/
/
/
/

 من المعروف للجميع ان الدولة العراقية تأسست عام 1921 ولكنها بقيت تحت الوصاية البريطانية بأشكال متعددة، بشكل مباشر وغير مباشر، حتى عام 1958.

لقد كان العراق قبل تأسيس الدولة مكونا من ثلاث "ولايات" يكاد يكون التواصل الاجتماعي والثقافي  و الاقتصادي وحتى  اللغوي بينها ضعيف جدا. وكانت السمة العامة له هي التخلف المريع في جميع مناحي الحياة. فالأمية في المجتمع كانت تصل الى اكثر من 90%، ولا توجد اي بنى تحتية للصحة والمواصلات والادارة. اما الزراعة فكانت بدائية جدا وتخضع  للاعراف العشائرية والاقطاعية. اما الصناعة فلا وجود لها تقريبا.

ولكن بعد الاحتلال قام الانكليز بانشاء بعض الطرق و الجسور والموانئ والمطارات العسكرية ومدوا  سكة حديد بغداد - البصرة وانشأوا بعض الصناعات الخفيفة، الأمر الذي انتج طبقة عاملة جنينية تقدّر بعدة الاف. لكن السمة العامة للاقتصاد بقيت سمة اقتصاد الكفاف.

في ظل تلك الظروف وبتأثير من نجاح ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا والجهد الذي بذله لينين في مراسلاته الى شعوب الشرق وبلدانه منها العراق، وبتأثير من الحس  الوطني العراقي الذي اوجدته  ثورة العشرين، تمخضت هذه العوامل مجتمعة فولدت حركة نقابية وسياسية تجسدت في ظهور احزاب  تدعو الى انجاز مرحلة الاستقلال الوطني. كان ابرزها حزب الاخاء الوطني العراقي الذي أسسه جعفر ابو التمن والذي كان الرفيق فهد احد اعضائه، لكن هذه الاحزاب سرعان ما ذابت وتلاشت. ولكن مشاعر الوطنية العراقية تزايدت بشكل ملحوظ  وافضت الى ظهور تيار يساري بحزب الاخاء الوطني والذي افرز الحزب الشيوعي العراقي عام 1934. وهنا يبرز السؤال الكبير:  

  كيف يؤسس حزب طبقي (اي حزب شيوعي) في بيئة كهذه تفتقر الى ابسط مقومات وجود حزب شيوعي؟ اي في دولة غير مصنعة وليس فيها طبقات اجتماعية واضحة وليس لديها بنى تحتية ولا قوانين ومؤسسات مدنية ولا ثقافة ديمقراطية او قيم حداثوية.

باعتقاد الكثير من الباحثين ان السبب يرجع الى فراغ الساحة السياسية من احزاب حركة التحرر الوطني، من جهة، ومن جهة اخرى تصاعد مؤشرات الحس الوطني والطبقي عند عامة الجماهير وخاصة الشغيلة التي كانت تعمل في المؤسسات البريطانية.

وهكذا ملأ الحزب الشيوعي ذلك الفراغ السياسي الذي اوجدته احزاب حركة التحرر الوطني بسبب هزيمتها  السياسية، الأمر الذي ادى الى ان يجد نفسه وحيدا في الساحة السياسية وامام معادلة صعبة هي:

 اما ان  يحل نفسه ويؤجل التأسيس، او يحمّل نفسه مهمات حركة التحرر الوطني كاملة، وذلك بأخذ دور الاحزاب الوطنية المنحلة او المتقاعسة.

 وفي الاخير اختار الحل الثاني، متحديا مصاعب الظروف الذاتية والموضوعية بكل شجاعة وصبر ومثابرة طيلة الفترة الملكية وما بعدها.

 ولعل هذا الاختبار هو الذي افرز عدة نتائج:

 الاولى:  انه صار بديلا عمليا عن مجمل الحركة الوطنية العراقية التي تخلت عن دورها التاريخي،   مما جعل العدو الوطني والطبقي ينظر اليه باعتباره العدو رقم واحد ويضع الخطط المدروسة لتدميره.

الثانية: ان صمود الحزب امام الهجوم  الشرس المتواصل ضده اكسبه ثقة الجماهير المتزايدة. الأمر الذي جعله يمد جذوره عميقا في التربة العراقية و يطاول عاديات الزمن ويتحول الى ايقونة العراق  المتميزة باعتراف اشد اعدائه، بحيث استحق لقب عميد الحركة الوطنية العراقية وحجر الزاوية فيها  بلا منازع.

الثالثة: هي عجز الحزب عن استلام السلطة السياسية طيلة تلك الفترة الطويلة بسبب عدم اكتمال المقدمات المادية الضرورية (مستلزمات الدولة الحديثة) بسبب تخلي الاحزاب البرجوازية (احزاب المرحلة) عن دورها التاريخي وتركته وحده في الساحة مما فسح المجال للقوى الرجعية والعميلة والقوى الامبريالية للانفراد به وخاصة بعد ثورة 14 تموز وتحت شعار (يا اعداء الشيوعية اتحدوا).   

وللتذكير فقط ، لقد ضمت هذه الجبهة كلاً من حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب والحركة القومية الكردية، والتي باركت انقلاب شباط  1963 في اول برقية تأييد له، والاقطاعيين وشركات النفط وقوى الاسلام السياسي المتمثلة بمرجعية النجف والنظام الشاهنشاهي في ايران والمخابرات الامريكية والبريطانية وحلف السنتو. في حين جمد الحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي نفسه، ورفض الحزب الوطني العراقي بقيادة محمد حديد  التحالف مع الحزب لحماية الثورة، والتي هي ثورة الطبقة الوسطى الصناعية بالأساس.

لقد كانت الخطوة الثانية بعد الانقلاب الدموي هي عسكرة المجتمع وصنع الانقلابات المتوالية، ثم الحقوها بالترويج للايديولوجيات الغيبية والعشائرية والشوفينية لغرض تدمير الوعي التحرري الذي خلقته ثورة 14 تموز.

 وكانت الحلقة الثالثة من المخطط هي تسليم الحكم الى البعث الفاشي في عام 1968 كي يكمل ما بدأوا به بواسطة عسكرة المجتمع وتبعيثه بالقوة ومن ثم الايعاز له بشن الحروب العبثية وتدمير ما تبقى من القوى الوطنية والديمقراطية.

وكانت الخطوة الاخيرة هي احتلال البلد وتسليم السلطة للاسلام  السياسي الطائفي الرجعي والمغرق بالسذاجة والتخلف.

 ملاحظات

 الملاحظة الاولى:

 ان المتتبع  لتاريخ الحزب سيلاحظ  بدون عناء ان الحزب طيلة عمره الطويل لم  يدعو الى نظام اشتراكي في العراق ما لم تتوفر المقدمات المادية الضرورية لهذه الدعوة.

 ولذا فان نضاله الحالي هو حصرا لانجاز مهمات بناء الدولة الوطنية الديمقراطية المعطلة، والتوسع في مفهوم العدالة الاجتماعية والتي هي الخطوة الاولى لبناء الاشتراكية.

ولذلك حرص الحزب منذ تأسيسه بتثبيت ماده في نظامه الداخلي تقول (قووا تنظيمكم .. قووا تنظيم الحركة الوطنية).

الملاحظة الثانية: 

ورغم الجراح الدامية والمأساة المريرة التي عانى منها الحزب على ايدي فاشيي 8 شباط 1963عاد وفعّل شعاره القديم (قووا تنظيمكم .. قووا تنظيم الحركة الوطنية) ثم اردفه بابرام  تحالف مع حزب البعث من منطلق تقديم مصلحة الوطن والشعب على مصلحته الذاتية، أملا بأن يتعض من اساؤوا الى الوطن وله من تجريبة  الماضي. لكن المبادرة وحسن النية تلك فشلت فشلا ذريعا بسبب تأصل النهج  الفاشي والرجعي في ايديولوجية حزب البعث وارتباطاته المشبوهة بالدوائر الامبريالية ("جئنابقطار امريكي" -- راجع مذكرات علي صالح السعدي).

الملاحظة  الثالثة:

لا يسع المجال في هذه  المقالة لذكر اسماء الملاحم النضالية التي نفذها الحزب من اجل الشعب والوطن والكادحين، ولنذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

ملحمة عمال النفط  في كاور باغي واضراب عمال الميناء و انتفاضات الفلاحين في كردستان والفرات الاوسط  ونشاطات لجنة مكافحة الصهيونية ووثبة  كانون عام 1948 وانتفاضة تشرين عام  1952 وانتفاضة مدينة الحي عام 1956والحراك الجماهيري  للتضامن مع ثورة الشعب المصري ابان  العدوان الثلاثي عليها وغيرها. ثم علينا ان نتذكر الجهد النضالي المجيد للحزب في تأسيس جبهة الاتحاد الوطني الي  مهدت لثورة 14 تموز 1958، ودوره في مناصرة  قضية الشعب الكردي طيلة  العقود   الستة المنصرمة والتضحيات الجسيمة الي  قدمها من اجل نصرة تلك القضية .. واخيرا و ليس آخرا، ما قدمه الحزب من تضحيات جسيمة منذ الاختلال الامريكي  للعراق ولحد الآن.

فمنذ عام 2003 ولحد هذا اليوم يخوض الحزب نضالا ضاريا من اجل اقامة دولة مدنية ديمقراطية وحماية العملية السياسية (العرجاء)، اضافة الى دوره البارز في دعم انتفاضات الجماهير المكتوية بنار الفساد والطائفية والفقر المدقع، منذ هبة 2011 ولغاية انتفاضة تشرين الشبابية .. بالاضافة الى جهده المتواصل في نشر الثقافة العلمية والحداثوية والديمقراطية.

فهذا شاعر العرب الاكبر الجواهري، وهذا  بدر شاكر السياب مجدد الشعر العربي، وهذا بلند  الحيدري وهذه لميعة عباس عمارة، وهذا  ابو سعيد وابو كاطع وغالب طعمة فرمان وزاهد محمد ومظفر النواب  وعريان السيد خلف والعالم عبد الجبار عبد الله وفؤاد سالم وغيرهم من الاف المبدعين والعلماء والفنانين والرياضيين الذين خرجوا من تحت عباءة هذا الحزب او بدعم منه.

تُرى ألا يحق لهذا الحزب ان يسمي نفسه "سفينة هموم وطموحات  الشعب العراقي"؟  ثم ألا يحق لرفاقة وكل الشرفاء والوطنيين ان يرفعوا نخب الفخر والاعتزاز بذكرى ميلاده؟

 

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل