/
/
/
/

أكدت التطورات الجارية في الايام الاخيرة جملة من المعطيات بشأن العملية السياسية، ومسار الانتفاضة، وسلوك المتحاصصين. فقد جاء انسحاب السيد محمد علاوي متأخرا، وبعد ان استنفذ عمليا فرص تشكيله للحكومة المرتقبة. اما "الغياب الطوعي" الذي ابتدعه رئيس الوزراء المستقيل، والذي هو في الواقع "التفاف طوعي" مكشوف على الدستور، وعلى فرص تغيير التوازنات، فجاء اصرارا على هيمنة تريد أن تستبدل الدستور بعرف المحاصصة البغيض. وان ما جرى أكد بما لا يقبل الشك اننا ازاء نظام سياسي مغلق وغير قادر على تجاوز ازماته. وهذا امر يدعو قوى التغيير الحقيقية الى اعادة قراءة المشهد على اساس رؤية نقدية موضوعية لأضلاعه الثلاثة، وأعني بها: ما حققته الانتفاضة، والنظام السياسي القائم الفاشل، والتغيير المنشود.
الانتفاضة: نجاحات بعيدة المدى

الانتفاضة كانت فعلا جماهيريا بامتياز، وانها لم تكن عفوية، بل كانت انفجارا اجتماعيا غير مسبوق، قوته الاساسية تكمن في الشبيبة والطلبة والنساء، وجاء ردا على استهتار قوى المحاصصة والفساد بحقوق الناس وارادتهم. اذ ظن المتسلطون ان صبر العراقيين ورويتهم، وحرصهم على العملية السياسية خوفا من العودة الى الدكتاتورية او السقوط في قبضة الارهاب، يمكن توظيفهما لتكريس فكرة الشعب مسلوب الارادة.
من جانب آخر جاءت الانتفاضة تتويجا لسلسلة الاحتجاجات والاضرابات والتجمعات التي رافقت مسار الدولة الفاشلة منذ أكثر من 10 سنوات. وهذا يؤكد عدم وجود نضالات سياسية او اجتماعية منقطعة الجذور، وان مساعي تصوير الانتفاضة على انها حدث منفصل عما سبقه، يأتي لإضعافها والتقليل من أهميتها وتسطيح محتواها. وفي هذا السياق جاءت مليونية 25 شباط 2020، بعد مرور تسعة اعوام على انطلاق محطة رئيسة في مسار حركة الاحتجاجات العراقية في 25 شباط 2011، لتؤكد ما ذهبنا اليه.
واثبتت احداث الأيام الاخيرة ان الانتفاضة نجحت في تجاوز أكثر من امتحان صعب، وأنها تمتلك مقومات الاستمرار رغم شراسة الخصم وامتلاكه عناصر قوة متعددة، ورغم الموقف الإقليمي والدولي المتفرج، وغير الراغب في تحقيق اهداف الانتفاضة، انطلاقا من تلاقي مصالح المتصارعين الاقليميين والدوليين في عدم احداث تغيير قد يؤثر على ترتيب اولوياتهم رغم تقاطعها.
حققت الانتفاضة جملة من النجاحات ورسخت عددا من الحقائق التي ستصاحب مسارات الصراع السياسي والاجتماعي في العراق في السنوات والعقود المقبلة، والتي يصعب في هذه المساهمة حصرها ولكن من الضروري الاشارة الى اهمها:
اسقطت الانتفاضة الهيبة المفتعلة لنظام المحاصصة والفساد وجعلت التغيير فكرة ملموسة، يمكن النضال والعمل من اجلها، وكسرت حاجز التردد ومهدت الطريق لجولات وانفجارات مقبلة. جعلت مفهوم المواطنة ومشروع الدولة الوطنية ملفا رئيسا في ساحات الصراع وطاولات الحوار، وبالتالي اعطته زخما مستقبليا كان بالنسبة لفئات شعبية واسعة غير منظور. واعادت الى الشخصية العراقية ألقها الوطني بعد ان حاولت قوى الرجعية والتخلف في المحيط الإقليمي وصفها بالمترددة وغير الفاعلة وذلك بالضد من حقيقة ومسار تجربتها التاريخية وعمقها المقاوم.
ونجحت الانتفاضة في إعادة الفئات والشرائح الاجتماعية كالنساء والطلبة الى مركز الصراع، وبعثت من جديد دور هذه الفئات المعروف في تاريخ العراق السياسي الحديث. وفتحت نافذة ليس من السهل غلقها لاستعادة الثقافة والابداع العراقي على اختلاف الوانه لدوره الريادي المعروف في الصراع الاجتماعي، والذي حاولت قوى الظلام والتخلف حجبه وتأبيد تراجعه. عادت إلى الواجهة قصائد الجواهري ومظفر النواب والسياب وغيرهم الكثير من اعلام الشعر العربي والعراقي المعاصر، وكذلك الشعر الشعبي المرتبط تاريخيا بالحركة الثورية.
واعادت الانتفاضة الروح الى قيم واشكال التضامن وبالتالي معافاة جزء من الخراب الاجتماعي الذي لحق بمجتمعنا العراقي الحي خلال أكثر من 50 سنة من القمع والحروب والحصار والتشظي الطائفي والاثني.

نظام سياسي عاجز ودولة فاشلة

رغم مرور ستة أشهر على اندلاع الانتفاضة عجز النظام السياسي والدولة الفاشلة التي انشأها عن ايجاد مخرج مقبول بحده الأدنى. ويعود هذا العجز الى التناقض الرئيس الذي يعاني منه المتنفذون والمتمثل في حرصهم المكشوف على الاحتفاظ بنظام المحاصصة المتعشق بمافيا الفساد، وسعيهم في الوقت نفسه إلى تجاوز شكلي للازمة، وقطع الطريق على مشروع التغيير، ومحاولة حصر الانتفاضة في حدود ورقة ضغط لا أكثر، انهم لا يختلفون في الحفاظ على نظام المحاصصة، لكنهم يختلفون في المس بحصصهم في سياق اي "حل" يطرحونه لتجاوز الأزمة، وان حديث المتنفذين عن الفراغ الدستوري وحقوق المكونات والشراكة الوطنية، لم يغير من الأمر شيئا. وجاء فشل السيد محمد علاوي المتوقع ليسلط الضوء على دوران المتنفذين في حلقة مفرغة. لقد ادى استمرار الانتفاضة الى تضييق مساحات التسويف والمماطلة التي اعتمدها المتنفذون طيلة 17 عاما عجافا. ورغم فشل اساليب القنص والاغتيال والاختطاف والترهيب التي مارسوها، لم يكفوا عن استخدام القمع المكشوف، لأنهم أدركوا ان الاستجابة الى المطالب الرئيسة للمنتفضين تعني تفكيك نظام المحاصصة والفساد، الذي يمثل شريان حياة واستمرار المتنفذين في السلطة، ودخول العراق في مرحلة انتقالية جديدة. ولكن ليس من السهل عليهم، على الأقل الآن، اللجوء الى هذا الاسلوب، نظراً لاستمرار الانتفاضة واتساع مساحاتها، والضغط المتوقع من الرأي العام العالمي، وعدم رغبة المتصارعين خارج الحدود الوطنية في تفجير الوضع بشكل لا يمكن السيطرة عليه، او التنبؤ بمآلاته.

الانتفاضة والتغيير المنشود

لا نبالغ إذا استخدمنا كل اوصاف الاطراء والمديح والتمجيد للمنتفضين، فهم شجعان بلا حدود، ويمتلكون اصرارا بدد الأنانية والارتزاق وغياب الروح النضالية التي الصقها البعض بالشخصية العراقية جراء تاثيرات الحروب والحصار، والعنف المنفلت والفوضى التي طبعت الحياة بعد رحيل الدكتاتور. ويستند هذا الاصرار إلى وعي راسخ بضرورة التغيير، وقد عبر شبيبة وفتية الانتفاضة عن نقلة نوعية في الوعي، من خلال إدامة الانتفاضة والتمسك بسلميتها.
ولكن حرصا على الانتفاضة، والسير بها الى ضفاف آمنة يجب على المنتفضين والقوى الاجتماعية والسياسية الداعمة لها مراجعة مشوارها وتأشير جملة من الامور التي رافقته، خصوصا تلك التي اتكأ عليها المتنفذون لإطالة عمر نظامهم والمبالغة الوقحة في ممارسة التسويف والمماطلة. وما زالوا يوجهون اللوم المفتعل الى المنتفضين، عندما يتحدثون عن فقدان الانتفاضة لهيكلية واضحة، وقيادة واضحة وبرنامج يشكل ارضية ممكنة لبلورة مشروع التغيير. ان هؤلاء (الخصوم والاعداء) يوظفون كلمة حق يراد بها باطل، يمكن تلمسه بسهولة. فالوقت قد حان، خصوصا بعد تسجيل المنتفضين نجاحا جديدا بعد انسحاب رئيس الوزراء المكلف، وعودة المتحاصصين الى دوامة البحث عن بديل، ليرتقي المنتفضون باشكال التنسيق التي نجحت في الجانب اللوجستي، وينقلوها الى ميدان الفعل السياسي. فليست هناك انتفاضة نجحت جزئيا او كليا من دون قيادة، ومن دون الحد الأدنى للبرنامج البديل الذي تريده.
وهذا مرتبط ايضا بضرورة مراجعة شعار الرفض والعداء العام والمفتوح للأحزاب والحزبية، على الرغم من تفهم الاسباب التي دفعت اغلبية المنتفضين على تنوع اجيالهم الى تبني هذا الشعار غير الدقيق. نعم، عاش العراق خمسة وثلاثين عاما قاسية تحت دكتاتورية البعث، بكل جرائمها وسفالاتها وعدائها للانسان. ومن سوء حظ العراقيين ان احزاب نظام المحاصصة ومتنفذيها عمقوا روح الرفض للحزبية، لان اكثرهم تحولوا الى نهابين للمال العام، ولم يستطيعوا تقديم صورة مقبولة للحزب والحياة الحزبية السليمة، ناهيك عن الدور الذي تلعبه مؤسسات اعلامية، تدعي زورا دعم الانتفاضة، ولكنها تسعى الى ترسيخ هذا المفهوم الخاطئ. فهي معنية باستمرار الخراب، او اعادة انتاج دكتاتورية من نمط الدكتاتورية المنهارة.
وهنا يبرز اكثرمن سؤال لعل اهمها: هل يمكن تحقيق التغيير بدون ديمقراطية حقة، وهل يمكن بناء نظام ديمقراطي بدون احزاب؟ التجربة العالمية تجيب بالنفي، اي ان اي نظام سياسي بديل لابد ان تبنيه أحزاب وتيارات سياسية وحركات اجتماعية. ومن ناحية اخرى فان شعار رفض جميع الاحزاب، الذي تراجع الآن، حيث بدأت اوساط من المنتفضين تتحدث عن رفض الاحزاب الفاسدة، وانه يصب في ضوء التطورات الاخيرة في صالح معسكر اعداء التغيير، لانه يضع جدارا عازلا بين المنتفضين والاحزاب السياسية صاحبة المصلحة في التغيير، والشخصيات والكفاءات الوطنية، والاتحادات النقابية والمهنية، الحليف الحقيقي للمنتفضين. وبالتالي يُفقد الانتفاضة ذراعها المجرب، صاحب الخبرات المطلوبة موضوعيا لادامة زخم الانتفاضة، والسير بها قدما على طريق تحقيق اهدافها المشروعة.
وفي المقابل يتوجب على القوى الوطنية صاحبة المصلحة في التغيير ان لا تكتفي بالتذكير باهمية تطوير الاداء السياسي للانتفاضة، بل عليها مجتمعة العمل الجاد للوصول الى اشكال عمل جديدة تتجاوز اعادة انتاج التقليدي والمتقادم، لكي تساهم بشكل ملموس في لملمة قوى التغيير. فالواقع العراقي المتشضي والذي يواجه ضغوطات اقليمية ودولية هائلة تتوحد، رغم تصارعها، في منع قيام عراق جديد، أصبح اليوم في أمسّ الحاجة الى إطار تنسيقي حقيقي يضم قوى التغيير: المنتفضين والقوى السياسية والاجتماعية، وبدون ذلك سيطول الطريق وتصبح الكلفة على الشعب والوطن باهضة. ان حجم المصاعب على هذا الطريق كبير جدا، ولكن السير عليه ضرورة حياتية وبوابة لغد ديمقراطي مطلوب.
وان على المنتفضين ايضا الابتعاد عن الصراعات الثانوية، خصوصا العقائدية، لان مفردات المعركة واضحة، والانجرار الى مثل هذه الملفات يسهل مهمة المتحاصصين، الذين طالما وظفوا المقدس لترسيخ منهج الدولة الفاشلة.
وبغض النظر عن حجم التغيير المباشر الذي ستحققه الانتفاضة، انطلاقا من توازن القوى المحلية والإقليمية والسياسية الامريكية معروفة الطبيعة والاهداف، فأنها حققت الكثير. ولا يمكن اليوم حتى للمستبدين إعادة عجلة تطور الصراع الاجتماعي والسياسي في العراق الى الوراء.
ان الأبواب والنوافذ التي فتحتها الانتفاضة ستظل مشرعة، وإذا لم يحسم الصراع في هذه الجولة، فالانفجار المقبل ليس ببعيد. ذلك ان رؤوس المحاصصة والفساد عاجزون على طرح شيء مختلف عن الفشل الذي شيدوه.
فلتتضافر جهود قوى التغيير، كي نفوت على اعداء التغيير فرصة

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل