/
/
/
/

ترجمة : فؤاد الصفار

منح مشروع دونالد ترامب حول السلام الفلسطيني- الاسرائيلي، التي تم الكشف عنه في 28 كانون الثاني 2020، بطاقة بيضاء لبنيامين نتنياهو لفرض حَله لمشكلة الشرق الاوسط مما يسبب في خطر اندلاع انتفاضة جديدة وايضا خطر انشاء سابقة خطيرة على المستوى الدولي من خلال ضَم الاراضي التي استولت عليها اسرائيل بالقوة.

هذه الصفقة التي أعلنها ترامب في البيت الابيض بجانب صديقه الحميم نتنياهو، لا تهدف لى وضع حد للصراع الاسرائيلي- الفلسطيني والذي طال انتظارها أكثر من ثلاث سنوات، بل الى تصفية قضية فلسطين وحقوق الفلسطينيين المشروعة.  وقد سمي المشروع الذي تضمنته ’’ من السلام الى الازدهار’’ واعتباره نقطة تحول تاريخية.  وفي الحقيقة انها لم تتضمن حلا لمشكلة لم تجد حلا لها لأكثر من ثلاثة ارباع القرن، بل ارسلت الى المزبلة تاريخ احكام القانون الدولي، ومكتبة كاملة من قرارات الامم المتحدة وجميع الاتفاقات المبرمة بين الزعماء الفلسطينيين والإسرائيليين منذ مفاوضات اوسلو 1995.

قبل قراءة 181 صفحة من خطة ترامب، يكفي النظر الى وجه نتنياهو المشرق والابتسامة العريضة والمنتصرة والثناء الذي قدمه للقائمين على هذه الخطة. لقد كان معروفا ان فريق عمل الخطة قرر الغاء كافة المحاولات السابقة، وتجاهل بشكل كبير التنازلات والتقدم الذي قدمه المفاوضون من كلا الجانبين، اضافة الى ان قادة السلطة الفلسطينية لم يتم ابلاغهم او استشارتهم بهذه الخطة، خاصة انهم اي الفلسطينيين قطعوا كل حوار مع واشنطن منذ اعتراف ترامب عام 2017 بالقدس عاصمة إسرائيل وتبعها نقل السفارة من تل ابيب الى القدس.

عراب ومهندس هذه الخطة، جاريد كوسنر، هو صهر ترامب ومستشاره الشخصي، وملياردير عقارات، وهو لا يملك اي خبرة دبلوماسية، ويتصف بغطرسة استعمارية، عنصرية، فخلال مقابلة له في صحيفة "اكسبوس" الربيع الماضي قال انه " يأمل في ان يتمكن الفلسطينيون بمرور الوقت من ان يحكموا أنفسهم"، وبعد بضعة أشهر من هذا التصريح وردا على سؤال من دبلوماسي اوربي حول المبادئ التي ارشدته، اجاب جاريد "ان خطة السلام بين اسرائيل وفلسطين، حددت من خلال الحرب وأن الفلسطينيين خسروا الحرب والفائز هو من يُملي الشروط".

ان هذا المشروع يحمل الانحياز الكامل لضغوط ولطلبات الاسرائيليين والتي شجبها القادة الفلسطينيون منذ أكثر من عامين، اما العراب الاخر لهذه الخطة فهو السفير الامريكي لدى اسرائيل دافيد فريدمان، والمقرب من جاريد، الذي صرح لصحيفة نيويورك تايمز "ان اسرائيل لها الحق في الاحتفاظ ببعض وليس كل الضفة الغربية، وان ما يحتاجه العالم هو دولة فلسطينية ضعيفة بين اسرائيل والأردن". كما ضم فرق المشروع المبعوث الشخصي لترامب للشرق الاوسط، ماسون جرين.

 لقد دفع هذا الدعم الامريكي اللامحدود نتنياهو الى فكرة ضَم وادي الاردن والتي جعلها فقرة في برنامجه الانتخابي.

إن خطة صفقة القرن بعيدة جدا عن اصحاب القضية، فبعد اجتماع طارئ حضره اعضاء من حركة حماس، والجهاد الاسلامي، قال محمود عباس "ان من المستحيل على اي طفل فلسطيني ان لا تكون القدس عاصمة الدولة الفلسطينية" اما كبير المفاوضين الفلسطينيين والامين العام لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، فقد وصف هذه الخطة بأنها صورة مصورة من خطة نتنياهو، أما رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد شيت، فقال عنها انها محاولة لحماية ترامب من اقالته ونتنياهو من السجن.

منطقتان في الصحراء للتعويض

موضح بالتفصيل في الوثيقة التي قدمها البيت الابيض وبلغتين ، فأن الخطة بعيدة كل البعد عن المبادئ المتفق عليها سابقا (على الورق) والتي تخلت عنها إسرائيل، واعتبرها جاريد قديمة وعفا عليها الزمن ، كانت تلك المبادئ تهدف الى اقامة دولة قابلة للحياة، تضم قطاع غزة، الضفة الغربية، ضمن الحدود المحددة بخط الهدنه لعام 1949 (الخط الاخضر) ونهر الاردن، وعاصمتها القدس، وهذه  الخطة عبارة عن نصف دزينة من " الكاتنونات" الفلسطينية حول طولكوم، نابلس، رام الله، اريحا، بيت لحم، الخليل، وغزة، مفصولة بمناطق اسرائيلية وربطها بعشرات الجسور او الانفاق . اما وادي الاردن فسيضم بأكمله الى اسرائيل  وكذلك كافة المستوطنات، وهناك 15 مستوطنة صغيرة سيتم ربطها بإسرائيل عبر طرق مؤمنة، هذه المستوطنات الصغيرة المحاذية للجدار الذي اقامته اسرائيل عام 2002، بحجة حماية الإسرائيليين من الارهاب اصبح اكثر المناطق حساسة، و الجزء الكبير من الضم هو استراتيجية تسمح لإسرائيل بالاستيلاء على جزء من امدادات المياه في المنطقة، وضم اكثر من 500000 مستوطن في الضفة الغربية، و 220000 مستوطن في القدس الشرقية، وحسب خطة ترامب، فإن القدس سوف تكون عاصمة اسرائيل بالكامل وليس كما منصوص في السابق ان تكون عاصمة للدولتين .

كما يجوز للدولة الفلسطينية المزمع انشاؤها من تثبيت عاصمتها على مشارف القدس الشرقية، ولكن خارج حدود القدس الكبرى. ان الاراضي التي سوف تضم الى اسرائيل بموجب هه الخطة تعادل 60 في المئة من الضفة الغربية، و20 الى 25 في المئة من وادي الاردن و42 في المئة من المستوطنات ومحميات اراضيها، وسيتم تبادلها حست الخطة بمناطق في صحراء النقب على طول الحدود المصرية، حيث يمكن تطويرها صناعيا وزراعيا وسكنيا وفق خطة ترامب.

ان الدولة الفلسطينية التي ستولد ليس قبل أربع سنوات بعد الموافقة على الشروط المنصوص عليها في الخطة، سوف تخضع لمطالب اسرائيل، بعدم التسليح، وليس لها الحق في مراقبة مجالها الجوي، ويحظر عليها ابرام اي اتفاقية امنية او دفاعية مع اي دولة، ولإسرائيل الحق في التدخل العسكري وتدمير اي منشاة تراها خطرا عليها، بمعنى دولة لها الحق في حكم نفسها ولكن ليس لتهديد اسرائيل. يبقى السؤال المهم بالنسبة الى الفلسطينيين هو "حق العودة" فبعد هجرتين عامي 1948 و1967، فهناك ما يقارب 5,5 مليون ونصف لأجيء حسب الوكالة المتخصصة للأمم المتحدة، لأن الوثيقة الامريكية تشير الى انه يجب ايجاد حل عادل وواقعي لكنها تصر على ان الصراع العربي الاسرائيلي قد خلق أكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين مثل اللاجئين اليهود الذين طرودا من الدول العربية.

ان كافة النقاط الاخرى المذكورة في الخطة، اولية الامن، الحدود، مسألة الاراضي، تقرير المصير، السيادة، كلها جاءت حسب متطلبات الارادة الاسرائيلية وأن ادارة ترامب بعيدة عن السعي لتمهيد الطريق الى السلام، فقد اختارت الانحياز الكامل الى اسرائيل واعطت الضوء الاخضر الى نتنياهو بتطبيق حَله حتى لو لزم استخدام القوة، وان وعد الامريكيين باستثمار 50 مليار دولار "غير مؤكد"\

0خه111ي هو بمثابة تخلي الفلسطينيين عن كافة تطلعاتهم في بناء دولتهم.

ان الواقع العربي منقسم وضعيف ولا يستطيع رفض اي قرار قادم من امريكا، فماذا بقي للشباب الفلسطيني؟ الامم المتحدة، انتفاضة اخرى ومواجهة الدبابات الاسرائيلية.

 اما الاتحاد الأوربي فهو مشغول حاليا بخروج بريطانيا من الاتحاد، وفرنسا ايدت الخطة وطالبت بقيام دولتين حسب القانون الدولي. السفير الامريكي السابق في اسرائيل ومستشار اوباما قال " ان هذه الخطة هي حفلة تنكرية من البداية الى النهائية ". اما صحيفة هارتس اليومية فقد كتبت " ان هذه الخطة لن تؤدي الى قيام دولة فلسطينية بل الاستيلاء الكامل على الضفة الغربية من قبل إسرائيل".

  • من موقع مديا بار

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل