/
/
/
/

الإلتزام بالعبادات الدينية وتطبيق الشعائر والطقوس التي يؤمن بها الإنسان باعتبارها من ثوابت دينه امر لا ضير فيه حين يمارسه المؤمن به بكل حرية وامان باعتباره حقا شخصيا لا يحق لأحد منعه عنه، سيما إذا ما تم ذلك بشكل لا يشكل المساس بحرية الآخرين الذين لا يمارسون مثل هذه الطقوس ولا يشاركون المؤمن إيمانه، فحقوق الإنسان، كل انسان، محترمة ومصانة ولا غبار على حمايتها والدفاع عنها.

وإحدى مظاهر التعبد او الإلتزام الديني او ممارسة طقس او شعيرة تقع في مفهوم كثير من المؤمنين وتتمحور حول الموقف من الصالحين والأولياء وكيفية التعبير عن احترام شخوصهم وتمجيد تاريخهم ومواقفهم في نصرة الدين او إعلاء شأن المذهب او المساهمة حتى بالفداء من اجل العقيدة. وهذه الظاهرة لا تقتصر على دين معين، بل انها تشمل كل الأديان وتتم ممارستها باشكال تختلف من دين الى آخر.

وما يهمنا في هذا المجال ممارسات بعض رجال الدين في الإسلام، بشقيه الأساسيين السني والشيعي، وكيفية تعبيرهم عن احترامهم وتبجيلهم لبعض الشخصيات الإسلامية التي اكتسبت موقعاً متميزاً في مسيرة التاريخ الإسلامي، حتى ان البعض من رجال الدين رفع بعض هؤلاء الاولياء الى درجة القدسية التي قد تمس في صلب عقيدة التوحيد عند البعض الآخر المخالف.

وقبل التطرق الى بعض الأمثلة في هذا المجال، ارغب توضيح ما اراه في مسألة الموقف من الأولياء او الصحابة الذين ساهموا برفع راية الدين وعملوا على تحقيق المبادئ التي آمنوا بها بما يتفق وقناعاتهم بصحة ما يؤمنون به، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالحقوق الإنسانية والعدالة الإجتماعية التي يرونها في عقيدتهم او مذهبهم.

إنني اعتقد ان مثل هؤلاء الأولياء الصالحين الذي يؤكد عليهم رجال الدين المسلمون من السنة والشيعة في كل المناسبات، لهم من التاريخ والنسب والموقع في المجتمع الذي عاشوا فيه والأعمال الحميدة التي مارسوها لخدمة مجتمعهم، كما تبين كتب السيرة ذلك، لا يحتاجون فيه الى احداث تضعهم خارج الكيان البشري الذي هم جزء منه اساساً. وبعبارة اخرى فإن اي أحد من هؤلاء الأولياء والصالحين لم يدَّعِ يوماًما بانه خارج المجموعة البشرية، ونبي الإسلام نفسه خير مثل على ذلك حينما يقول " قلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ ......."(110) سورة الكهف. فلماذا اذاً كل هذا التسويف وهذه الأكاذيب التي يلصقها البعض بهؤلاء الأولياء حينما يخرجونهم من الجنس الشري ويضعونهم في مواقع الغيب المجهول الذي لا يفقهه ولا يستطيع تفسيره أحد سوى النزعة نحو الغلو واختلاق العداء الطائفي وكأنما يسير المذهبان الإسلاميان، الشيعة والسنة، نحو مباريات في الكرامات ليثبت كل منهما للآخر ان وليه أفضل وان خوارقه أكثر عجباً وبعداً عن الطور البشري. فما هي الفائدة التي سيجنيها الدين عامة والمؤمن خاصة وصاحب المكرمة اصلاً من إرسال عمر بن الخطاب رسالة الى نهر النيل يطلب فيها منه ان يكف عن الفيضان فيتوقف النيل عن الفيضان حالما تُلقى فيه الرسالة؟ ويجيبه الداعية الشيعي ليقول له وما هذا بشيئ امام اشارة علي بن ابي طالب الى الشمس باصبعه لإيقافها عن الغروب حتى يكمل صلاته. ماذا سيستفيد الدين والمتدين من هذه الخوارق التي يأتي بها الدعاة من المذهبين السني والشيعي؟ وماذا يجني الدين واتباعه من حديث الداعية الذي يشير الى شم ريحة شواء كبد ابو بكر الصديق بسبب خشوعه حينما يقرأ القرآن؟ او ان عثمان بن عفان كان يقرأ القرآن من الجِلد الى الجِلد في ركعة واحدة اثناء صلاته؟ لينبري له الداعية الآخر ويقول هه هه هه وما ذلك امام قراءة علي بن ابي طالب للقرآن وهو بعمر ثلاثة ايام على الأكثر، ويضيف هذا الداعية ثقلاً أكثر على مقولته هذه ليؤكد ان ذلك حدث بعد ولادة علي بن ابي طالب بثلاثة ايام اي قبل نزول القرآن على محمد.

ويبدو ان بعض الدعاة لم يكتفوا بإخراج الأولياء عن صومعة الإنسان، بل ارادوا أكثر من ذلك حينما ارادوا تأكيد مقولاتهم من خلال الإستشهاد ببعض مشاهير العصر الحديث، ولم يجد دعاة المذهبين، السني والشيعي، غير المجرم هتلر ليستشهدوا به. حيث ينبري الداعية السني ليقول ان هتلر بدأ خطبته بآية " إقتربت الساعة وانشق القمر " حينما اراد إثارة شعبه ودفع جيشه للقتال، ولم يخبرنا هذا الداعية الدعي كيف تفوه هتلر بهذه الآية؟ هل قال ذلك باللغة العربية، التي لم يفقهها اصلاً، وحتى لو قالها بلغة عربية فصحى فإن تأثيرها اللغوي وبالتالي النفسي سوف لن يحرك مشاعر الرجل الالماني وذلك بسبب اختلاف بيئته الثقافية، وإن قالها بترجمة الى الألمانية فإن وقعها سزف لن يكون كذلك الذي يثير الحماس حيث ان الترجمة تفقد العبارة محتواها اللغوي وتأثيرها النفسي على شعب تلك الجملة. وهنا ينبري له الداعية الدعي الشيعي ليقول، وما كل هذا امام الأوامر التي اصدرها هتلر الى جيوشه المحاصرة بان يقتدوا بالحسين ويصمدوا، فصمدوا وانتصروا بفضل الحسين بن علي بن ابي طالب. هل هناك هراء أبشع من هذا؟

وماذا يجني الدين واتباعه المؤمنون به من ان يكون الباذنجان اول النباتات التي آمنت بالولاية؟ ويقصد الداعية هنا طبعاً ولاية علي بن ابي طالب. او ان عمر بن الخطاب صارع بطل الجن واقواهم وصرعه عدة مرات؟ وماذا سينفع المتدين إذا سمع من دعاة مذهبه ان مثلث برمودا هو مخزن لأسلحة المهدي المنتظر؟ او ان ما يقال عن مساءلة القبر بانها لم تحدث مع عمر بن الخطاب، بل بالعكس فإن عمر هو الذي اخذ يسأل الملائكة الذين جاءوا اليه في القبر عن دينهم ونبيهم، وكأن هذا الداعية جالس بينهم في القبر ويستمع الى هذا الحديث بكل راحة واطمئنان.

والطامة الكبرى هنا هي ان يحدث كل ذلك من فوق منابر الوعظ او اجتماعات التعبد التي لا يجوز فيها طرح السؤال او الإعتراض او ابداء اي رأي آخر، بل بالعكس فإن هذه الخوارق تُقابل بالتكبير والصلوات التي تشير الى اعجاب المستمعين، وما هذا الإعجاب الى التعمق في التجهيل اولاً وفي إثارة النعرات الطائفية المقيتة ثانياً.

وللأطلاع على بعض هذه المسابقات في الكرامات نشير الى الرابطين ادناه للمذهبين المتسابقين:

فريق المباراة السني

https://www.youtube.com/watch?v=Zlr2iQENdvA

فريق المباراة الشيعي

https://www.youtube.com/watch?v=OdjNkNLWKqM

سيطول بنا الحديث لو أردنا التطرق الى كل ما ياتي به شيوخ المنابر من المزاعم التي يسوقونها ككرامات لأولياء لا حاجة لهم بها اساساً إذ ان هؤلاء الأولياء أنفسهم لم يدِّعوا عشر معشار ما يذهب اليه شيوخ المنابر، بالرغم من استشهاد هؤلاء دوماً بروايات ليس لها اساس من الصحة ولا موضع لها في عقل اي انسان يملك العقل.

من الطبيعي ان نشاهد وجود هذه الظاهرة لدى كل المتطرفين والمتخلفين في كل الديانات الأخرى. إلا ان ما يهمنا هنا هي تلك الخرافات التي ابتليت بها شعوبنا العربية والإسلامية التي لم تزل تراوح، لا بل تتراجع عن حياة الركب البشري الذي أصبح العرب والمسلمون عالة عليه في مأكلهم ومشربهم وكل مقومات حياتهم.

والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هنا هو: إلى متى ستستمر هذه المزاعم وهذا التقاتل على اختلاق الكرامات لبشر يريد شيوخ المنابر تجريدهم عن صفاتهم البشرية؟ وأين موقف حماة الدين من المراجع الكبار وذوي القول في هذا المذهب او ذاك من تشويه شخصيات يضعها المذهبان السني والشيعي موضع الإحترام والتقدير لما لها من مكانة تاريخية ودينية واجتماعية بين اتباع المذهبين؟

وبالرغم من ألأسف الشديد الذي يدعونا لاستعمال المفردات المذهبية التي نرفضها اساساً والتي تشير الى طائفية المجتمع الذي يجري تناولها فيه، إلا ان طرح مثل هذه الأسئلة ينطلق من النتائج التي ستأتي بها مزاعم المنابر والمجالس الدينية هذه لو استمرت على هذه الوتيرة الهوجاء التي بدأت تتزايد يوماً بعد يوم والتي تؤدي بلا اي شك الى:

أولاً: استمرار عملية تجهيل البسطاء من الناس وحجب الرؤى المنطقية المؤدية الى إبراز التعاليم الدينية التي تساهم في التعرف على الثوابت الدينية العبادية التي قد تلعب دوراً في فهم الدين وكل ما يتعلق به من عبادات ومعاملات فهماً عقلانياً انسانياً بعيداً عن مقولات: جاء في الروايات او حدثنا فلان عن.. عن.. عن ...

ثانياً: استمرار إنطلاق مثل هذه المزاعم من منابر ومجالس لها موقعها الخاص لدى هؤلاء البسطاء من الناس سيولد لديهم خصوصية مذهبهم التي قد تؤدي الى التطرف الطائفي ومن ثم الى الإخلال بالسلم الإجتماعي في مجتمع الوطن الواحد وبين منتسبي الشعب الواحد، كوطننا العراق مثلاً.

من اجل هذا وذاك لا نرى اي عذر يبرر سكوت المرجعيات الدينية المسؤولة في الإسلام عن السكوت والتغاضي عن مثل مثيري الفتن والبغضاء والأكاذيب في نفس الوقت عن الرموز الدينية التي لا تحتاج اليها اصلاً. وإن لم يكن رفض المرجعيات الدينية لمثل هذه المزاعم من اجل الناس والسلام الإجتماعي، فليكن من اجل الدين نفسه الذي يعتبرونه حلاً للمشاكل الإجتماعية وللتعبير عن شعارهم: الإسلام هو الحل، ليقدموا للعالم النموذج الذي يرون فيه الحل للمجتمع بكامله، إلا انه غير قادر على حل مشاكل إنقسامه نفسه التي يعاني منها منذ نشوئه حتى اليوم.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل