/
/
/
/

كان عمره 23 عاماً عندما ساهم في المؤلف الذي أشرف عليه الفيلسوف الماركسي الشهير لوي ألتوسير وصدر سنة 1965 في باريس بعنوان: "قراءة (مؤلف) رأس المال". وقد تعرفت إلى أفكاره، بعد وصولي إلى باريس بفترة قصيرة، من خلال كتابيه: "خمس دراسات في المادية التاريخية" (1974) و"حول ديكتاتورية البروليتاريا" (1976)، وذلك قبل أن تتاح لي فرصة التعرف إليه شخصياً. وهو اليوم أستاذ فخري في جامعة نانتير- باريس العاشرة وأستاذ زائر في عدد من الجامعات الأميركية والأوروبية. ومعروف أنه بين أبرز المثقفين الفرنسيين المدافعين عن المهاجرين الذين لا يحملون أوراق إقامة رسمية، وكان مؤخراً من الداعمين لتحرك "السترات الصفراء" الاحتجاجي ضد مشروع التقاعد الذي تقدمت به الحكومة الفرنسية.

كما يعرف عنه أنه من مؤيدي القضية  الفلسطينية، وكان قد نشر في مجلة "لوموند ديبلوماتيك" في أيار 2004 مقالاً مطولاً بعنوان: "كونية القضية الفلسطينية" قدّر فيه أن هذه القضية هي من القضايا التي تسمح للمرء بأن يقوّم كرامة ومسؤولية الخطاب السياسي، وأن الصراع الدائر حولها لا يتعلق، من منظور العدالة والحق، بحرب بين "أشرار" و"طيبين"، بل بصراع  يعبر عن خلل في موازين القوى، صارخ ومستمر في التعاظم، بين إسرائيل، إحدى القوى العسكرية الكبرى في العالم المتحالفة مع القوة العظمى الأميركية والتي تمتلك جميع وسائل الحرب الحديثة، وبين الفلسطينيين الذين يناضلون اليوم من أجل بقائهم بوصفهم شعباً. كما شارك  في 13 أيار 2015 في التوقيع على بيان أصدره عدد من المثقفين الفرنسيين يدعو إلى محاربة معاداة السامية وإلى إدانة سياسة الحكومة الإسرائيلية إزاء الفلسطينيين، ويطالب فرنسا، وجميع الدول الأوروبية،  بممارسة الضغط عليها من خلال الاعتراف بدولة فلسطين، كما فعلت السويد، وضمان  قبولها عضواً كامل العضوية في هيئة الأمم المتحدة، وأن تلتزم هذه الدول بوقف أي مبيعات أسلحة إلى إسرائيل، أو تعاون عسكري معها أو نقل أي تكنولوجيا إليها يمكن أن تستخدم لأغراض عسكرية، وتعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.

وكان قد قدّر أن أمرين يمكن أن يجعلا شرعية إسرائيل هشة بل يسمحا بالتشكيك بها  في نظر قسم كبير من العالم؛ الأول يتمثل في تعريف إسرائيل لنفسها بوصفها "دولة يهودية"، لأن هذا سيكون على حساب الفلسطينيين، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون داخل حدودها، لأنه سيفرض عليهم شرط أن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية، محرومين من عدد كبير من الحقوق ومستثنيين من المساواة الرمزية مع الإسرائيليينن "الحقيقيين" في امتلاك أرضهم المشتركة؛ والثاني  يتمثل، على الصعيدين الحقوقي والأخلاقي، في أن شرعية إسرائيل كدولة حديثة لا يمكن أن تقوم على أسطورة من أصل مقدس، ولا على جعل الإبادة التي لحقت بآباء سكانها اليهود "حقاً سيادياً" يجعلهم فوق قانون الأمم، ولا على القوة المنتصرة، بل تتطلب شرعية إسرائيل اعتراف الشعوب المحيطة بها، وفوق ذلك كله اعتراف الشعب الذي "هُجّر" عبر سيرورة استعمار ذات طبيعة خاصة.  

وقد أصدر باليبار مؤخراً المجلدين الأول والثاني من أعماله الكاملة بعنوان: "تاريخ لا ينتهي" و"ولع المفهوم".

ينطلق باليبار، في مقاربته عالم ما بعد كورونا، من أن التاريخ في حركة مستمرة، وأن الحاضر الذي نجد أنفسنا فيه ينطوي على مستقبل أكيد، يجب أن يكون موضوعاً للتحليل. ويقدّر أن الأزمة الصحية التي تسبب بها كوفيد 19 تنطوي على أزمة اقتصادية واجتماعية، هي قيد التطور وتداعياتها الخطيرة معلقة حالياً. كما تنطوي على أزمة ثالثة، هي أزمة قيم، أزمة أخلاقية عميقة، أزمة حضارية، معتبراً أن الجائحة أطلقت النقاش حول أهمية قطاع الخدمات الاجتماعية، وحول  طبيعة نمط المجتمع والتنظيم الاجتماعي المؤهلين لتجنب حدوث هذا النوع من الكارثة.  كما بيّنت الجائحة إلحاحية إعادة ابتكار مفهوم واسع للدولة كما تصورها أنطونيو غرامشي، الأمر الذي يسمح بضمان توفر أشكال أخرى من المبادرات، والتضامنات والتفاعلات الجماعية، غير تلك التي تؤطرها أجهزة الدولة.

وهو يرى أن الأزمة الصحية، والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، أبرزت في المقام الأول أهمية قطاع الخدمات العامة وكشفت اتساع النزاع الذي يدور حولها. ويشدد، وهو يكتب في منتصف شهر أيار الجاري، على أن الأفكار التي يطرحها تظل قابلة للنقاش، إذ إننا لا نعرف حالياً ما إذا كانت هذه الجائحة ستزول ومتى، ومدى اتساع الأزمة الصحية التي ولدتها، وحدود الأزمة الاقتصادية التي ستنجم عنها، كما لا نعرف ما هي تداعياتها على مستوى أشكال المعاناة والتدمير، وكذلك على مستوى الاحتجاجات، والانتفاضات، والحركات الاجتماعية والسياسية.

ومع ذلك، يراهن باليبار على أن هناك قطيعة ستحدث، وهي قطيعة لا راد لها، ولن تكون هناك عودة للوضع السابق، مستنداً في ذلك إلى فكرة طرحها لينين في سنة 1920 ومفادها أن "من هم في الأعلى لم يعد في وسعهم أن يعيشوا ويحكموا كما في الماضي، كما أن من هم في الأسفل لا يريدون أن يعيشوا وأن يُحكموا كما في الماضي". فالأزمة كشفت عن شروط لم تعد متوافقة مع "إعادة إنتاج" النظام القديم. وهي ستطلق سيرورة انتقال لا يمكن كبحها، وإن كانت أشكالها وتوجهاتها غير واضحة المعالم بعد، وقد تنطوي على بروز مؤسسات سياسية أخرى، وأنماط عمل وحياة مشتركة أخرى، ومعتقدات وقيم جمعية أخرى.

ويقدّر باليبار أن  هناك قوى قوية ومنظمة تعتقد أنه من الممكن مواصلة ما كان سابقاً، وستسعى  إلى الاستفادة من "صدمة" الأزمة، لتعظيم وتسريع التغيرات التي كان جارية في الفترة السابقة، بحيث تلوح في الأفق نداءات إلى "إعادة إطلاق عجلة الاقتصاد" مهما تكون التكلفة البشرية لذلك، والرجوع إلى مشروع التسريع النيوليبرالي بغض النظر عن العواقب الوخيمة التي ستنجم عنه. لكنه يظن أن هذه الاتجاهات ستواجه عقبات شديدة. فالواقع أن قوى الرأسمالية المسيطرة يتوجب عليها - كما يرى - أن تعيد ابتكار استراتيجية سيطرة ومشروع إيديولوجي متوافق معها، وهو أمر ينطوي في حد ذاته على أخطار، وهي لن تنجح في ذلك من دون خوض نزاعات عنيفة داخلية بين "هيمنات" مختلفة.

ويعتبر باليبار، من ناحية أخرى، أن العولمة في شكلها الحالي، الناجم عن الاعتماد المتبادل غير المسبوق بين الاقتصادات والمجتمعات، لم تفلح في تنميط الأنظمة السياسية، وضمان المساواة على صعيد مستويات الرخاء، أو تقريب التقاليد الثقافية فيما بينها، بل هي انطوت، أكثر من أي وقت مضى، على استقطاب حاد بين الشمال والجنوب وبين الغرب والشرق، وتولد صدامات وربما حروب على "جبهات" مختلفة. وهذا كله يقودنا إلى الاعتقاد بأن الزمن الذي نجد أنفسنا ضمنه مسكون بصورة أساسية باللايقين، ولعل الأزمة نفسها ستوفر لنا وسائل مجابهتها والتعامل معها.

وينتقل باليبار بعد ذلك إلى تأمل أزمة قطاع الخدمات العامة التي سلطت الجائحة الضوء عليها، بحيث ظهر أن حياة بلد بكاملها، من نشاطه الاقتصادي إلى حميمية سكانه، تركزت على نوعية موارد قطاعه الصحي ونواقصه، ليس بوصفه القطاع الخدمي المكلف بوظيفة اجتماعية ضرورية فحسب، بل باعتباره القطاع الخدمي الذي تتوقف عليه قطاعات الخدمات الأخرى، وهو القطاع الذي سيحكم "استراتيجياً" الفترة القادمة. فالصحة، ليست "قطاعاً خدمياً" يحيل إلى المستشفيات وحدها وإلى ممارسة مهنة الطب في المدينة، بل هو قطاع مرتبط  بنشاطات إنتاجية وثقافية تطال المجتمع بأسره تقريباً، وهو ليس مؤسسة قطاعية إذن، بل هو "رؤية" إلى المجتمع بأسره تنسج علاقات بين عدد كبير من أعضائه، وتولد "مشتركاً".

ويتوقف باليبار، في هذا السياق، عند الخلاف الدائر حول الموقف من قطاع "الخدمات العامة" والوظيفة الاجتماعية التي تضطلع بها، والنظام الحقوقي للمنشآت التي تحتويها، وطريقة تمويلها، معتبراً أن السياسات النيوليبرالية التي هدفت إلى "عقلنة" نمط تسييرها، سعت إلى "خصخصة" العدد الأكبر منها. وهكذا، تبيّن أن المواطنين "المتساوين في الحقوق" ليسوا كذلك اليوم أمام المرض، ولا أمام الاستفادة من الوسائل الموضوعة لحماية المجتمع، بحيث برز اختلاف في معدلات الإصابة بالعدوى وفي حالات الوفاة تحيل إلى محددات طبقية، كما برزت اللامساواة البنوية في الموارد الطبية بين المناطق المدينية ومناطق الضواحي، وأشكال اللامساواة على مستوى قواعد الالتزام بـ "حالة الطوارئ الصحية"، إذ إن العمال المأجورين المجبرين على الاستمرار في العمل في الخارج ومن دون حماية هم من العمال اليدويين، وغالباً من المهاجرين أو من أولئك الذين لا يحملون أوراق إقامة رسمية.

وينهي باليبار مقاربته لعالم ما بعد كورونا بالتوقف عند مسألة الدولة التي عادت إلى مركز النقاش السياسي والفلسفي، وهو نقاش سيطرت عليه خيارات عائدة إلى صراعات القرن العشرين، تدور حول التناقض بين تدخل الدولة وبين نشاطات السوق. وهنا يستشهد بما قاله الرئيس الفرنسي ماكرون من أن "الثروات العامة" لا يمكن أن تخضع إلى "قوانين السوق"، ويتساءل: ماذا يعني عدم الخضوع إلى قوانين السوق في مجتمع، وفي عالم، تعممت فيهما هذه القوانين ؟ وأي أدوات تسمح بذلك؟  

يشير إلى أن هناك عدداً من المفكرين الذين عبروا عن تخوفهم من أن "حالة الطوارئ" التي فرضتها الدولة، وخصوصاً عبر فرض الحجر المنزلي والرقابة على الأفراد ومتابعتهم، يمكن أن تدفع نحو مجتمع من نمط شمولي، وتجعل الدولة تدخل ضمن  كل "علاقة اجتماعية"، وتستولي على وظائف يضطلع بها المواطنون بما يخدم مصالحهم، وتمكنهم من تنظيم حياتهم بأنفسهم.

يقترح باليبار، في ضوء التجربة التي نعيشها حالياً، خياراً مختلفاً يضمن استقلالية قطاع الخدمات العامة إزاء الحيز الدولتي وإزاء حيز المشترك في آن معاً، ويكسبه خصوصية معينة. ويستشهد هنا بتجربة الممرضين في فرنسا الذين جعلوا السكان يدركون عدم جهوزية الدولة، وما تعانيه من نقص في الموارد، ورداءة التشغيل التسلطي لقطاع صحة خدماتي، هو في طور الخضوع لقوانين السوق والخصخصة المتسارعة، وشكلوا فيما بينهم وحولهم، في الوقت نفسه، حيزا مشتركاً أنتج تأثير جماعة ليس أخلاقياً وعاطفياً فحسب، وليس من دون تناقضات، بل هو سياسي بعمق وواع لما يجب أن يتطلبه، وللقوى التي يمكنه الاستناد إليها، وللقيم  الأخلاقية التي عليه الدفاع عنها. وهو تأثير جماعة لا يريد أن يحل الحيز المشترك  محل الحيز الدولتي، وإنما أن يفرض على الدولة – الدولة التي كرست نفسها لخدمة مصالح الطبقة المسيطرة والفئات الأكثر غنى- أن تكون في خدمة قطاع الخدمات العامة، وأن تبعد عن اقتصاد السوق الموارد الضرورية، ثم تقوم بتعبئة هذه الموارد بطريقة عقلانية، وتخضعها لإدارة ديمقراطية. 

ويخلص باليبار إلى أن تركيزه على خصوصية الأزمة الصحية لا يعني تجاهل مسائل أخرى بشأن دور الدولة، والتحولات التي يجب أن تطالها، و"قوانين السوق" وطرائق ضبطها، وأنماط الحياة والعلاقة مع البيئة الطبيعية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* عن موقع حزب الشعب الفلسطيني – 29 أيار 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل