وهكذا دواليْك. يفترض ماسلو أن الحاجات أو الدوافع الإنسانية تنتظم في تدرج أو نظام متصاعد من حيث الأولوية أو شدة التأثير, فعندما تشبع الحاجات الأكثر أولوية أو الأعظم حاجة وإلحاحاً فإن الحاجات التالية في التدرج الهرمي تبرز وتطلب الإشباع هي الأخرى، وعندما تشبع نكون قد صعدنا درجة أعلى على سلم الدوافع، وهكذا حتى نصل إلى قمته. هذه الحاجات والدوافع وفقاً لأولوياتها في النظام المتصاعد كما وصفه ماسلو هي كما يلي:

1 ـ الحاجات الفسيولوجية: مثل التنفس، والشرب، والأكل، والجنس، والنوم، والإخراج، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر.

2 ـ حاجة الأمان: وتشمل مجموعة من الحاجات المتصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان المادي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن والثبات والنظام والحماية والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات. وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول,  ومن الغموض ومن الفوضى واختلاط الأمور أو الخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة.

3 ـ الحاجات الأجتماعية: وتشمل مجموعة من الحاجات النفسية مثل الحاجة إلى الألفة والعلاقة الحميمة مع شخص آخر، والحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوا في عائلة أو جماعة منظمة.. الحاجة إلى بيئة أو إطار اجتماعي يحس فيه الإنسان بالألفة مثل الصداقة أو الحي أو الأشكال المختلفة من الأنظمة والنشاطات الاجتماعية. وهنا يمكن الحديث عن:

أ ـ المستوى الأدنى أو مستوى الحب الناشئ عن النقص وفيه يبحث الإنسان عن صحبة أو علاقة تخلصه من توتر الوحدة وتساهم في إشباع حاجاته الأساسية الأخرى مثل الراحة والأمان والجنس... الح.

ب ـ المستوى الأعلى أو مستوى الكينونة وفيه يقيم الإنسان علاقة خالصة مع آخر كشخص مستقل, كوجود آخر يحبه لذاته دون رغبة في استغلاله أو استبداله لصالح احتياجاته هو.

4 ـ حاجات التقدير هذا النوع من الحاجات كما يراه ماسلو له جانبان:

أ ـ جانب متعلق باحترام النفس أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.

ب ـ والآخر متعلق بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج ويشمل الحاجة إلى اكتساب احترام الآخرين, السمعة الحسنة, النجاح والوضع الاجتماعي المرموق, الشهرة والمجد… الخ. وماسلو يرى أنه بتطور السن والنضج الشخصي يصبح الجانب الأول أكثر قيمة وأهمية للإنسان من الجانب الثاني.

5 ـ حاجات تحقيق الذات والحاجات العليا تحت عنوان تحقيق الذات يصف ماسلو مجموعة من الحاجات أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلا بعد تحقيق إشباع كاف لما يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كل قدراته ومواهبه وتحقيق كل إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يفهم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود, وإنما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة, وخلق الجمال, وتحقيق النظام, وتأكيد العدل.. الخ. مثل هذه القيم والغايات تمثل في رأي ماسلو حاجات أو دوافع أصيلة وكامنة في الإنسان بشكل طبيعي مثلها في ذلك مثل الحاجات الأدنى إلى الطعام, والأمان, والحب, والتقدير. هي جزء لا يتجزأ من الإمكانات الكامنة في الشخصية الإنسانية والتي تلح من أجل أن تتحقق لكي يصل الإنسان إلى مرتبة تحقيق ذاته والوفاء بكل دوافعها أو حاجاتها.

بعد تحقيق الذات يتبقى نوعان من الحاجات أو الدوافع هما الحاجات المعرفية والحاجات الجمالية ورغم تأكيد ماسلو على وجود وأهمية هذين النوعين ضمن نسق الحاجات الإنسانية إلا أنه فيما يبدو لم يحدد لهما موضعا واضحا في نظامه المتصاعد, وهما:

1 ـ الحاجات الجمالية : وهذه تشمل فيما تشمل عدم احتمال الاضطراب والفوضى والقبح والميل إلى النظام, والتناسق, والحاجة إلى إزالة التوتر الناشئ عن عدم الاكتمال في عمل ما أو نسق ما.

2 ـ الحاجات المعرفية:  وتشمل الحاجة إلى الاستكشاف والمعرفة والفهم، وقد أكد ماسلو على أهميتها للإنسان، وهي في تصوره تأخذ أشكالا متدرجة, تبدأ في المستويات الأدنى بالحاجة إلى معرفة العالم واستكشافه بما يتسق مع إشباع الحاجات الأخرى ثم تتدرج حتى تصل إلى نوع من الحاجة إلى وضع الأحداث في نسق نظري مفهوم, أو خلق نظام معرفي يفسر العالم والوجود. وهي في المستويات الأعلى تصبح قيمة يسعى الإنسان إليها لذاتها بصرف النظر عن علاقتها بإشباع الحاجات الأدنى.

في الفئة الأولى من التسلسل الهرميّ, أي قاعدة الهرم, تقع "الاحتياجات الفيسيولوجية" كالعطش والجوع والتنفس والجنس، تليها احتياجات الأمان والسلامة. وتتوسع الحاجة إلى الأمان إلى ما هو أبعد من السلامة الجسدية، لتشمل أيضًا الاستقرار السياسيّ والأمان الاقتصادي والوظيفيّ، والحماية من أيّ خطرٍ قد يهدّد وجود الفرد وبقاءه والذي قد يتجسد في غياب وظيفته، أو عدم القدرة على الحصول على الرعاية الصحية إن احتاج الأمر، أو حتى الأخطار السياسية كالحروب والصراعات والنزاعات الطائفية، وغياب الجيش القوي والحاكم الجيد عن المشهد.

وفي هذا الصدد، تمثّل الديمقراطية طريقًا آخر يمكن أن يساعد في بناء السلامة والأمان للأفراد في مجتمع معين، نظرًا للاعتقاد الشائع الذي يرى بأنّ الديمقراطية تعمل على تحسين العدالة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. وبالتالي، يشعر الأفراد بالأمان في البيئات التي تنتشر فيها الديمقراطية السياسية. وبكلماتٍ أخرى، يمكننا القول أن السمات التي تسهم في إشباع احتياجات الأمن والسلامة للأفراد في المجتمعات الحديثة يمكن تمثّلها في الحُكم/الجيش القويّ والديموقراطية والاستقرار السياسي والاقتصاديّ.

 لقد تعرضت نظرية ماسلو كغيرها من النظريات الى انتقادات عديده, ولعل ابرزها أن الفرد ليست بالضرورة أن يمر بتتابعية تقليدية في الهرم ثم يرتقي تدريجيا للوصول الى قمته, بل هناك افراد كثر قد تكون لديهم هذه الهرمية معكوسة او مختلفة المراحل, فالكثير من الناس ابدعوا وتمتعوا بمقدار من تحقيق وتقدير الذات مع تلكؤات في قاعدة الهرم وحتى ما بعده, ولكن والحق يقال ان السياقات الطبيعية تستدعي المرور في هرمية ماسلو, ولكن في بلدان العالم الأدنى تطورا و العالم الثالث يبدوا نسبيا مختلف, ولكنهم قلة في تلك البلدان من يقفز المراحل, فالسياقات الطبيعية وسنة اشباع الحاجات تقتضي المرور بهرم ماسلو, كي يكون الأمر ظاهرة وليست استثناء, وعلى الأقل في ظروف السلم والأستقرار والصحة العامة..

 وفي ظل كورنا وما نعيشه الآن، تأكد لنا ان ابراهام ماسلو في اختياره لهرمه لم يكن مخطأ، وقد تبين ان اسفل الهرم يشكل هو اساسي لكل البشرية وانه في وقت تنحصر فيه الاختيارات وتضيق فيه الحلول، فإن الكل يبحث عن اساسيات الحياة، وكلما نشاهده هو اسفل الهرم فقط، فالكل يصارع من اجل الحاجات الفيسيولوجية: الطعام، الماء، الجنس، الاخراج، التنفس والكل يريد أن يحقق ذلك في اقرب وقت وبشكل مستمر لمدة معينة من اجل تحقيق المرحلة الثانية من الهرم والتي تمس الشعور بالأمان، السلامة الجسدية والصحية، أمن الموارد ثم بعدها الأمن الوظيفي الذي سيكون سببا في تلبية الحاجيات السابقة، أما المرحة الثالثة من الهرم، فيبدو انها بدأت تضعف اهميتها نسبيا وهي الحاجة لأصدقاء والعلاقات الاسرية، بسبب فرض الحظر وبسبب نقص اهميتها مقارنة مع الاحتياجات السابقة، اما مرحلة تقدير الذات واحترام الاخرين، ففي سلوكيات الشعوب جميعها عبر ما نشاهده حول العالم  دون قياس الاقلية، التي نراها، تساعد الاخر لتشعر بتقدير ذاتي يشعرها بالارتياح، فإن أغلب السلوكيات تدل على ابتعادات مفرطة وحب للذات دون التفكير في الاخر" بعضها مشروع ضمن التوجيهات العامة وبعضها ردود افعال عنيفة لما يحل بالمجتمع من كارثة", وبالتأكيد انها سلوكيات أزمة تهتز فيها المقاييس ولا تدخل في اطار عيوب مطلقة, ولعل في وسائل التواصل الاجتماعي عبر الشبكة العنكبوتية ان يسهم برد الاعتبار لبعض الأختلالات في هرم ماسلو.

واذا كانت الأزمة العالمية لكورنا في العالم المتقدم تأخذ صبغة مؤقتة وان الاستعداد لها رغم المفاجئة هو افضل من الكثير من بلدان العالم النامي او المتخلف, فهناك تعبئة للموارد المالية والبشرية بشكل افضل, وهناك الوعي المجتمعي ومديات من الثقة المتبادلة بين السلطات الحكومية والصحية, وما يعيب على بلداننا قبل جائحة كورونا أن هناك ازمات مستعصية, اقتصادية واجتماعية وسياسية ألقت بحمولتها على أزمة كورونا مما زاد الموقف أكثر تعقيدا وعجزا في محاربة جائحة كورونا.

العراق نموذجا سيئا لأنتكاسته في ملاحقة جائحة كورونا من حيث الامكانيات المتاحة, حيث الفساد الاداري والمالي وسرقة المال العام, وضعف الدولة وهيبتها حيث سيطرة المليشيات المسلحة والسياسية منها بشكل خاص على مراكز القرار السياسي وعبر الترغيب والترهيب, وضعف سلطة القضاء وعدم مقدرة الحكومة والقضاء والبرلمان على حل اكثر الملفات عويصة وهي ملفات الفساد الذي أنهش جسد الدولة والمجتمع. يعاني العراق من أزمات متفاقمة في مجالات الأمن والتعليم والصحة والخدمات العامة، مقابل ارتفاع عدد سكانه إلى 38.1 مليون نسمة وفقا لوزارة التخطيط في الحكومة الحالية. وقد ارتفعت نسبة الفقر في العراق إلى أكثر من 22.5%، وترتفع في المناطق التي استعادتها القوات الحكومية من تنظيم الدولة “داعش الأرهابي” إلى أكثر من 41%. كما أن إن نسب البطالة في العراق ارتفع إلى 14%، بينما يرتفع في محافظة الأنبار بنسبة 20%، وإنها ترتفع في صفوف الشباب وفي صفوف الإناث أكثر من الذكور. كما إن نسبة الأمية في العراق ارتفعت إلى أكثر من 13% في السنوات الأخيرة( طبعا هذه الاحصائيات رسمية من جهات عراقية وهناك من يطعن بصحتها ويدعي ان الاحصائيات اكثر من ذلك بكثير).

ويعاني العراق على المستوى الاقتصادي من اشكاليات كبيرة جدا بسبب الضعف الكبير في القدرات المالية والاقتصادية وعدم الاستقرار الامني،والفساد المالي وسوء الادارة، وهروب رؤوس الاموال الى الخارج,كما إن إحصائيات صندوق النقد الدولي، تبين إن ديون العراق تراكمت وتفاقمت خلال السنوات الماضية، حيث كانت قبل9سنوات 73.1 مليار دولار، وارتفعت في عام 2014 إلى 75.2 مليار دولار، وفي عام 2015 أصبحت 98 مليار دولار، فيما كانت قبل عامين 114.6مليار دولار، لترتفع خلال العام 2017 إلى 122.9 مليار دولار، ثم عام2018 الى (125) مليار دولار، واليوم لا ندري الديون الى كم وصلت؟ كما إن هناك انخفاض كبير في اسعار النفط الى ما دون(30)دولار للبرميل الواحد، مما أدى الى خسارة العراق لنصف ايراداته المالية، هذا بالإضافة الى تأخير الحكومة في ارسال الموازنة الى البرلمان لإقرارها بسبب العجز والترهل الكبير فيها، مما أدى الى عدم إقرار الموازنة العامة لعام 2020 الى يومنا هذا، بالإضافة الى أسباب كثيرة منها التوتر السياسي الحاصل جراء الحراك الشعبي المتواصل منذ أكتوبر/تشرين الاول لعام 2019،والذي أدى الى استقالة الحكومة وتحولها لحكومة تصريف أعمال ،فخرجت الموازنة عن صلاحيتها في ارسالها الى البرلمان علماً أن الموازنة تعاني من عجز كبير يبلغ أكثر من(40)مليار دولار. وفي محصلة رقمية جنونية هائلة فأن العراق اهدر ما بعد 2003 اكثر من تريليون و400 مليار دولار. ثم جيئ  بمصطفى الكاظمي رئيسا للوزراء حيث استلم ميزانية الدولة فارغة, ولازالت حكومته تراوح في المكان لعدم وجود غطاء داعم لها.

لم يبني العراق بعد 2003 نظاما صحيا قائم على فلسفة أن روح المواطن وصحته هي اثمن رأسمال في المجتمع, بل ترك قطاع الصحة فريسة للمحاصصة الطائفية والاثنية البغيضة وللفساد ونهب اموال صحة المواطن, فلا نستغرب اليوم ان عدد المصابين من قطاع الصحة بكورونا يشكل 20% من مجموع الأصابات الكلية, الى جانب الزيادات السريعة والمضاعفة للأصابة بكورونا في اوساط المواطنين بصورة عامة, وان قطاع الصحة مهدد بالأنهيار التام والعجز. الكامل.

 في تلك الظروف القاسية الاقتصادية والاجتماعية وحيث شرائح الفقراء والكادحين والعمالة اليومية يفتقدون الى الدخل جراء الحجر الصحي, فأنهم بمقياس ماسلو وهرمه  يجلسون تحت قاعدته وليست عنده, حيث يعجز المواطن عن سد رمق العيش, وما كورنا وتوقيتها اليوم إلا وان زادت الطين بله, فأن المواطن قبل كورنا يعاني الأمريين أما في زمن كورنا فأن الحياة انقلبت كليا على عقب, وأن هرم ماسلو وتراتيبية حاجاته قد انهارت, فأن العراقي اليوم حائر بلقمة العيش والبقاء.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل