/
/
/
/

لم أكن يوماً شيوعياً ولكنّي أنتمي فكرياً الى اليسار كونه يعتمد على النظرية العلمية في تحليل الظواهر السياسية والأقتصادية والطبقية إضافة الى كونه هو الذي أسّس المشهد الثقافي العراقي منذ عشرينات القرن الماضي وقدّم ولا زال على مذبح الحرية التضحيات الكبيرة متمثّلة بخيرة كوادره وقادته من أجل إستقلال البلد وتحقيق رفاهية أبناءه وإشاعة الوعي الجمعي في صفوف الشعب وتسفيه الخرافات والشعوذة والدجل وإشاعة النظرة العلمية لتحليل عموم الفعاليات الأنسانية .

ولمّا كانت الصحافة قبيل إشاعة الثقافة الرقمية والثورة المعلوماتية مطلع الألفية الثالثة هي النافذة الوحيدة المتوفرة المقرؤة التي يطل منها الفرد على مختلف المعارف والأبداعات الأنسانية  كالفن والشعر والأدب والعلوم إضافة الى الفكر والسياسة ـ إذ إنحصرت المنابر الأعلامية المسموعة والمرئية بيد الدولة والحكومات المتعاقبة ـ  فقد تصدّر الشيوعيون العراقيون هذا النشاط المعرفي  وأصدروا العديد من الصحف سواء كانت سرّية أو علنية وذلك خلال كل تأريخه النضالي ( كفاح الشعب ـ الشرارة ـ القاعدة ـ العصبة ـ اتحاد الشعب ـ طريق الشعب ) إضافة الى المجلات ( الثقافة الجديدة ـ الفكر الجديد ـ المثقف ـ الأديب العراقي ـ وغيرها الكثير ) .

كما صدرت العديد من الصحف الوطنية التقدمية المتعاطفة مع صحيفة إتحاد الشعب و صحف اليسارالأخرى بعد ثورة تموز 1958 ، ( الرأي العام / رئيس تحريرها الشاعر الكبير الجواهري ـ 14 تموز / رئيسة تحريرها نعيمة الوكيل ـ صوت الأحرار / رئيس تحريرها لطفي بكر صدقي ـ البلاد / رئيس تحريرها روفائيل بطي ـ صحيفة الأهالي / صوت الوطتي الديمقراطي / رئيس تحريرها حسين الجميل ـ كما أتذكر ـ ).

وقد برزت أسماء صحفية وأدبية وسياسية مهمة أمثال زكي خيري وعبد الرحيم شريف وعامر عبد الله وعزيز الحاج وجمال الحيدري ومحمد حسين أبو العيس وعدنان البراك وغيرهم وفي الادب برز صلاح خالص وسافرة جميل حافظ وعبد الرزاق عبد الواحد ومظفر النواب وعبد الوهاب البياتي وموسى النقدي وعبد المجيد الونداوي وعبد الملك نوري وغائب طعمة  فرمان وحسين مردان والعشرات غيرهم أما العمود الصحفي فكان الأهم هو الذي كان يكتبه الشهيد عبد الجبار وهبي / أبو سعيد ، والدليل على أهميته وتأثيره سأل أحد الصحفيين الشهيد سلام عادل : ما هو رأيك بإتحاد الشعب ؟ أجاب : إنها تقرأ من الخلف .. بإعتبار أن عمود أبو سعيد دائما في الصفحة الأخيرة من الجريدة .. أتذكر قرأتُ مرة هذا العمود وكنت صبيا في بداية وعي ، وكان يخاطب به الزعيم عبد الكريم قاسم بصورة غير مباشرة ويشير الى السياسة التوافقية التي انتهجها الزعيم والتي أدّت بالأخير الى نهاية حكمه وحياته وملخصها أن الأعمى إذا ظلّ وحده يعيش فوق سطح بناية لابد أن يأتي يوم يعثر فيه ويسقط منها ميتاً بينما الأعمى اذا نزل الى الشارع حيث الناس سيجد الكثير من الطيبين يمسكون بيديه لعبور الشارع بسلامة، وهو يغمز بذلك الى السياسة التي انتهجها الزعيم والتي أدّت الى أن يتخلى عنه الجميع وبالتالي يبقى وحده في وزارة الدفاع مما يسهّل الأنقضاض عليه وإنهاء حكمه .

وبعد إصدار صحيفة ( طريق الشعب ) والجريدة الأسبوعية ( الفكر الجديد ) والمجلة الشهرية ( الثقافة الجديدة ) بعد إقامة الجبهة الوطنية الخديعة بداية سبعينات القرن الماضي ، برزت أسماء عبد الرزاق الصافي كرئيس تحرير وباقر إبراهيم وعامر عبد الله وزكي خيري وبهاء الدين نوري وسلام الناصري وفالح عبد الجبار ويوسف الصائغ وزهير الجزائري ورشدي العامل وماجد العامل وسلوى زكو وشمران الياسري/ أبو كاطع  كاتب العمود الشهير وعبد الكريم كاصد وفوزي كريم ونبيل ياسين وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر والفنانين مؤيد نعمة وصلاح جياد وفيصل لعيبي وعفيفة لعيبي والعشرات غيرهم ، وأصبحت أكثر الصحف إنتشارا ومبيعا وغالبا ما تطبع أكثر من مرة باليوم  .

وأنا بصدد الحديث عن صحف ومجلات الحزب الشيوعي العراقي تعود بي الذكرى الى موقفين ظريفين أولهما عند مجلس العزاء الذي أقامته نقابة المحامين العراقيين على روح الأستاذ عبد الوهاب محمود نقيب المحامين بداية السبعينات والذي أقيم في قاعة نقابة المحامين في المنصور وكنتُ بصحبة والدي حيث جلسنا بالقرب من الدكتور الشهيد صفاء الحافظ الذي كان يرأس حينها رئاسة تحرير مجلة الثقافة الجديدة وكانت تربطه بوالدي علاقة حميمة من كانوا في مدينة الحلة ، وكان والدي يسفه ما يسمى بالشعر الحر ويعتبره ( خرط ) كما كان يطلق عليه فراح يعاتب الدكتور صفاء عتابا لاذعاً ممزوجا بروح الفكاهة :

ـ دكتور مو أحنه نحبك ونفتخر بيك شلون تقبل تنشر هذا الخرط بمجلة يسارية محترمة أنت رئيس تحريرها ؟

ولما عرف الدكتور صفاء أن الخرط الذي يقصده الوالد هو الشعر الحر او الحديث كتم بقوة ضحكته إذ خشي أن ينتبه عليه أحد في مجلس عزاء الشخصية المرموقة عبد الوهاب محمود وأنتظر برهة من الزمن سيطر على نفسه وقال لوالدي :

ـ سيدنا أنا غير مسؤول عن الصفحات الثقافية في المجلة هذه لها أهلها من الأدباء والشعراء ثم لماذا كل هذا العداء للشعر الحديث ؟

وإستمر النقاش ولكن بروح الظرافة والمحبة .

والموقف الظريف الآخر الذي  مررتُ به كنتُ والشاعر الكبير الراحل رشدي العامل على مائدة شراب في إتحاد الأدباء ودخل فجأة القاص نزار عباس ـ وهو من أقرب أصدقاء رشدي ـ ومعه أحد العاملين في صحيفة الثورة اذ كان يعمل نزار هناك تلك الفترة ، وجلسوا معنا على نفس الطاولة وأثناء الجلسة سأل الشاب البعثي الذي رافق نزار عباس رشدي العامل :

ـ أستاذ رشدي .. كم عدد العاملين الذي يحررون القسم الثقافي في طريق الشعب ؟ ـ وكانت الجريدة يوميا تصدر القسم الثقافي بأربع صفحات ـ فأجابه رشدي : نحن إثنان ..

فإستغرب هذا الشاب فقال : كيف يتم ذلك ونحن نصدر صفحتين في الأسبوع ثقافية والعاملين فيها أكثر من ثلاثين صحفي ؟

فأجابه نزار عباس : عزيزي لا تستغرب هؤلاء لديهم عقول ..

فردّ عليه الشاب ممتعضاً : أرجوك أستاذ نزار قابل أحنا ما عدنا عقول ؟

أجابه نزار : لا العفو بس الفرق هؤلاء لديهم عقول تشتغل وجماعتنا للأسف لا ..

فعمّ  في الجلسه فاصل من الضحك وسط عبوس صاحبنا البعثي .

 

                

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل