/
/
/
/

تتوهم الأنظمة الدكتاتورية العربية ، وفي عدادها الحكومات الفاسدة شبه " الديمقراطية " - كالحكومتين العراقية واللبنانية -   إن أعتقدت بأنها ستستفيد  طويلاً من انشغال أو إشغال شعوبها بالأزمة الصحية الراهنة التي يمر بها العالم جراء فيروس "كورونا "  ، بل إن الشعبين العراقي واللبناني ورغم هذه الأزمة وما تتطلبه من محاذير وقائية صحية ، مفتعلة أم فعلية ، ورغم حتى الظروف المناخية القاسية ، إلا أنهما ما أنفكا يواصلان فعالياتهما الحراكية من أجل تحقيق الإصلاح الديمقراطي الجذري الشامل للنظام الذي يكفل وحده تحقيق الديمقراطية الحقة واجتثات الفساد ، والقضاء على حاضنته البيئية " المحاصصة الطائفية " ، وبخاصة العراق لما قدّمه شعبه من تضحيات هائلة في مواجهته للقمع السلطوي الوحشي خلال خمسة شهور منذ اندلاع الانتفاضة  في  تشرين الأول /  اكتوبر  الماضي .

ودون التقليل من مخاطر انتشار فيروس " كوفيد 19 " فإنه يُجدر بنا  هنا التذكير بما لعبته وتلعبه الامبريالية العالمية ، وعلى رأسها الأميركية عبر أخطبوط آلاتها الإعلامية الجبّارة ، من دور محوري  في تهويل البشرية وإرعابها من مخاطر الفيروس ، وكأن نهاية العالم أو الساعة قد اقتربت وانشق القمر !

وما كان هذا التهويل يُمارس إلا لغايات أنانية دنيئة - اقتصادية وتجارية وحتى أيديولوجية -  ترمي واشنطن منها ضرب الاقتصاد الصيني المتصاعد والذي يُعد الثاني في الترتيب العالمي ، وكذلك  بضائعها الصحية والدوائية المتعلقة بمكافحة الوباء ، وعزل الصين عن العالم والاساءة لشعبها العامل العظيم وهو أكبر شعب في العالم سكاناً ينوف على المليار ونصف .

والحق لم يتعرض شعب من الشعوب قاطبة في تاريخنا المعاصر لحرب نفسية مسعورة كما تعرض ويتعرض لها الشعب الصيني على خلفية أبتلائه بكورونا، حتى وجد الصينيون أنفسهم بمجملهم منبوذين عالمياً - أينما حلوا وأينما رحلوا في أصقاع المعمورة - نبذاً أقرب للعنصرية ، ولم يكن ذلك تحت تأثير الذعر العالمي الغريزي من الفيروس فحسب ، بل وللدور التهويلي الذي يمارسه الإعلام الغربي . وهنا وجدت الأنظمة الدكتاتورية العربية ضالتها في تلقف هذا التهويل الإعلامي الذي تقوده الامبريالية  الاميركية وحلفاؤها الدوليين لصب الزيت على نار مخاوف شعوبها وإظهار نفسها بمظهر المنقذ الحريص على صحتها وسلامتها  ، وما ذلك إلا لغايات في نفس يعقوب لاسيما تلك الأنظمة التي ما فتئت تعاني من وساوس شبح ثورات شعوبها الذي ما برح يقض مضاجعها منذ عام 2011 ،   فلا غرابة إذا ما انخرطت في سلسلة  من التشريعات والاجراءات ، المبررة منها وغير المبررة ، وعلى رأسها بالطبع تلك المتعلقة بالتحذير من مخاطر التجمعات الاعتيادية  . 

أما على الجانب الخليجي فإن بعض الأنظمة التي برحت مسكونة فعلياً بشبح ربيع ذلك العام ، فلم تتوانَ عن القيام  باجراءات مسرحية احترازية مهووسة و مضخمة جداً لعل  لا نظير لها في العالم ؛ فبالإضافة  إلى تلك الاجراءات المفرطة لم تتورع عن إعطاء الضوء الأخضر لطابورها الخامس للنزول بكل قوة لإشعال حرب تحريضية طائفية فيما بين  مكونات نسيج شعوبها ، وذلك من خلال تحميل مكون منه،  وايران المجاورة الذي تشارك المكون نفسه في المذهب مسؤولية نشر الوباء ، وبخاصة بعد عودة القادمين منها والذين لم يحجوا إليها إلا لأسباب دينية تتعلق بحرية العقيدة  . ولا شك بأنها تتوهم من خلال اتباع هذه السياسة ضرب عصفورين بحجر  واحد :  عبر  إشغال شعوبها  من جهة بفيروس " كورونا " ، ومن جهة اخرى عبر اشغاله مجدداً بفيروس  " الطائفية " المقيت الذي لا يقل خطراً عن  الأول ،  فإن تعافت شعوبها من الأول ضمنت على الأقل استمرار انشغاله بالثاني ،  وبخاصة في ضوء ظهور بوادر أولية لتعافيي بعضها من فيروس الطائفية إثر تردي أحوالها المعيشية بكل طوائفها وفئاتها الاجتماعية ، ومن ثم تفاقم سخطها مجتمعةً  من الضرائب وتدني الرواتب وعدم إضافة أي زيادة في السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة ، وهذا ما أثار بالضبط قلق حكامها من توحدها  ضدها والخوف من أن يفسد سلاحها الأثير " فرّق تسد " أمضى سلاح فعال نجحت فيه إخماد ثورات ربيع 2011   .

مهما يكن فإن كل المؤشرات تقطع بأن الصين ، وبما بلغته  من تطور علمي وتكنولوجي ، ستخرج منتصرةً  من معركتها ضد الفيروس خلال فترة وجيزة لن تتعدى بضعة شهور  ، خاصة وأن كل ما قامت به حتى الآن من اجراءات لمكافحته ، أشادت بها منظمات دولية عديدة  ، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية . ولعل ما  يعزز الأمل في  الإنتصار على " كورونا "  تصميم الشعب الصيني العظيم الذي يقف في هذه اللحظات التاريخية العصيبة الحاسمة  خلف قيادته السياسية متحفزاً بأقصى طاقاته في هذه  المعركة للتخلص من الوباء  والخلاص من العزلة الدولية المفروضة عليه . وهو إذ ينسى فلن ينسى  الجرح الغائر الذي لحق بكرامته وكبريائه جراء  طريقة معاملة العالم له منذ ظهور الفيروس ، سواء أكان ذلك بقصد أم تحت تأثير الذعر الإنساني العفوي  ، وهي معاملة كان يتوجب  على منظمات حقوق الإنسان عدم السكوت عليها وتنطيم  توعية عالمية في كيفية معاملة الصينيين إنسانياً ومن ثم التمييز  بين المصابين وغير المصابين منهم ، سيما وأن الشعب الصيني ينوف سكانه على المليار ونصف كما أسلفنا .  

والحال فإن  مراهنة الرأسمالية الأميركية على استمرار تعثر جهود الصين في هذه المعركة محتومة بالفشل الذريع حتى من وجهة الأبعاد السياسية والايديولوجية في الصراع بين الاشتراكية ( وفق النموذج الصيني ) والرأسمالية ، إذ أنه حتى  في ظل استنكاف القيادات المتعاقبة التي جاءت بعد ماو عن القيام بإصلاحات دستورية ديمقراطية تأخذ بفصل السلطات الثلاث والتعددية ، إلا أنه يمكن القول تأسيساً على ما تم من إصلاحات داخل الحزب وما مر به الشعب وقيادته السياسية معاً من تجارب مريرة خلال فترة التطرف الماوي الطويلة من مجاعات ومذابح إعدامية  سيستفيد منها الشعب والحزب حتماً كخبرات متراكمة في كيفية النهوض منها مظفرين بالنصر المؤزر.  

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل