/
/
/
/

 ترجمة: رشيد غويلب

أنا لا أكتب كمختصة في العلوم السياسية، تحمل لقبا أكاديميا، ولكن كسياسية و"مثقفة عضوية"، اكتسبت خبرة عملية في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية. ولجتُ عالم السياسة في اطار مجموعات شبابية وثقافية – مستوحاة من "لاهوت التحرير"، وبعد عام 1968، (اشارة الى تاثير الانتفاضة الطلابية – المترجم)، نشطت في حركة السلام. وفي الثمانينيات كنتُ ناشطة شابة في الحزب الشيوعي الالماني، وتلقيت أساسيات الماركسية، وعملت كمساعد فني في مركز بحوث السرطان. وكنت وعلى مدى عقود ناشطة نقابية، ولاحقا كادرة نقابية متفرغة. ومنذ العام 2000، نشطتُ في الحركة المضادة للعولمة (اتاك) واصبحت المديرة التنفيذية للشبكة. وفي العام 2009، اصبحت عضو كتلة حزب اليسار في البرلمان الاتحادي الالماني. ويشمل نشاطي البرلماني مجالات التحول الاجتماعي – البيئي، وسياسة النقل والحركات الاجتماعية.

ان توصيف "سياسة يسارية" يشمل عندي كل قوى اليسار المجتمعية. ويعني اليسار بالنسبة لي: العمل بما يمليه عليك ضميرك في سبيل مجتمع الحرية والتحرر والاستقلالية، المساواة او العدالة والاخوة او التضامن، ويشمل ذلك كامل البشرية وفي جميع انحاء العالم.

 ترك لنا ماركس وانجلس اسسا جوهرية، وليس "وصفة جاهزة". لقد انجزا عملا متنوعا وعظيما، ولكنه غير مكتمل، ورشة عمل عالجا فيها مختلف النظريات والمعرفة العلمية. وهذا هو بالضبط ضروري اليوم للسياسة اليسارية:

"الماركسية ليست نظرية بين اخريات، ضمن نطاق النظريات السياسية والاجتماعية والفلسفية المتنافسة اليوم. إنها شكل من أسس فلسفية، من المعرفة المفاهيمية المتماسكة التي تركز على منظور كامل للمعرفة العالمية هدفها النهائي هو تغيير العالم؛ بمعنى إقامة مجتمع متحرر من الخوف والكراهية والجوع والعنف وناضج للسلام" (1).

لا غنى عن تحليل ونقد الرأسمالية وطبيعتها المرتبطة بالازمات

بعد فشل اشتراكية القرن العشرين، اختفت المنافسة بين الانظمة، وتركز اهتمام السياسة المهيمنة على توفير أفضل الظروف الممكنة لرأس المال (أي المستثمرين)، وادعت عقيدة الليبرالية الجديدة أن النمو الرأسمالي هو المصدر الوحيد للرفاه.

وقد نما النقد النظري والعملي لهذا التطور، من بين صفوف الحركة المناهضة للعولمة، اولا: تم تحليل التراكم المفرط لرأس المال، والكشف، بين امور اخرى، عن ضغوط هائلة لإطلاق العنان للأسواق المالية. وكان في مركز النقد، إلغاء القيود وما يرتبط بها من تخفيض والغاء للحقوق الاجتماعية، بالإضافة إلى التسويق التجاري الشامل (التسليع) عبر خصخصة المؤسسات العامة، وإعادة هيكلة النظم الاجتماعية أو "تثمين" (تحديد قيمة) الطبيعة البشرية وغير البشرية. لقد كان نقد ما يسمى باتفاقات التجارة الحرة صحيحا، باعتبارها حافزا ومسرعا لتراكم رأس المال. وفي نفس الوقت تغيير التوازن السياسي لصالح الشركات فوق القومية. ولاسباب وجيهة، تنظر الحركات الاجتماعية في جنوب العالم إلى النضالات ضد الاتفاقيات والمؤسسات العالمية على أنها استمرار للنضال ضد الاستغلال الاستعماري والإمبريالي. يخطو التشياباسين في ولاية تشياباس المكسيكية مسارات جديدة لحركة "عصر العولمة" عبر احتلال الأرض واقامة الادارة الذاتية، والتشبيك الأممي. لقد ألهم موقفهم السياسي غير جامد الحركة (طرح الاسئلة يقودنا الى الامام). ومع محاولة منظمة التجارة العالمية لفرض اتفاق متعدد الأطراف لحماية الاستثمار، اتسعت الاحتجاجات في إطار الراي العام العالمي. في العام 1997، نشر رئيس تحرير صحيفة لوموند ديبلوماتيك، اغناسيو رامونيه، الافتتاحية البرنامجية: انزعوا سلاح الأسواق! والتي كانت بمثابة الدافع لتأسيس الحركة المضادة للعولمة (اتاك).

 سياسة اليسار يجب ان لا تتخلف نظريا وعمليا عن حركة "عصر العولمة"

لكن هذه مشكلة جوهرية في الديمقراطية الاجتماعية – بما في ذلك أجزاء من النقابات. في ألمانيا، تلقت سياسات الليبرالية الجديدة دعماً هائلاً في ظل حكومة المستشار الاسبق (شرودر)، الذي تزعم تحالف الديمقراطيين الاجتماعيين والخضر (تحالف الأحمر – الأخضر). ومع إصلاحات سوق العمل، او ما يعرف بـ "أجندة 2010" التي تهدف إلى تقديم عروض "أفضل" من اليد العاملة لمستثمري رأس المال: أرخص وأكثر مرونة مقارنة بالدول المجاورة. بالإضافة إلى تحقيق تخفيضات ضريبية، وتحرير السوق وخلق مزايا في تنافس المواقع "الدول المتنافسة". ما يعني أن الأزمات التي تعاني منها البشرية اليوم لا تحل بل تتفاقم، وهذه رؤية أساسية لا يمكن بدونها أن تكون هناك سياسات يسارية.

وهذا وحده لا يكفي، فمن الضروري اختراق الظروف الاقتصادية والبيئية؛ والعمليات الملموسة لخلق القيمة والإنتاج والاستهلاك واعادة الانتاج، والتعامل مع القضايا الاجتماعية والنفسية والأخلاقية المرتبطة بها.

وعلى سبيل المثال، بخصوص ملف الرقمنة، فان التعامل معه لا ينتهي بتطوير تدريب العاملين بحيث يلبي المتطلبات الجديدة. وبالنظر للتصاعد الكبير في الإنتاجية، من الضروري تخفيض ساعات العمل، على الأقل، لكي يؤدي تنامي الرباح الى مزيد من الحرية للجميع.

ويجب أن تنظر السياسة اليسارية إلى الشروط العامة التي خلقتها "الرأسمالية الرقمية": من التحول الديمقراطي المفترض للمجتمع، الوفرة الحرة للمعلومات – وهم تصنيع المنتجات الرقمية المجانية وغير المادية وإعادة تعريف المادة والسلع غير الملموسة -. ان النجاح المذهل لشركات مثل غوغل وفيسبوك يقوم على توفير الخدمات الرقمية، ولا سيما جمع المعطيات. والشيء نفسه ينطبق على شركة أمازون. إن هذا الاتجاه من الرأسمالية الرقمية هو أكثر من مجرد ظروف عمل غير مستقرة ومهينة. ان "مبدأ الأمازون" يؤثر على حياتنا بأكملها. تماما مثلما لا تجزئ الفوردية فقط العمل على الحزام الناقل إلى عمليات منفردة، وتعيد ـ تحت يافطة الوصول للامثل ـ تجمعيها ثانية. ومبدأ الأمازون هو أيضا إعادة تنظيم سلوك الاستهلاك واوقات الفراغ مع التأثيرات على الإنتاج والتبادل. تريد أمازون إعادة هيكلة عاداتنا الحياتية بأكملها: الإنسان كمورد يمكن إعادة تدويره وتحفيزه على نطاق واسع: الزبائن والعاملين والمتبرعين بالمعلومات.

التقنيات المستخدمة في ظل هذه الظروف – مثل السيارات ذاتية الحركة – لا تخدم حماية المناخ ولا تسهم في تحقيق عدالة عالمية. وهذا ليس فقط بسبب مشكلة الموارد والنفايات التي تصاحب جميع الإلكترونيات. فطالما يتم تحديد العالم الرقمي من خلال الرغبة في تدوير رأس المال، ولا يتم استخدام الفرص للحصول على أفضل المعلومات والمشاركة والتجهيز، بل قبل كل شيء للإعلان والتلاعب. إنها تؤدي إلى نمو "نمط الحياة الامبريالي".

استخدمُ هذا المفهوم لأنه، كما ارى، يصف بشكل أفضل التحديات التي تواجهها السياسة اليسارية في ذروة عصرنا. لقد كشف (Uli Brand) و(Markus Wissen) (2) عن نقدهما للاقتصاد السياسي والبيئة ونظرية الأزمة في الرأسمالية العالمية في جوهرها، يعتمد الأمر على الطريقة التي تنتج بها المجتمعات الصناعية والاستهلاكية الغربية، مكاسب الرفاه لفئات واسعة من السكان بشكل منهجي من خلال استغلال *العمالة والموارد الطبيعية في جنوب العالم، وأن هذه "الشروط الإمبريالية" تعتبر أمراً مفروغاً منه في  تحديد الممارسة اليومية للغالبية العظمى.

ويوضح ذلك جيدا مثال المرور ووسائل النقل. لا يتعلق الامر فقط التلاعب والاحتيال في ملف عادم الديزل وليس بالصراع حول النفط، أو أزمة المناخ التي تجعل مجتمع السيارات مشكلة تهدد الحياة. ان القسم الاكبر من تدمير البيئة بواسطة السيارات، يبدأ حتى قبل ان تقطع اول كيلومتر. تحوي سيارة متوسطة المستوى على 1300 كيلوغرام من المعادن والمواد الخام. تدفع البلدان المنتجة للكثير من مواد الخام هذه، تكاليف عبر تدمير بيئتها وعمالة الأطفال وحياة سكانها، لإنتاج سيارة غولف فولكس فاغن، تزن 1.4 طن، تلوث 4 أطنان من الهواء، وينجم عن ذلك 19 طنا من النفايات الصخرية، ويستهلك 232 طنا من المياه.

وبينما هنا في المانيا يجري، على الأقل بشكل سطحي، احترام حماية البيئة وظروف العمل الجيدة، فإن الجوانب المظلمة للإنتاج تكمن في مكان آخر. في جنوب إفريقيا، على سبيل المثال، يتم استخراج البلاتين، أحد أكثر المواد الخام قيمة في العالم. وهذا العنصر يدخل في صناعة السيارات لصناعة فلتر البيئة، وعادم الغاز. ومنظف الهواء هنا، يلوث البيئة هناك. وظروف العمل في مناجم البلاتين كارثية. وعندما أضرب الآلاف من عمال المناجم في العام 2012 احتجاجا، أعلنت الشركات تهديدها، وأرسلت الحكومة الشرطة المسلحة: قُتل 37 عاملاً بالرصاص في "مذبحة ماريكانا". وفي مناجم الكوبالت في الكونغو، يكدح 40 ألف طفل، وفي بيرو Peru تدمر أراضي ثمينة جراء استخراج النحاس، وفي البرازيل يسبب استخراج الحديد أضرارا خطيرة. وفي الصين يعاني الناس الذين يحفرون في كهوف الغرافيت من أسوأ الأمراض**.

وأصبحت الظروف المعيشية السائدة في هذا البلد ممكنة، ويمكن الحفاظ عليها فقط، بسبب ترحيل التكاليف والمساوئ والأعباء على جانب آخر خارجي، مثقل ومخفي. وعند الملاحظة على المستوى العالمي، فان الحياة في مجتمعاتنا المادية والحيوية، تجري بمستوى استهلاكي ليس فقط غير "مستدام"، بل مجنون. وهذا المستوى يمكن الحفاظ عليه، لأن الاستهلاك البيئي لمليارات من البشر في هذا العالم، يجري بمستوى أقل بكثير من الاستهلاك عندنا.

وهكذا، تم تشخيص تناقض مركزي يسبب أزمة نمط الحياة الإمبريالية في الزمن المعاصر؛ من ناحية، تدهورت الظروف المعيشية في أجزاء أخرى من العالم بشكل كبير. وفي بعض الأماكن، أصبحت غير محتملة لدرجة أن المتضررين يسعون للبحث عن ظروف أفضل في أماكن أخرى. ومن ناحية أخرى، فإن الرأسمالية العالمية نفسها تشجع انتشار أنماط الإنتاج والاستهلاك كثيفة الموارد والانبعاثات في اوساط أوسع، فيما يسمى بالدول الناشئة. وهذا يزيد من الطلب على المواد الخام، والأراضي (الزراعية)، واماكن طمر الملوثات، والعمال الذين يقومون باستخراج المواد الخام وإنتاج الغذاء الرخيص: "يعتمد نمط الحياة الإمبريالية على التفرد، بحيث لا يشرك الجميع فيه. وفي الوقت نفسه، يوجه نداءً قوياً لجميع الذين حرموا مسبقا من المشاركة فيه، او الذين اضطروا، في المقام الاول، إلى تحمل تكاليفهم. والذين فقدوا عموما اسس وجودهم: وأصبحوا الفناء الخارجي، الذي يعتمد عليه بسبب الاستخدام غير المتناسب للطبيعة والعمالة. يتقلص هذا الفناء، لأن أجزاء من جنوب العالم تتبنى أسلوب الحياة الإمبريالي، وبالتالي لا يتهاوى  باعتباره فناء خارجيا بالنسبة لشمال العالم فحسب، بل سيعتمد هو الآخر على فناء خارجي آخر يمكن ان يحمله تكاليفه. ونتيجة لذلك، تتفاقم التوترات البيئية الإمبريالية داخل شمال العالم، وكذلك بينه وبين جنوب العالم" (3).

وبالمناسبة، أشار (كارل ماركس) بالفعل إلى هذا الاتجاه، على الرغم من أنه لم يستطع التنبؤ، بعواقبه الملموسة في كثير من النواحي. لقد اتخذ موقفا نقديا بالضد من الاقتصاد البرجوازي، وكذلك ضد الأفكار الديمقراطية الاجتماعية، التي رأت أن العمل بمفرده هو أساس الثروة: "ان الإنتاج الرأسمالي يطور تقنية وتوليف عملية الإنتاج المجتمعي، وفي نفس الوقت يقوض مصادر الثروة: الأرض والعمال" (4).

وفي إشارة إلى أزمة اعادة الانتاج الاجتماعي والبيئي، كتب الفيلسوف الفرنسي لوسيان سيف (2011): "[...] لا يمكنك إنقاذ البيئة دون الجنس البشري، ولا البشرية دون البيئة!"، ويجب ان لا تتخلف السياسة اليسارية اليوم عن هذه الجدلية (5).

 اعتماد منهج التفكير الجدلي

ان أحد مبادئ الديالكتيك المادي هو أن العالم المادي يفهم ككل ديناميكي دائم التغيير، حتى وان بدا ليس من السهل التعرف إليه في حالات ساكنة. كل شيء يتدفق، كل شيء في حركة. والمحرك لهذا النمط من الوجود – من الكون مرورا بالمناخ، ووصولا الى المجتمع البشري – يمثل تناقضات. وعندما تلتقي وحدة وصراع الاضداد، تنشأ الحركة والتطور (في الديالكتيك الكلاسيكي: الاطروحة، والاطروحة المضادة والتوليف بينهما).

تتطور هذه الديناميكية التي يحركها التناقض في العالم المادي بخط مستقيم، ولكن أيضا بطفرات؛ إنها كالقطرات الشهيرة التي تملأ البرميل، اي "تحول الكم الى كيف". وبالنسبة للكثير من العمليات، وخصوصا المجتمعية منها، لا يمكننا ان ندرك مرحلة التغيير، إلا عند مراجعتها. اعتبر ماركس وإنجلز هذه "الوحدة المتناقضة" للأضداد كمبدأ لحركة التقدم؛ وهذا بالتأكيد لا ينطبق على تغير المناخ الناتج عن فعل الانسان: وواضح هنا أن التغييرات المستمرة في نظام معقد – وفي حالة التصاعد، تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي – عند نقطة معينة تؤدي إلى قفزة نوعية مفاجئة (نقاط انقلاب)، مما يضع النظام في حالة مختلفة تماما، ويجعل الأرض غير صالحة لسكن مليارات من البشر(6).

ولسوء الحظ، ليست المواقف "غير الديالكتيكية" قليلة داخل اليسار؛ اعتبار المواقف الخاصة أفضل ما يكون، والتقليل من قيمة المواقف الاخرى؛ وتهدر الكثير من الطاقة في خنادق بين التيارات، بدلا من استيعاب الاختلافات كتعبير عن التناقضات القائمة، وكتعبير عن التنوع الحقيقي للعمل، وأساليب الحياة، وتاريخ الهجرة، والجنس، باختصار: التعددية المجتمعية. وقد لاحظ (انجلس) هذه الجدلية في كتابه "ديالكتيك الطبيعة". هذا الجانب من المنهج الجدلي لا يفكر فقط في التناقضات، بل ينظر إلى الأشياء والعلاقات في ترابطها وقبل كل شيء في تفاعلها الديناميكي.

إن أحد اوجه النقاش اليساري "الدائم والمتقد" هو العلاقة بين المسار البرلماني والإصلاحي والمعارضة الثورية خارج البرلمان. لكن الثورة والإصلاح لا يعارض كل منهما الآخر في حد ذاته. واعتمادا على توازن القوى والسياق الاجتماعي، يمكن أن يكمل بعضهما الاخر، أو أن يؤدي الى التصحيح، وبالتالي يعزز سياسات اليسار. في المجتمعات البرجوازية الديمقراطية، مثل المجتمع الألماني، هناك حاجة إلى الاحزاب البرلمانية، فضلاً عن معارضة قوية خارج البرلمان، تمارس ضغوطا على البرلمانات، وتعزز عمليات التنظيم البديلة للمجتمع.

إن المشكلة الأساسية للأحزاب اليسارية تكمن في استبدال العقلية الجدلية بعقلية الاستقطاب. هنا يريد المرء حل التناقضات الحقيقية للواقع باتجاه واحد، بدلاً من معالجة التناقض نفسه، آنيا وارتباطا بتصاعد الافكار القومية: من ناحية يروج سيغمار غابرييل (قيادي في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الالماني –المترجم)، مفهوما جديدا للوطن؛ وبالمقابل سارة فاغنكنشت واوسكار لافونتيه (قياديان في حزب اليسار الالماني – المترجم) يدعوان إلى المزيد من السيادة الديمقراطية للدولة القومية، وتعزيز دولة الرفاه لمواجهة العواقب السلبية للعولمة. ومن ناحية اخرى، يطالب "اليسار العالمي" بالإنسانية العالمية، ويعتبر أيضا إنجازات دولة الرفاه امتيازا، مقارنة باوضاع شعوب جنوب العالم.

السياسة اليسارية تحتاج الى انطلاقة جديدة تتغلب على هذه البدائل الخاطئة. ان الصراع بين الدولة القومية والراسمالية العالمية ليس جديدا. فقد سبق لماركس وانجلس ان كتبا في "البيان الشيوعي": "ومع أنّ نضال البروليتاريا ضد البرجوازية ليس قوميا في محتواه، فإنه يتّخذ في البداية الشكل القومي". لقد دعيا لطريق محلي لحل النزاع، ولكن بمنظور يقود الى تضامن عالمي. وبهذا المعنى، يمكن أن يكون النضال من أجل تحسين الأجور وظروف العمل والمعيشة على الأرض – للسكان المحليين والمهاجرين –جزءا من التضامن الاممي إذا لم يحصر بـ"منافسة المواقع" فقط، بل باعتباره جزءا لا يتجزأ من منظور التحول الاجتماعي – البيئي. ولهذا السبب فان النضال من أجل ظروف أفضل والمزيد من العاملين في قطاعات الرعاية والعناية الصحية والتعليم أمر في غاية الأهمية – يستوعب كجزء من "ثورة الرعاية" الضرورية التي تركز على الاهتمام ببعضنا البعض والعلاقات الاجتماعية الجيدة، بدلاً من المنافسة وذهنية الاستهلاك.

ومع ذلك، فإن أشكال النضال "الوطني" و"الاممي" هي اليوم مختلفة كليا، عما كان عليه الحال في زمن ماركس: رسخت "البرجوازية" هياكل سياسية تدير المنافسة بين الدول القومية لصالح الشركات فوق القومية (بالطبع، ليس بلا تناقضات) – تدار من قبل مجموعة السبعة، مجموعة العشرين، الاتحاد الأوروبي، ودور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتفاقات التجارية والأسواق المالية (العالمية) والمؤسسات غير الرسمية مثل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس أو مؤتمر الأمن في ميونيخ، .... وبالتالي، فإن منظورا أمميا لسياسة اليسار العالمي أمر لا بد منه.

بالإضافة إلى ذلك، ترتبط الأجزاء المختلفة من الطبقة العاملة العالمية على امتداد سلسلة الإنتاج العالمية ارتباطا مباشرا بعملية العمل اليومية، لسوء الحظ دون إدراكها تماماً، حتى لو كانت تتصل وتتبادل المعلومات مع مدن في اقصى جنوب الهند والصين.

ان الامر يتعلق بتمكين العاملين من فهم مكانتهم وتنظيم العاملات والعمال على طول سلاسل القيمة العالمية. وهي مهمة لا تنحصر بعمل النقابات اليسارية.

يجب على السياسة اليسارية ان ترتقي بالطبقة العاملة، وبالوعي العام بالظروف "الخارجية" وفق مقولة "فكر عالميا، تصرف محلياً" تعني اليوم أيضا إيجاد طرق للخروج من "نمط الحياة الإمبريالية". ولهذا يجب علينا تطوير مفاهيم لتحويل الاقتصاد الراسمالي، ومن النضال من اجل الكثير الممكن من زوايا ونهايات مداخل المخارج وتجريبها.

فهل سيتحقق في الحصيلة نوع جديد تضامني، اشتراكي، أم أن "نافذة الفرصة" التاريخية تجعل الطفرات ممكنة، هذا ما لا نعرفه. ولكنها فرصة لإنقاذ العالم؟

 المادية التاريخية تتحدانا

التاريخ ليس "سلطة الطبيعة"، ولا ينتهي بفشل اشتراكية القرن العشرين، كما يدعي الليبراليون الجدد. وهو ليس بالضرورة نتاج "التطور إلى الأعلى"، كما يزعم بعض دعاة هذه الاشتراكية ذاتها. التاريخ يصنعه البشر. إنه نتاج ممارستنا النشطة في ظل ظروف محددة وفي سياق إمكانيات تطور القوى المنتجة.

كان صيف 2018 الأكثر سخونة في العديد من الأماكن، من ناحية ارتفاع درجات الحرارة: ففي لشبونة وصلت الى 47 درجة مئوية في الظل، وعندما احتج النشطاء ضد التنقيب الجديد عن النفط، واصبحت إفريقيا فرنا، لكن ترامب وأنصار حزب "البديل من اجل المانيا" اليميني الشعبوي، يرفضون فكرة ان التغير المناخي من صنع الإنسان، ويريدون استمرار الحال على سابقه، والاستمرار في ادارة الاقتصاد والعيش على حساب الآخرين.

  رغم كل الضمانات والاتفاقيات، يزداد استغلال الطبيعة مع ازدياد إنتاج السلع الرأسمالية. لقد تم تدمير الغابات البدائية والتنوع البيولوجي والمياه والتربة ومعها اساس معيشة ملايين الناس. إن نهب عمال مناجم الحديد، الكولتان، الذهب، والبلاتينيوم، ومصانع النسيج، ومزارع الفواكه أو المسالخ في جنوب العالم ـ التي تصل منتجاتها إلى عتبة منازلنا – ينتمي إلى "مواصلة ما هو قائم". ومهانة الفقراء في بلدنا الغني جزء لا يتجزأ منه، كما هو حال دوران عجلة الهامستر (نوع من القوارض – المترجم) للتجارة والاستهلاك وعبودية العمل الفاقد للمعنى: "ان التغيرات الناشئة في نظام المناخ العالمي؛ ينبغي ان تجهض في الواقع حسابات اليمين الشعبوي الجديد، الذي يهدف ببساطة إلى الاستفادة سياسياً ومالياً من خلال رفضه لتغير المناخ ويأمل في صحة مقولة ان نهاية العالم تأتي بعد زوال الانسان. ومع ذلك، فإن المجتمعات الرأسمالية المتأخرة في مركز النظام العالمي تعاني في الوقت الراهن من عبثية الهوية التي تعود بالفائدة على اليمين الجديد، بدلاً من مناقشة التهديد الوجودي الذي يمثله تغيير المناخ. ويبدو ان البرقع والمئذنة والصليب والسراويل الجلدية، أهم من الارتفاع المتسارع لمنسوب سطح البحر أو الارتفاع السريع لدرجات الحرارة. إن خطاب التنكيل المتزايد، ووحشية المناقشات العامة، التي لا تناقش فيها فكرة هلاك البشرية، تمثل مقدمة للبربرية الملموسة.

وفي نهاية الامر، يجب على شعوب جنوب العالم أن تهلك من شدة الحرارة  بدلاً من الفرار إلى شمال العالم –هذه هي النتيجة الضمنية لسياسة العزل اليمينية، التي بدأت تعمل فعليا، مستعينة بمصادر البربرية الخارجية. وهذه هي نتيجة تطرف قوى الوسط التي تؤدي في النهاية إلى القتل الجماعي: إنها محاولة محكوم عليها بالفشل الفظيع، لانها تتشبث بما هو قائم، وتترك العوامل المسببة للازمة تذوب تلقائيا. وسيؤدي اغلاق الحدود في بداية حقبة تغير المناخ إلى القضاء على دول بأكملها، هي الخطوة الأولى الملموسة في الإبادة الجماعية لجميع البشر الذين سيحاولون الهروب من تغير المناخ القاتل في العقود المقبلة.

إن التغلب على فرض النمو الرأسمالي المستعر، الذي يحرق العالم الملموس من أجل تراكم الثروة المجردة هو مسألة بقاء الحضارة العاري على قيد الحياة. يجب ان يفتح وهم الهوية، والخطاب الاقصائي لليمين الجديد ويفتح الطريق لمناقشة واسعة النطاق في المجتمع بأسره لخطاب التحول، الذي يتناول اشكال ما بعد الرأسمالية لاعادة الانتاج المجتمعي.

من الضروري تحرير الإمكانات التقنية والعلمية الناضجة في رحم المجتمعات الراسمالية المتأخرة الميتة، من قيود الإنتاج الرأسمالي، والتدوير اللامحدود لشروط الراسمال. وبدلاً من الإنتاج من أجل اكوام النفايات، فإن الاستخدام الأكثر كفاءة للموارد العالمية وبناء بنية أساسية عالمية لمعالجة تغير المناخ سيكون مركز إعادة إنتاج مجتمع عالمي ما بعد الرأسمالية (7).

وهذه هي الخطوط العريضة للمسؤولية التاريخية لسياسة اليسار اليوم. وبإطلالة على مشهد الاحزاب السياسية، والمنظمات المتنامية، من الاتحادات النقابية، ومرورا بالمنظمات الاجتماعية، وصولا الى اتحادات حماية البيئة – يصبح من الواضح أن إمكاناتنا ليست كافية، وان هناك حاجة إلى أشكال وتشكيلات جديدة على صعيدي النظرية والممارسة للتغلب على النظام الراسمالي. ان معرفة ما تقدم وتسميته وادراجه على جدول العمل وتشبيكه، وتطوير قوة مشتركة فعالة، يمثل مهمة مركزية للسياسة اليسارية تتماشى مع روح العصر.

المطلوب تغيير الظروف وليس السلوك فقط

وهنا من المفيد القاء نظرة على "السياسة الخضراء" في هذه المرحلة: يشير خطاب الاستدامة المهيمن المتكرر إلى قلة أو عدم كفاية الوعي، كما لو كان المستهلكون يضعون اليد على ما ينتج وكيفية انتاجه. "سلطة المستهلكين" هي وهم ومزيد من الابتعاد عن الفهم السياسي. ولا يغير من الامر شيئا، اسواق بيع المنتجات الطبيعية، ولا التسوق الواعي بالبيئة، وشهادات نسب ثاني أكسيد الكربون لتهدئة الضمير في الرحلات الجوية، والسيارات الكهربائية "الخالية من الانبعاثات" أو حتى علامة "صديقة للبيئة" الملصقة على الملابس. وكل هذا لا يغير من حقيقة أن متوسط البصمة البيئية ينمو مع الدخل.

منذ وقت طويل، كانت استراتيجيةً الشركات مبنية على اساس الطلب المستند الى قوة شرائية عالية "صديقة للبيئة": "الغسل الاخضر، اي ان جهود الشركات، كانت أكثر نجاحا من أي وقت مضى، لإخفاء جوهر أعمالها القذرة وراء الوعود البيئية والاجتماعية الجميلة. ولكن وراء هذا العالم الاخضر الوهمي، يستمر الدمار على قدم وساق. لقد تضاعف استهلاك المواد الاولية، النباتية، المعدنية، والاحفورية في سنوات 1980 – 2010 من 40 إلى 80  مليار طن" (8).

 إن نمط الحياة "الطبيعية" في شمال العالم، والتي تتميز بنمط الانتاج الرأسمالي، تخرج الناس من علاقاتهم التقليدية وتجبرهم على بيع قوة عملهم في السوق، لكي يعيشوا. والوحدات الاقتصادية الصغيرة، مثل المزارع الصغيرة والاقتصاد المنزلي أو تربية الحيوانات، والتي كانت موجودة بكثرة، حتى في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، يتم تهميشها وقمعها. ويتم إجبار الناس بشكل روتيني على اتباع نمط الحياة الإمبريالية، لأن عملية الإنتاج التي يكسبون فيها دخلهم والسلع التي يحتاجونها تعتمد على مصادرة غير متكافئة لقوة العمل والطبيعة في مكان آخر. وينطبق الشيء نفسه على "هياكل التقييم" النفسية – الاجتماعية في مجتمع يكون فيه حجم المنزل أو السيارة، الموضة الاحدث، السفرات السياحية البعيدة، رموزا للمكانة الاجتماعية، مدعومة ضمن امور اخرى، من صناعة دعاية عالية الكفاءة. ولكن هناك اختلافات في درجة تاثير العامل الخارجي وهناك مساحة في السلوك يجب تسييسها لتغيير التوازنات. ومن المهم أن يتنازل المزيد والمزيد من الشبيبة بوعي عن السيارات الخاصة، لأنهم يعون الجوانب السلبية لـ"السفر غير المقيد". تشجيع الدرجات الشعبية، وتشجيع المبادرات لتغيير المدن، او للمطالبة بوسائل النقل العام المجانية في العديد من الأماكن، ستكون نجاحا على طريق تحقيق امكانيات نقل أكثر عدالة. ويجب على السياسة اليسارية أن تدعم بقوة هذه الجهود الاجتماعية – البيئية، وفي نفس الوقت  تناضل من أجل الإطاحة بالمساهمين الرئيسيين في "الصناعة المحورية": يجب أن يتقلص قطاع صناعة السيارات. وبمساعدة خبرات العاملين، يمكن انشاء شركات نقل، يكون هدفها، توفير الظروف لتحجيم سعة وحركة النقل.

وينطبق الشيء نفسه على التغذية: فالعديد من النباتيين أو الذين لا يتناولون المنتجات الحيوانية اطلاقا (معظمهم من الشباب)، ومبادرات مشاركة الأغذية التي تخرج الأغذية القابلة للاستخدام من حاويات النفايات، لا يعطلون عمل شركات نستله ومونسانتو باير، سلسلة افران المعجنات الكبيرة، واسواق التخفيضات العمالقة. ومع ذلك، فإن سلوكهم مستوحى من روح العدالة الاجتماعية – الإيكولوجية، ويجب عدم الاستهانة به. ان على السياسة اليسارية التحريض القوي ضد تربية القطعان الضخمة من الماشية، ومعونات التصدير، والغليفوسات (مادة تستخدم في عملية تهجين النباتات، وتكون مقاومة للمبيدات، ولكنها تضعف التمثيل الغذائي – المترجم)، وفي الوقت نفسه تطوير رؤية عن تحقيق الغذاء الصحي للجميع بواسطة الزراعة التضامنية. والمشاريع الراهنة تعتبر شريكا مهما لانجاز هذه المهمة.

تتجسد مهمة حزب اليسار في تنظيم النضال من أجل تغيير ملموس في العلاقات الاجتماعية من ناحية، ودعم التغيير في الممارسات اليومية وعكسها من ناحية اخرى. وفي هذا الصراع، من المهم جدا، أن يتغير الناشطون أنفسهم. التحرر لا يمكن أن يتم إلا من خلال الممارسة الشخصية. والنشاط الملموس هو مصدر أساسي لتنمية الشخصية. ان على السياسية اليسارية ان تكون عملية وقادرة في الوقت نفسه على خلق اليوتيبيا. وعليها ان تتجاوز تدريجيا "نمط الحياة الإمبريالية"، وأن تهدف إلى نمط حياة وثقافة تضامنيين. وعلى الساسة اليساريين تجسيد هذا الموقف، على الرغم من كل تناقضاته، وعليهم عكسه حيث ما أمكن.

السياسة الطبقية كممارسة نشطة مترابطة

ومن أجل وقف البربرية وتحريك الظروف المتحجرة، فان هناك حاجة لدى الجميع، كل "موزائيك اليسار"، وجميع اطياف المنشقين، والإنسانيين، ومحسّني العالم، وما يسمى بـ "العاملين الصالحين". وهناك حاجة إلى مفهوم كوني للطبقة، والذي يشمل بالطبع التنوع الثقافي الكامل للعمال الاجراء – من معيلي اطفالهم بمفردهم (الازواج المنفصلين عن بعضهم)، مرورا ببائع الملابس في الشركات الكبرى، والمنحدر من اصول كردية، إلى المبرمج المثلي، الى مساعد جني المحاصيل الروماني. وبالطبع، يجب أن يكون مفهوم الطبقة العاملة اليوم عالميا، ويشمل المبعدين عن الصراع والمهمشين.

ان تزايد حضور اليمين يمكن ان يكون تعبيرا عن القلق. ولكنه يجعل فتح الطريق للبربرية في المقدمة وواضحا للعيان؛ يتم الدفاع عن الامتيازات (الموزعة بشكل غير متكافئ للغاية) في شمال العالم أكثر وأكثر عنفاً ضد "من لا يملكون". معسكرات الاعتقال على أبواب أوروبا (اشارة الى منع المهاجرين من الدخول الى اوربا – المترجم)، والمزيد من الأسلحة والعسكرة، تجاهل الحرية وحقوق الإنسان، بما في ذلك غوغاء اليمين المتطرف في مدينة كمنتس، وهم ينشرون الخوف والرعب.

وعلى النقيض من ذلك، ينشأ تناقض جديد وشامل، يتظاهر الآلاف ضد التحريض اليميني والعنصرية، ومن اجل حقوق الإنسان غير القابلة للتجزئة وضد قوانين الدولة البوليسية، وسياسات العزل غير الإنسانية. ان شعار "نرجب بكم – متحدون" يجعل اللاجئين حلفاء لقوى التغيير في الشارع. وبانطلاق حملة "جمعة في سبيل المستقبل"، و"تمرد ضد الانقراض" تنشأ حركة ديناميكية، وراي عام مؤثر ضد تدمير اسس حياتنا. وهناك مبادرات المستأجرين ضد سياسات الإسكان المعادية للمجتمع أو إضرابات العاملين في الرعاية والتمريض ضد السياسة الصحية الخاطئة. هذه المبادرات تمثل اشكالا من النضال الملموس من أجل العدالة الاجتماعية. ان أكثر الحركات الاجتماعية نجاحاً في الوقت الحاضر مبنية على ذهنية يسارية ـ بيئية. على سبيل المثال: استفتاءات في سبيل شبكات الطاقة وإمدادات المياه خاضعة للقطاع العام، ومقاومة اتفاقيات التجارة الحرة، والاحتجاجات ضد المشاريع الكبيرة غير المنطقية، والنضال من أجل العدالة المناخية، وضد تربية قطعان الماشية الضخمة، ظاهرة موت الحشرات، والاحتكارات الزراعية، وحصار مناجم الفحم وخطوط الأنابيب، ومبادرات تغيير انظمة النقل. تنشأ إرادة التغيير بشكل خاص عندما يتم الجمع بين فضح الزيف والدفاع عن رؤية العدالة الاجتماعية –البيئية. ويجب على السياسة اليسارية في سياق هذه الصراعات وصعود الحركة، مهاجمة السلطة المدمرة، وعلاقات الانتاج.

ان إعادة التوزيع مهمة، لكن التحول الاجتماعي والبيئي للاقتصاد أمر لا غنى عنه. ومن نقاط الضعف التي لا يمكن إنكارها في اليسار، عدم القدرة على تقوية القوى العاملة، بشكل يجعلها قادرة على دفع التحول الى امام. من ناحية، فإن "ظروف سوق العمل" تجعل الأكثر قدرة لتطوير قوة النضال، هادئين، لأن فرصة العمل المستقرة في الشركات الناجحة تبدو بمثابة امتياز واستقرار على خلفية رفع القيود عن سوق العمل، وانتشار اشكال العمل غير الثابتة والمضمونة. ومن ناحية أخرى، لم يستطع اليسار حتى الآن من إضعاف القوة الخفية للأسواق المالية. كتب الفيلسوف الفرنسي (لوسيان سيف) في مقال عام 2011: "لقد أدى تثوير الإنتاج الى تدمير العمال الاجراء، وتجعل حصانة القرارات المالية، شبه الدينية والعبثية احباطهم حتميا". ان الرغبة القوية في تغيير كل شيء لا تؤدي، في النهاية، إلى أي شيء. إن العجز السائد وأكاذيب السياسة المؤسسية يغذيان الكآبة السياسية والتعب الانتخابي لدى الناخبين.

وهكذا ينمو مع جنون الارباح، الاعتقاد بحتمية ما هو أسوأ. ان النظام الذي يحمل المفهوم المحوري "الحرية" في المقدمة، ويتبع مقولة مارغريت تاتشر: "ليس هناك بديل"! وبالفعل، كيف يمكن للمرء ان يحرر نفسه من السلطة المطلقة للأسواق المالية ووكالات التصنيف، لو لم تؤد الأزمة الكبيرة في عام 2008 إلى تغييرات كبيرة؟ ان مزاج التشاؤم الراهن في عصر الذرة والانترنيت، يعيد الى الاذهان الزمن الروماني المتأخر، ويمثل مقدمة للكارثة الوشيكة.

لا ينبغي للسياسة اليسارية ان تكتفي بالمطالبة بـ"الحفاظ على فرص العمل" وبالتالي الحفاظ على الوضع القائم! ويجب على هذه السياسة شجب الغاء اهلية البشر وإساءة التعامل الهيكلي من قبل الرأسمالية معهم. وهي، (أي السياسة اليسارية – المحرر)، بحاجة ماسة لمناقشة البدائل الجذرية، والتي يمكن تصورها – والمرتبطة بالاحتياجات الحقيقية المطلوبة: معظم الناس يرغبون في تقديم شيء مفيد للمجتمع من خلال عملهم؛ وترغب الأغلبية في الحصول على مزيد من حرية القرار في التصرف بوقت فراغها، دون سلطة لقرار آخر؛ وقرابة 80 في المائة يعتقدون أن مجتمع النمو هذا لا يمتلك الديمومة، ولكن ليس لديهم فكرة عن كيف سيكون البديل "الآخر". يجب ان تتضمن سياسات اليسار خططًا مقنعة لكيفية خروج عمال الصناعات الضارة بيئياً من عمليات التحول اللازمة دون فقدان للرفاه وبـ "رؤوس مرفوعة"، وبتعبير أفضل كيف يتمكنون من بنائها. والى جانب ذلك يجب طرح سؤال الملكية، المطالبة بالديمقراطية في الاقتصاد، واسئلتها المتعلقة بطبيعة النظام.

 الأسئلة الأكثر أهمية بالنسبة لي

لا تتضمن المجلدات الأربعون لأعمال ماركس وانجلس الكاملة، نظرية سياسية مبنية بحزم. ولا يجد المرء في هذه الاعمال أيضا، طريقا موصوفة بدقة توصل الى النظام الاشتراكي، او الى شروط ملموسة في المجتمع اللا طبقي المرجو. وكلاهما تحدث بهذا الشأن بعمومية وعجالة. وبما أن المحاولات الأولى في القرن العشرين لم تكن "مستدامة"، فمن الصعب نشر اليقين. ولهذا اود في الختام ان أحاول الخروج بخلاصة وطرح أسئلة أساسية أخرى.

من الواضح أن "الكعكة" التي نتجت بعد نضالات التوزيع الناجحة، والتي خلقت رفاها وامنا لأوساط واسعة من السكان، بالنسبة لنا، لا متعة  فيه: ان هذا الرفاه يخفي الحروب والنفط؛ وعمل العبودية في مزارع الفواكه العملاقة. وفي مصانع اللحوم في ولاية "نيدرساكسن" الألمانية، او في مزارع الخضراوات الاسبانية؛ وعشرات الملايين من البشر الذين تسلبهم صراعات المنافسة العالمية على المواد الخام والأسواق أو تحولات المناخ، أسس معيشتهم ويجبرون على الهروب. ولذلك لا يكفي الجدال حول توزيع الكعكة. ان الامر يتعلق بالوصول إلى المخبز (المخابز) لتحديد ماذا وكيف ينتج.

 كيف ينجح التمكين الذاتي المؤثر للكثيرين؟

 يبدو ان الديمقراطية المباشرة من العناصر المهمة للتأثير السياسي الفعال. ومن الصحيح والضروري ترك العديد من القرارات – على المستوى الفيدرالي أيضًا – للمواطنين أنفسهم، لمواجهة الإحباط السياسي لدى قطاعات واسعة من السكان. ومع ذلك، فإن الممارسة العملية في سويسرا (حيث يتم التصويت على جميع المسائل، بما في ذلك توزيع موارد الميزانية، مباشرة من قبل المواطنين)، تُظهِر أنه على الرغم من أن تأثير بعض كتل رأس المال محدود، لكنه لا يؤدي تلقائيا لنشوء بدائل اشتراكية.

وهناك أمثلة أخرى على تمكين ذاتي يساري ناقد للنظام: فالى جانب احتلال أراضي والحكم الذاتي في تشياباس (اقليم في المكسيك – المترجم)، ياتي في المقدمة نظام الادارة الذاتية، الذي يتابعه من السجن ابوه الروحي عبد الله اوجلان، والقائم على هيكلية بلدية ومناطقية تعمل على اساس المساواة بين الجنسين، والتعددية الثقافية والاثنية، والتي تسعى لتحقيق عدالة اجتماعية – ايكولوجية. هذه الانطلاقة التحررية المجتمعية، والتي لا تمثلها اغلبية السكان الكردية فقط، ادى الى تغييرات جذرية في الحياة السياسية واليومية في شمال سوريا (كردستان سوريا) وجنوب شرق تركيا (كردستان تركيا)، بعيدا عن سلطة الدولة. وعلى الرغم من أن القمع الهائل والتدخل العسكري لأردوغان يعرقل الكثير، إلا أن سياسات اليسار يمكن أن تتعلم منها؛ وكذلك التجارب المشتركة في اليونان، حيث مثل تنظيم "التضامن من أجل الجميع" دعما حقيقيا للحياة من أسفل، وتحريك الكثير من الناس، ما جعل نجاح سيريزا الانتخابي ممكنا.

ومما يثير الاهتمام أيضا "التعسف" الذي تقوم به مجالس بلديات كوبنهاغن أو باريس بإعادة بناء البنية التحتية لحركة المرور، ضد سيادة السيارات أو تقديم عمد جنوة أو برشلونة موانئ آمنة للاجئين – يتبناها غالبية مواطني هذه المدن، بعيدا عن سياسة الحكومة الوطنية. مدن التضامن أو المدن المتغيرة – ربما البلدية هي التي من المرجح أن تتغير بشكل ملحوظ؟ ستكون هناك شبكة عالمية من المجتمعات الحضرية ذات التوجه الاجتماعي والإيكولوجي والديمقراطي مع مقاهي الإصلاح، وحدائق المدينة، وشركات الإسكان غير الربحية، والمؤسسات البلدية للاقتصاد التضامني.. إلخ، قاعدة قوية لتجاوز الرأسمالية المعولمة؟ كما يمكن تصور كيفية تقويض السوق المالية واقتصاد النمو؟ وبالتأكيد ليس هناك طريق يتجاوز سياسة يسارية ملموسة وقريبة من الهموم اليومية في الحي والقرية والمصانع – تدعم التنظيم الذاتي، والتأثير القوي للناس البسطاء، وربطهم بـ "العناصر المستكشفة"، "الشخصيات الثورية" التي لم يتم احتواؤها، والتي تجرأ على اقتحام الجديد، والذين يساهمون بوعي في نمط حياة تضامني، بغض النظر عن الاتفاقيات السائدة، ودون خوف على أمنهم المادي، والذين يقدمون النصيحة لجيرانهم، بشان افضل السبل للتعاون المتبادل، ما المطلوب من دائرة المدارس (مديرية التربية)، وأي شارع يجب ان يكون خاليا من السيارات (للمشاة)، وأين يجب ان تكون محطة الحافلات ..الخ، ستكون هذه البداية لـ "رابطة الافراد الاحرار" التي حلم بها كارل ماركس (الموضوعة الثالثة من موضوعات فورباخ)؟

  هل نحن قادرون على التعلم ما يكفي لتخليص أنفسنا من المجتمع البرجوازي؟ ما هي الشخصيات المطلوبة والتي، بالإضافة إلى التحليل شديد الوضوح للبؤس، تكون في وضع يمكنها أيضا من تحفيز الناس على تغيير تصرفاتهم، لرفع الثقة بالنفس، ولتنسيق التنظيم الذاتي؟ يجب أن يتم الاعتراف بهم وتأهيلهم. وفي النهاية يجب ان تنشأ ثقافة يسارية تتميز بذهنية الاحترام، تجعل النقد والنقد الذاتي ممكنا، تقوم على التعددية والاجماع. انها ثقافة الصداقة: "إذا لم تساهم الذوات في تغيير العالم الذي تعيش فيه على أساس منظور التحرر الفردي والجماعي، عندئذٍ سيغيرهم هذا العالم وصولا الى اللاإنسانية" (9).

ملاحظات

* "الاستغلال" بالمعنى الماركسي – مصادرة فائض قيمة العمل بواسطة مالكي وسائل الانتاج – يحدث في جميع الانحاء في الراسمالية. و"ارباح الرفاهية" لا تعود، رغم ظروف العمل اللا إنسانية، الى معدلات استغلال عالية في جنوب العالم. انها أعلى في المراكز الراسمالية. وهي نتيجة لتقسيم عمل دولي، مدفوع برغبة الشركات متعددة الجنسية في الربح، تنقل بموجبها مراحل سلسلة الإنتاج العالمي غير المحتملة بيئيا، والتي تتطلب عمالة كثيفة الى بلدان جنوب العالم. وبهذه الطريقة، يلتقي في سلسلة الإنتاج العالمي، المحمية نسبيا، عمل المهارات العالية في المصانع المتطورة، والعمالة غير المستقرة، وظروف عمل الرأسمالية المبكرة، وصولا الى عمل الرقيق. ان هذا كله هو مجتمع العمل في الرأسمالية العالمية.

** في برنامج الأسبوع الاقتصادي يعرض عمل حيوي لفريق من الصحفيين لـ "سيارتك". ورغم أن الاستنتاج ("مواد خام مقبولة" مقابل المزيد من المال نسبيا) غير مقنع تماما، لكن العرض ينطوي على قيمة كبيرة، لأنه يسلط الضوء على ما هو مخفي.  

 الهوامش

(1) Metscher, Thomas (2017): Integrativer Marxismus, Kassel (Mangroven Verlag), p.36

(2) Brand, Uli; Wissen, Markus (2017): Imperiale Lebensweise – Zur Ausbeutung von Mensch und Natur, München (oekom).

(3) Brand Uli, Wissen, Markus (2018): „Nichts zu verlieren als ihre Ketten“? Neue Klassenpolitik und imperiale Lebensweise, Zeitschrift LUXEMBURG 01/2018

(4) Marx, Karl; Engels, Friedrich (MEW): Marx-Engels Werke und Briefe (MEW), Berlin (Dietz Verlag) 1958 ff, p.530.

(5) Sève, Lucien (2011) Der Mensch im Kapitalismus“, in: Le Monde diplomatique, 11. 11. 2011. https://monde-diplomatique.de/artikel/!220323

(6) Konicz, Tomasz (2014) „Die Dialektik des Klimawandels – Wie quantitative Änderungen der Treibhausgaskonzentration zu qualitativen Umbrüchen im globalen Klimasystem führen können“.  http://www.heise.de/tp/features/Die-Dialektik-des-Klimawandels-3364883.html.
(7) Konicz, Tomasz (2018) „Klima für Extremismus“. http://www.heise.de/tp/features/Klima-fuer-Extremismus-4127330.html

(8) Hartmann, Kathrin (2018): Die grüne Lüge – Weltrettung als profitables Geschäftsmodell, München (Karl Blessing Verlag).

 (9) Sève, Lucien (2016) Die Welt ändern – Das Leben ändern. Neuausgabe von Marxismus und Theorie der Persönlichkeit, Hamburg (Argument Verlag). 

 * مجلة الثقافة الجديدة العدد 410-411

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل