/
/
/
/

تجري هذه الايام في مدينة لاهاي الهولندية محاكمة السوداني على محمد عبد الرحمن كوشيب، المتهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية في  جرائم باقليم دارفور. وهي تجري وسط اهتمام شبه عادي على المستوى الرسمي والاعلامي، وقد يعود ذلك الى جائحة كورورنا والازمة الاقتصادية وتراجع القضية بعد سقوط نظام البشير الذي تسبب فيها، بالرغم من انها كانت قد  شغلت الراي العام العالمي  نحو عقدين من الزمان.

رد فعل مختلف

لم يعد اللاعبون الاساسيون الذين دفعوا بمشاريع قرارت الادانة لمجلس الامن بنفس حماسهم. وفي الداخل طالبت بعض الاحزاب بمعالجة مختلفة تحقق جبر الضرر للضحايا وتوفر الحماية لشخصيات اخرى قد يكون دورها اشد خطورة مما قام به كوشيب.

والحركات الدارفورية المسلحة باستثناء حركة عبد الواحد، دخلت بعد الثورة في حوار مع الحكومة من خلال المجلس الاعلى للسلام الذي يقوده المكون العسكري. وليس من المعقول ان تطالب باعتقال قيادات اخرى متورطة في احداث دارفور. فالضغط بهذه الورقة التي كانت تكسبها وضعاً تفاوضياً افضل في مواجهة البشير، يبعد عنها اليوم حليفاً هو الوحيد الذي لديه الرغبة والقدرة على ادخالها الى الحلبة. وهذا وضع يظفي تعقيدات على المشهد الذي تتحرك فيه المدعية في المحكمة الجنائية الدولية (بنسوتا)، ويدخل الداعمين الدوليين في حرج بسبب تحالفات تربطهم بطرفي الحكم في الخرطوم.

وعلى كل حال سوف يشاهد العالم محكمة عادية بكل المقاييس، يمثل امامها متهم اسود اللون، باعتباره احد ابرز قادة القبائل العربية التي ارتكبت جرائم ضد السود حسب صحيفة الاتهام. في وقتٍ لم تتوقف فيه هجمات الجنجويد بمسماها الجديد حتى بعد الثورة.

 مهمة الرجل الابيض

المحكمة الجنائية الدولية التي تاسست في تموز 2002، ورفضت التوقيع على الاتفاقية الخاصة بها دول عظمى مثل روسيا وامريكا والهند والصين، التقطت الملف السوداني المحال اليها من مجلس الامن بلهفة شديدة، نظراً لانها المرة الاولى التي تحاكم فيها رئيس دولة. فقد حققت من قبل في قضايا اوغندا، الكونغو، وافريقيا الوسطى. واصدرت 9 مذكرات توقيف، وتحتجز 2 مشتبه بهما ينتظران المحاكمة.

 وكانت احداث دارفور قد اندلعت في شباط 2003 واتهم الرئيس البشير اولاً من قبل محكمة العدل الدولية. ووصف كولن باول وزير الخارجية الامريكي وقتها ما كان يجري بانه ابادة جماعية، وإن كانت مذكرة الاتهام الصادرة عن المحكمة الجنائية لا تحوي هذه التهمة لعدم توفر الادلة، واكتفت بتوجيه تهمتي جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية.

اصل الحكاية

لم تشر اية مصادر قبل 26 كانون الثاني 2003الى استهداف للقبائل الافريقية من قبل مجموعات سكانية اخرى او قوات نظامية. والذي حدث ان المتمردين قاموا بمهاجمة حامية للجيش في 25 شباط 2002. وفي 25 آذار 2003 احتلوا قرية (تين) بالقرب من الحدود التشادية.كما احتلت قوة من حركتي تحرير السودان والعدل والمساواة مدينة الفاشر في 25 ابريل 2003، ودمرت خلال 4 ساعات 4 قاذفات انتينوف وطائرات هيلوكوبتر وقتلت 75 جندياً طياراً واسرت 32 بمن فيهم قائد القاعدة الجوية برتبة لواء. كما انتصر المتمردون في الاشهر الوسطى من عام 2003 في معظم الاشتباكات. ودمر جيش التحرير في ايار من نفس العام كتيبة في كتم وقتل 500جندي وحرر 300 سجين. وقتل 250 جندي في هجوم اخر ودخل الى مناطق كردفان. لكن لم يتساءل مصدر واحد دولي او اقليمي او محلي عن تلك الامكانيات العسكرية من العدة والعتاد التي تحوزها حركات متمردة. وعن الجهات العالمية والاقليمية التي مدتها بها وماعلاقة ذلك بالسيادة الوطنية لبلد عضو في الامم المتحدة. وربما ان الفظائع التي ارتكبها نظام البشير لم تترك مجالاً للمعارضة السودانية لطرح مثل هذه الاسئلة على نفسها. الى جانب ارتباطاتها الدولية في ذلك الوقت. فقد اشارت الصحافة الغربية الى ان مادلين اولبرايت في زيارتها الى اوغندا عام 1997 كانت قد دعمت المعارضة الشمالية في التجمع الوطني الديمقراطي بمبلغ 20مليون دولار. ولم يتوقف الاتحاد الافريقي عند حقيقة ان دولة عضو في الاتحاد تتعرض لتمرد مدعوم اقليمياً ودولياً. ولم يتعامل بالمثل حينما دعمت الانقاذ حركات متمردة في دول افريقية مثلما حدث في اريتريا واوغندة واثيوبيا والتي ادانها بشدة. هذا الى جانب ان التمرد على السلطة المركزية رغم التهميش الذي يعاني منه الاقليم كان خياراً يخص كيانات سياسية اختارت رفع السلاح وتحمل ماترتب عليه المواطنون الابرياء. في وقت انحازت فيه اقسام من السكان الى كيانات سياسية اخرى، وانخرطت اغلبيتهم في ركب المقاومة المدنية السلمية التي اسقطت النظام في اخر المطاف. وان الفظائع التي ارتكبها النظام وهي غير مبررة على كل حال وكان في امكانه ان يجنب المدنيين ويلات الحرب لكنها كانت عقب اعلان التمرد وقيامه باعمال كثيرة مثل احتلاله لعاصمة ولاية وضربه لقاعدة جوية.

 كماتشير الخسائر التي مني بها الجيش من قبل حركات حديثة النشاة الى مستوى الدمار الذي لحقه في عهد الانقاذ التي حولته الى اقطاع حزبي انغمس في السياسة والاستثمار والفساد واهمل المهمة الاساسية التي قام من اجلها وهي حماية البلاد وتامين استقرارها. وحين جد الجد استاجر قبائل نازحة في وقت سابق، لها حسابات مع المجموعات السكانية تتعلق بملكية الارض ولاتخلو من العنصرية، لتقوم بالمهمة نيابة عنه. مماجعل الحرب تاخذ منحى عرقي حسب التوصيف الظاهر.

ولاستعادة توازن القوة قامت ثلاثة جهات بمحاولة تحويل مسار الحرب لصالح الحكومة، هي المخابرات القوات الجوية والمليشيات القبلية.

وتتكون الاخيرة حسب التعريف المتداول من رعاة قبيلة البقارة الذين استخدمتهم الحكومة لقمع انتفاضة المساليت عام 1986 - 1999. لكن الصحيح ان المجموعة تتكون من رعاة الابل التي تعيش في الاراضي الرملية بشمال دارفور مسرح العمليات. وان قبائل البقارة الرئيسية لم تدخل الحرب الي جانب الحكومة في دارفور، لانها بعيدة عن مواقع نشاط حركات التحرير. ولجاءت الحكومة لتلك القبائل لان الجيش السوداني غير مدرب على العمل في المناطق الصحراوية. وان المليشيا اكثر مرونة في تحركها من الجيوش النظامية، في مواجهة مليشيات مثلها.

وبعد تحقيق درجة من توازن القوة العسكرية كان لابد من جلوس الاطراف المتنازعة للحوار.

حدثت في انجمينا بدولة تشاد مفاوضات ووقف لاطلاق النار في 8/4/2004 بين الحكومة وحركة العدل والمساوة وحركة تحرير السودان بمراقبة الاتحاد الافريقي. لكن ذلك لم يمنع من استمرار هجمات (الجنجويد). فارسل الاتحاد الافريقي في اغسطس 150 جندي رواندي لمراقبة الاتفاق، ثم انضم اليهم 150 جندي نيجيري. وفي 18 سبتمبر اصدر مجلس الامن قراره رقم 1564 واعلن ان الحكومة لم تنفذ التزاماتها وادان هجمات الهيلوكوبتر والاعتداءت من قبل الجنجويد ورحب بزيادة عدد المراقبين من قبل الاتحاد الافريقي وحث الدول الاعضاء بدعم هذه الجهود. ليصل عدد مهمة الاتحاد الافريقي في ابريل 2005 الى 600 جندي و80 مراقب عسكري. وقفز العدد الى 3300 جندي في يوليو مع ميزانية قدرها 220 مليون دولار ووصل العدد في ابريل 2006 الى 7000 جندي.

وافقت الحكومة على الجلوس للتفاوض مع فصيل مني اركو مناوي ووقعت معه اتفاقية ابوجا عام 2006. والتي رفضتها حركة العدل والمساوة وفصيل عبد الواحد محمد نور. وهو اتفاق بحسب مصادر ان بنوده كتبها سليم احمد احمد عن الاتحاد الافريقي ونائب وزير الخارجية الامريكي روبرت زوليك كممثلين للاتحاد الافريقي، مع اجانب اخرين في العاصمة النيجيرية ابوجا. وقد نص الاتفاق ضمن بنود اخرى على نزع سلاح الجنجويد. وفي آب من نفس العام تجدد القتال وتوقفت المساعدات بسبب الهجمات ضد موظفي المنظمات العالمية. ودعا الامين العام للامم المتحدة وقتها (كوفي عنان) 18000 من قوات حفظ السلام الدولية لتحل محل قوات بعثة الاتحاد الافريقي( وهي في الحقيقة قوات حلف النيتو).

عقب ذلك وفي 24 آب ذكرت لجنة الانقاذ الدولية ان مئات النساء اغتصبن في مخيم (كلمة) خلال الاسابيع السابقة. وفي 25 آب حذر مساعد مسؤول الشئون الخارجية في مكتب الشئون الافريقية (جنداي فريزر) من احتمال مواجهة المنطقة لأزمة امن ما لم يتم نشر قوات حفظ السلام الدولية.

وافق مجلس الامن في آخر آب 2006 على قرار ارسال قوة سلام دولية قوامها 17300جندي رغم معارضة السودان. وذكر الاتحاد الافريقي في اول ايلول ان السودان قام بهجوم في دارفور اسفر عن مقتل 20 شخصاً وتشريد الف آخرين. واثر ذلك امر السودان القوة التابعة للاتحاد الافريقي بمغادرة البلاد بحلول نهاية الشهر.

بعد ذلك صدرت في 4 آذار 2009 عن المحكمة الجنايئة الدولية مذكرة اعتقال في حق الرئيس البشير. واعلن هو من جانبه طرد 6ـــ10 منظمات اغاثة من دار فور. وبرر ذلك بانها تتعامل مع المحكمة المذكورة.

تعامل مباشر

ورغم ان واشنطن ربطت تعاونها مع الخرطوم بتطبيق اتفاقيتي (نيفاشا) المتعلقة بجنوب السودان وابوجا الخاصة بدارفور وتحسين وضع حقوق الانسان في الاقليم الملتهب، الا ان الادارة السودانية كانت تعلم جيدا منذ تفجر الازمة ان القرارت الدولية ماهي الا صداء للارادة الامريكية. واشار مراقبون الى انها كانت تستبق قرارت الكونغرس والبيت الابيض تفادياً للحرج. لذا عمدت للتفاهم مع امريكا مباشرةً. حيث سمحت لادارة بوش الابن بفتح مكاتب المخابرات في الخرطوم عام 2003مع التخطيط المستقبلي لانشاء مركز للوكالة في السودان لمراقبة منطقة القرن الافريقي وشرق افريقيا. وفي نهاية ايلول 2006 قالت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية امام الجمعية الافريقية بواشنطن "اذا عمل السودان مع الامم المتحدة ورحب بقوة الامم المتحدة في دارفور فانه سيجد في الولايات المتحدة شريكاً ملتزماً اما اذا اختارت حكومة السودان المواجهة واذاواصلت شن الحرب على سكانها متحدية الاتحاد الافريقي ومقوضة جهود قواته للسلام في دارفور ومهددة المجتمع الدولي، فسيتحمل النظام في الخرطوم المسؤولية وسيكون وحده من يتحمل العواقب".

ولم تكتف الادارة الامريكية بالتحركات التي يقوم بها مجلس الامن والاتحاد الافريقي، بل سارعت بممارسة ضغوط خاصة ممثلة في العقوبات، التي اصدر الحلقة الاولى منها كلينتون في 1997. ثم قامت بضرب مصنع للادوية بالخرطوم في 1998. واعلنت حظراً اقتصادياً منعت بموجبه تبادل السلع وتقييد المعاملات المالية وتجميد الممتلكات وعقوبات اخرى. كما انها وضعت السودان في 1993 على لائحة الدول الراعية للارهاب بسبب استضافته (بن لادن). وفي 1996 اوقفت عمل سفارتها بالخرطوم. وشمل الحظر الامريكي في عهد االرئيس بوش عام 2006 النفط، البتروكيماويات وادراج جهات متورطة في نزاع دارفور في قائمة العقوبات، وتجميد ارصدة 133 شخصية وشركة سودانية.

لكن في عهد اوباما تم اعفاء محدود للمعدات الطبية والالات الزراعية والاستفادة من تكنولوجيا الاتصالات. وفي نهاية عهد اوباما رفع البيت الابيض بعض العقوبات وابقى على اسم السودان في لائحة الدول الداعمة للارهاب، مع بعض الاستثناءت مثل شراء المعدات العسكرية والاجهزة المتقدمة والاجهزة ذات الاستعمال المشترك. وجاء قرار رفع العقوبات وفقاً لما عرف بالمسارات الخمسة وهي:

مكافحة الارهاب، مكافحة جيش الرب، دعم سلام الجنوب، تحقيق السلام في السودان تسهيل توفير الاغاثة للمحتاجين.

وفي عهد ترامب الحالي ارتبط تمديد العقوبات ببذل جهود في مكافحة الارهاب وملف حقوق الانسان.

وبحسب الكاتب مرتضى الشاذلي في موقع (ن بوست)، تقدر الحكومة السوادنية خسائرها من العقوبات ب 500 مليار دولار، و4مليارات دولار سنوياً خسائر غير مباشرة. وقيمة الفرص الاستثمارية الضائعة بنحو ترليون دولار. وقد تدمر قطاع الطيران وفقدت السكة الحديد 80 بالمئة من بنيتها التحتية. وتدهورت الصناعات المحلية التي تستحوذ على 26بالمئة من ِالناتج المحلي الاجمالي. وتأثر اكثر من الف مصنع. كما تاثرت شركات القطاع الخاص والادوية. ورفعت العقوبات اسعار التامين ومداخيل القطاع الزراعي الذي يساهم ب 29بالمئة من الناتج الاجمالي المحلي.

لذلك كان من الطبيعي ان يسقط النظام، لكن اين الدولة؟. الاجابة على هذا السؤال ربما تتضح من خلال رد فعل الحكومة الحالية الوحيد على محاكمة احد رعياها في لاهاي، وهو الصادر عن النائب العام، والذي ذكر حسب ما نقل عنه موقع الجزيرة نت " ان قرار مثول المتهمين بارتكاب جرائم حرب في دارفور امام المحكمة الجنايئة الدولية امر سيادي ومعقد وتعترضه عقبات قانونية". واضاف ان مثول هؤلاء المتهمين ليس بالضرورة ان يكون في لاهاي الهولندية. مضيفاً ان هذا سيتحدد وفقاً لنتائج المفاوضات بين المدعي العام السوداني والمحكمة الجنايئة.

لكن المحكمة في الواقع مستمرة، وقد وجهت 50 تهمة للمتهم دون انتظار التفاوض المشار اليه.

الخرطوم

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل